حمورابي  !

          جاسم العبيد      

في التاريخ القديم عرفت شخصيات أثرت في حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فمنها من ابتكر واخترع ومنها من فتح البلاد وبنى حضارة ومنها من نظم وأدار البلاد بحسن السياسة والحكمة، أما حمورابي فهو القانوني الفذ والمحامي الشاطر والقاضي العادل الذي أصدر جملة من القوانين الغريبة في بلاد ما بين النهرين !

ملك من السلالة الأولى التي حكمت بابل في بلاد مابين النهرين .

هو حمورابي أو أمورابي نسبة للأموريين ابن الملك سين موباليت  وحمورابي تعني المعتلي وقد حكم تلك المنطقة ما بين عامي 1792 ق.م – 1750 ق.م .

وهو سادس ملوك بابل وأول ملوك الامبراطورية البابلية .

وحد الدويلات البابلية التي كانت متفرقة ومنقسمة على بعضها البعض ومتنازعة السلطة من بابل إلى سيبار وكيش وبورسيبا ولارسا واشنونة  إذ كان يتمتع بشخصية عسكرية ذكية وفكر متقد وقدرة إ دارية وتنظيمية متميزة فنجح في توحيد البلاد الممتدة من العراق إلى بلاد الشام والبحر المتوسط وبلاد عيلام . ويتصف بالدقة والدراية لواجبات الأفراد وحقوقهم في المجتمع كل حسب مهمته ووظيفته ومسؤوليته .

وحينما استتب الأمر له؛ استخدم سياسة بناء الأسوار للمدن والمعابد، وبنى القصور ليتسنى له حماية المدن من الأعداء وجيوش المعتدين .

هاجم العيلاميون مدينة اشنونة وقاموا بتدميرها وألحقوا الدمار بمدن أخرى

راسل حمورابي ملك لارسا للتعاون فيما بينهما لمحاربة العيلاميين لكن ملك لارسا لم يفِ بوعده بمساعدة حمورابي خوفا من العيلاميين إلا أن القائد حمورابي استطاع دحر جيش العيلاميين وهزمه ثم هاجم مملكة لارسا وأسقطها واتجه نحو الشمال إلى مملكة ماري العظيمة، فحاصرها ودمرها بعد فتحها وظلت مدمرة ومغطاة بتراب الطمي الذي يجلبه نهر الفرات كلما فاض في نيسان حتى ثلاثينات القرن العشرين؛ حينما اكتشفها الفرنسيون على يد عالم الآثار الفرنسي اندريه بارو .

ثم اتجه إلى أليبو (حلب ) وقطنة عند حمص، ووصل آمد (ديار بكر )،

وهكذا حكم حمورابي !.

في القرن الثامن عشر ق.م سنّ الملك حمورابي مجموعة من القوانين بلغ عددها 282 قانوناً سميت ( شريعة حمورابي ) هدفها ضبط سلوك الأفراد في مملكة بابل وتوفير الأمن والأمان لجميع بلاد مابين النهرين وتم حفر تلك القوانين على عمود بلغ طوله 5/6 قدم تقريباً، وهي تشمل حقوق الملكية والعبودية والطلاق والسلوك الإجرامي  والأمن وحقوق المحاربين ويعالج قضايا اقتصادية واجتماعية والميراث، وقد كشفت الحفريات في أنقاض مدينة السوسة في عام 1902 م، ووُجد هذا القانون منقوشاً نقشاً جميلاً على اسطوانة من حجر الديوريت نقلت من بابل إلى عيلام حوالي عام 1100 ق.م، وهي اليوم في متحف اللوفر بفرنسا ويرى الملك   حمورابي على أحد أوجه الاسطوانة يتلقى القوانين من شمش نفسه وتقول مقدمة القوانين ( ولما آن عهد آنو الأعلى ملك الانوناكي وبل رب السماء والأرض، الذي يقرر مصير العالم لما آنو عهد حكم بني الانسان كلهم إلى مردوك، ولما آن نطق باسم بابل الأعلى وأذاع شهرتها في جميع أنحاء العالم وأقاما في وسطه مملكة خالدة أبد الدهر قواعدها ثابتة ثبات السماء والأر ض في ذلك الوقت ناداني آنووبل أنا حمورابي الأعلى عابد الآلهة لكي أنشر العدالة في العالم وأقضي على الأشرار والآثمين وأمنع الأقوياء من أن يظلموا الضعفاء وأنشر النور في الأرض وأرعى مصالح الخلق، أنا حمورابي أنا الذي اختاره (بل) حاكماً والذي جاء بالخير والخصب، والذي أتم كل شيء في نيبور ودور أيلو والذي وهب الحياة لمدينة أوروك والذي أمد سكانها بالماء الغزير، والذي جمل مدينة لارسا، والذي خزن الحب لأوراش العظيم، والذي أعان شعبه في وقت المحنة وأمن الناس على أملاكهم في بابل حاكم الشعب الخادم الذي تسر أعماله (انونيت )، ومن تلك القوانين :

1- تقطع أذن العبد إن خالف سيده وقال له أنت لست سيدي !

2- تقطع يد الولد إن خالف أوامر والده واعتدى عليه.

3- إذا خلع رجل سن رجل آخر فمن حقه خلع سن الرجل المتسبب بالضرر .

4- الحكم بالموت على ضبط متلبسا بالسرقة.

5- إذا كسر سيد عظم سيد آخر فحكمه كسر عظم السيد الفاعل.

6- إذا استأجر أحدهم ثوراً وأماته بسبب الإهمال أو الضرب يعوض صاحب الثور ثوراً مثله .

وهكذا أخذت قوانين حمورابي بمبدأ القصاص كنوع من العدالة الانتقامية، وارتبطت بقواعد العين بالعين والسن بالسن، ورغم اشتهار قوانين حمورابي بعقوباتها الآنفة الذكر إلا انها وضعت سوابق قانونية مهمة لازالت موجودة حتى يومنا هذا، وهي براءة المتهم حتى تثبت ادانته .

لم يصب حمورابي بالغرور على الرغم من الانجازات العظيمة في مجال توحيد البلاد وحكمها، وتحرير كثير من البلدات والممالك، بل اكتفى باللقب المعروف ملك الجهات الأربع، وكان مخلصاً لرعاياه وحريصا على ادارة ورعاية مصالحهم وتحقيق الرفاهية والامان والامن لهم، فأطلق على نفسه لقب الوالد والراعي .

يقول كريستو فردوسن في كتابه بحوث في الدين والحضارة : (لقد وصلت بابل من حيث المقومات الأساسية للحضارة في عصر حمورابي بل فيما قبله أيضا إلى درجة من الحضارة المادية لم يصل إليها غيرها من مدن آسية إلى وقتنا هذا ) .

أنشأ حمورابي القصور والهياكل في جميع نواحي المملكة وأقام جسراً على الفرات، وأخذت السفن التي لايقل بحارتها عن تسعين رجلاً، تنخر عباب النهر صاعدة نازلة، وأضحت بابل قبل المسيح بألفي عام من أغنى البلاد التي شهدها تاريخ العالم قديمه وحديثه .

وما من أحد ينظر الآن إلى موقع مدينة بابل القديمة في زمن حمورابي ثم يخطر بباله أن هذه البطاح الموحشة ذات الحر اللافح الممتدة على نهر الفرات؛ كانت من قبل موطن حضارة غنية قوية كادت تكون هي الخالقة لعلم الفلك وكان لها فضلٌ كبيرٌ في تقدم علم الطب  وعلم الطبيعة والفلسفة،

وأمدت اليهود بالأساطير القديمة التي أورثوها للعالم .

إن قصة العالم تبدأ من الشرق وبالأخص من بلاد ما بين النهرين دجلة والفرات .

لقد حددت بابل شروق الزهرة وغروبها بالنسبة للشمس، وحددت بابل مواضع النجوم، وصوروا السماء على مهل وصور علماء بابل الشمس والقمر، ولاحظوا اقترانهما كما لاحظوا الكسوف والخسوف وعينوا مسارات الكواكب وحددوا تاريخ الانقلابين الشتائي والصيفي وتاريخ الاعتدالين الربيعي والخريفي وقسموا دائرة فلك البروج إلى 12 برج وقسموا الدائرة إلى 360 درجة  وقسموا الدرجة الى 60 دقيقة والدقيقة

الى 60 ثانية وقسموا السنة الى 12 شهرا و30 يوما للشهر الواحد، وانتقل البابليون من رسم السماء الى رسم الأرض .

مات حمورابي عام 1750 ق.م تاركاً وراءه دول مترامية تسودها علاقات سياسية واجتماعية واقتصادية جديدة تنظمها مجموعة من القوانين الحضارية المتقدمة، ويسهر على حماية النظام والامن فيها جيش قوي يسيطر على خطوط التجارة العالمية القادمة من الصين ( طريق الحرير ) الى أنطاكية واستامبول القسطنطينية .وقد تولى الحكم بعد حمورابي خمسة ملوك آخرهم سمسو ديتانا .

المصادر :

1- تاريخ سوريا القديم — اسكندر داود

2- قصة الحضارة – ول ديورانت

3- بحوث في الدين والحضارة — كريستوفردوسن

 

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password