النموذج الديمقراطي في منبج يؤرق تركيا وتريدها على شاكلة فوضى “درع الفرات”

 

لزكين إبراهيم

تستميت تركيا في الآونة الأخيرة لإثارة زوبعةٍ حول منبج في محاولة لاحتلالها رغم إدراكها أن طموحها صعب المنال، وعليه تطلق التصريحات يميناً وشمالاً عن الاتفاقية المبرمة بينها وبين أمريكا حول المدينة، ولكن المتتبع للتصريحات التركية وما يجري على أرض الواقع ومقارنتها بالتصريحات الأمريكية؛ سيدرك أن تركيا تحاول رسم انتصار وهميٍّ في منبج؛ متخذة من ضبابية بعض بنود الاتفاق فرصة لتعكير الجو بتصريحاتها الخلبية وإيهام الرأي العام وداخل تركيا بالأخص أنها تحقق ما تريده كنوع من الدعاية الانتخابية التي تقبل عليها تركيا في 24 الشهر الجاري.

ومن خلال تلك التصريحات المتناقضة بين الطرفين ينكشف في شمالي سوريا تضارب المصالح واختلاف الاستراتيجيات الامريكية والتركية، ويمكن التأكيد ان آمال تركيا باستمالة الامريكيين نحوهم ونحو سياساتهم وخطتهم في شمال سوريا؛ ليس إلا حلماً ووهماً، فالأمريكيون خصصوا 550 مليون دولار لدعم قوات سوريا الديمقراطية في عام 2019، وامريكا تعتبر سوريا منطلقاً لإعادة ترسيم الخارطة المستقبلية للشرق الاوسط وتخشى كثيراً انتشار نفوذ محور (ايران) وروسيا في هذه المنطقة، وبالتالي ليست مستعدة للتخلي عن تحالفها مع الكرد الذين أثبتوا أنهم قوة منظمة، ويمكنها لعب دور أفضل في المنطقة، ويمكن فهم ذلك من خلال زيارة قيادات أمريكية رفيعي المستوى إلى منبج، وتأكيديهم باستمرار أنهم لن يخلوا عن منبج أو تحالفهم ودعمهم لقسد ومجلس منبج العسكري، وفي المحصلة يبدو أن أمل أردوغان بالأمريكيين هو غير واقعي واضغاث أحلام تتنافى مع الحقائق الموجودة على الأرض.  

وبغض النظر عن كل تلك التصريحات المتناقضة والاتفاقية التي أثارت جدلاً واسعاً في الوسائل الإعلامية مؤخراً، هناك سؤال هام لابد من طرحه والاجابة عليه، وهو، ماذا سيحصل في حال احتلت تركيا وما تسمى “درع الفرات” مدينة منبج؟ وماذا قدمت تركيا للمناطق التي احتلتها سابقاً لتقدمها لمنبج؟.

للإجابة على هذه الأسئلة يمكننا بكل بساطة مقارنة الأوضاع في منبج بعد تحررها من داعش، ومناطق ما تسمى درع الفرات التي احتلتها تركيا من جرابلس شرقاً حتى إدلب غرباً مروراً بعفرين المحتلة مؤخراً؛ لندرك أن تركيا ومرتزقتها لا يمكنها جلب الاستقرار لأي منطقة تدخلها لأنها بالأساس سبب كل الفوضى والأزمة في سوريا والمنطقة عامة.

بداية علينا العودة بالذاكرة قليلاً إلى حملة تحرير منبج من قبل قوات سوريا الديمقراطية، فحينها ظهرت الكثير من المشاهد التي تعبر عن مدى لهفة أهالي منبج لتحررهم من داعش وثقتهم بالقوات المحررة، فكان الأهالي يتهافتون للوصول إلى المناطق المحررة والنساء يخلعن عباءات داعش السوداء ويحرقنها، واستقبلوا قسد بالزهور كما يقال، وبعد التحرير لم يخب ظنهم في القوات التي حررتهم، حيث استلم المدينة مجلسهم العسكري وتشكلت قوات الأمن الداخلي من أبناء وبنات المدينة، وشكلوا إدارتهم المدنية التي من خلالها بدأوا بإدارة مدينتهم بحرية وبشكل ديمقراطي يتساوى فيها جميع المكونات لأول مرة في تاريخ سوريا الحديثة.

أما بالنظر إلى المناطق التي دخلها جيش الاحتلال التركي ومرتزقته؛ فهي تعتبر من أكثر المناطق انعداماً للأمن والاستقرار في سوريا، وتنتشر فيها الفوضى وتشهد بين الحين والآخر اشتباكات بين مجموعاتها وفصائلها المسلحة على أتفه الأسباب، ويكون في الغالب المدنيون هم ضحايا صراعهم، ومثالها ما شهدتها مدينة الباب مؤخراً من اشتباكات ومثلها جرابلس واعزاز، والاشتباكات بين المجموعات المرتزقة وعشيرة البوبنا العربية في عفرين وغيرها، ناهيك عن التفجيرات التي تحصل في مناطقهم كل فترة جراء استهداف المجموعات لمقرات وقيادات بعضها البعض، وكل ذلك يجري تحت أنظار تركيا التي لا تستطيع ضبط كل هؤلاء المجموعات المرتزقة الذين جمعتهم من كافة أرجاء المعمورة لتمرر من خلالهم سياساتها الاحتلالية لسوريا ووأد كل مشروع من شأنه جلب الحرية والديمقراطية للمنطقة.

ورغم ذلك لاتزال تركيا تقول بدون حياء أنها ستأتي إلى منبج لإعادة الاستقرار والأمن إليها!! فهل أعادتها لمناطق درع الفرات وإدلب قبلها حتى تعيدها لمنبج؟ ثم أن منبج منذ التحرير من داعش تعيش حياة أمنة وكل التفجيرات والمشاكل التي تحدث فيها بين الحين والآخر يقف خلفها تركيا ومرتزقتها، وهم يعترفون بذلك، إذا لو سحبوا أيديهم من منبج ستعود لها الاستقرار التام تلقائياً.

وفي تصريحات أخرى تقول تركيا أنها تريد أن تعيد المدينة لأهلها!! فمن هم أهل منبج بالنسبة لتركيا؟ هل هم داعش ومن كانوا متعاونين معها وهربوا إلى تركيا أثناء التحرير، أم أن تركيا تعتبر منبج من إرث الدولة العثمانية وتريد إعادتها إلى الحضن التركي مثلما تفعل حالياً في المناطق التي احتلتها في الشمال السوري.

وإن لم يكن هذا مقصد تركيا، فلماذا لم تكن تحرك ساكناً حين كانت منبج والمناطق الحدودية بيد داعش، لماذا لم تكن تعتبر تركيا حينها داعش تهديداً لأمنها رغم أن غالبية المناطق الحدودية كانت تسيطر عليها داعش؟ لماذا لم تقل تركيا حينها نريد تحرير منبج من داعش لإعادة الاستقرار إليها وإعادتها لأهلها، أم إنها كانت تعتبر منبج في ظل سيطرة داعش آمنة وبيد أهلها؟؟ ولماذا لم تتحرك تركيا بشكل فعلي لإخراج داعش من جرابلس وغيرها إلا بعد توجه قوات سوريا الديمقراطية نحو منبج لتحريرها؟. اساساً يمكن اعتبار خروج داعش من جرابلس والباب وغيرها هي أيضاً بفضل قسد، لأنها لو لم تبدأ بحملات التحرير لما سارعت تركيا لعقد اتفاق مع داعش بإخراجها ليحل هي محلها.

ولكن ما تواجهه تركيا اليوم في منبج عدا عدم التفاهم مع أمريكا لدخولها، هو رفض الشعب لدخول تركيا ومجموعاتها المرتزقة إليها، وخروج أهالي منبج في مظاهرات تنادي برفض الاحتلال التركي خير دليل على ذلك، ولأن أهالي منبج جربوا واختبروا كل تلك المجموعات بدءاً من النظام السوري مروراً بمن كانوا يسمون أنفسهم الجيش الحر إلى جبهة النصرة وداعش وتوابعها، ولم يرى أهالي منبج منهم إلا الويلات والظلم، ولم يشعروا بالأمن والاستقرار في ظل استمرار الأزمة السورية إلا بعد تحررهم على يد قوات سوريا الديمقراطية، وتشكيل مجلسهم المدني، لذا فإن أهالي منبج لن يقبلوا بعد الآن العودة لعهود الظلم وفوضى الفصائل المسلحة المختلفة المدعومة من تركيا التي هي أقرب في تصنيفاتها من العصابات التي لاهمّ لها سوى النهب والسلب والارتزاق وآخر همها الشعب وحريته.

كل ما ذكرناه يؤكد حقيقةً واحدةً هي: أن تركيا لها هدف وحيد من كل سياساتها وتهديداتها تلك، ألا وهي ضرب كل مشروع يقوده أو يطرحه الكرد بغض النظر إن كان طرحهم سيجلب الحرية والديمقراطية للمنطقة أو لا، فهي تعادي كل مشروع يحمل صبغة كردية أو يدعمه الكرد، فالأمر مرتبط بالعداء التركي التاريخي وعقدتها من القضية الكردية وإصابتها بما يمكن تسميته فوبيا القومية الكردية. وليس لها أية علاقة أو نية في تحرير الشعب السوري أو جلب الحرية والديمقراطية لها.

أما بخصوص ما سمته تركيا “خارطة الطريق” التي أدعت أنها اتفقت عليها مع أمريكا حول منبج، الثابت بحسب المعطيات على الأرض أن الإدارة الأميركية لا تريد الدخول في حربٍ أو صدام مباشر مع تركيا في سورية أو خارجها، وهي تحاول في سبيل ذلك، تدوير الخلافات معها من دون التخلي عن حليفها الكردي السوري. وعليه، تتبع استراتيجية خاصة بهذا الخصوص، وهي استراتيجية تقوم سياسياً على منع الصدام، وميدانياً على ترك الأمر للقيادات العسكرية. وفي الميدان قد تختلف الاستراتيجية المتبعة من منطقة إلى أخرى، إذ تختلف هذه الاستراتيجية في شرقي الفرات عن عفرين، وفي الأخيرة عن التنف، وفي التنف عن درعا. هذا كأننا أمام تناقضٍ بين الميدان والسياسة من جهة. ومن جهة ثانيةٍ، عن اختلافٍ في الميدان نفسه، تبعا لخصوصية كل منطقة، وعوامل الصراع التي تتحكم بها.

 

 

 

 

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password