الربيع العربي (2).. من الإرهاصات الثورية إلى الانتكاسات…؟؟؟

 

رشيد عباس                            

….. والسؤال الأهم في هذه المرحلة هو:

هل يمكن عدّ هذه الصراعات بأنّها حالة ثورية قائمة في هذه الدول؟..

للإجابة عن هذا السؤال لا بدّ من معرفة المحرّكات التي تقف خلف هذه الأحداث، ودراسة ماهية القوى المؤثرة فيها. لا شكّ أنّ هناك قوىً حاولت تحريك الأوضاع لتهيئة الظروف الملائمة في هذه الدول بغية تمرير مخططات مستقبلية وإنجاز مشاريع سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية كما أنّ هناك رغبة جماهيرية ثورية لا يمكن إنكارها؛ تم استغلالها كشرارة أولى في إشعال فتيل الصراعات؛ من المؤكّد أنّ هذه الرغبة هي البذرة الحية التي تحافظ على الضمير الإنساني الحي الذي يهدف إلى التغيير المستمرّ نحو الأفضل، والعيش بسلامة وكرامة في الحياة فهي إن انعدمت وماتت، ماتت الإنسانية وانعدمت الحياة على الأرض، ومن المؤكد أيضاً أن هذه الرغبة هي المحرك الأساس في مجمل الأحداث لكنّها الخاسر الأول. أما القوى الأخرى فهي القوى التي تحاول الوصول إلى سدّة الحكم والاستيلاء على السلطة من خلال ركوب الموجة واستغلال الشّعارات التي تنادي بها الجماهير التّواقة إلى التغيير، وذلك لصالح دوافعها ومطامعها وهي في الوقت الذي لا تملك القدرة على التضحية بما تملك، لا ترى مانعاً أبداً في تغيير مواقعها ضمن تكتلاتٍ واصطفافاتٍ مختلفةٍ، ولا تتوانى عن التنازل عن الممتلكات الوطنية مقابل الوصول إلى السلطة، كونها لا تملك مبادئَ ثابتةً تؤمن بها، ولا برامج وطنيّةً واضحةً، فلا يهمها شيء إلا مصالحها ومصالح القوى التي تتعامل معها.

وبعد معرفة هذه القوى التي تتنازع وفق قانون تنازع البقاء للحصول على ما تبتغيه يمكن النظر إلى هذه الأحداث من زاوية معينة على أنّها إرهاصات ثورية وذلك من خلال الانطلاق من أنّها كسرت كثيراً من المفاهيم التقليدية الموروثة عبر الأجيال، وغيرت مفاهيم أخرى، وزرعت مفاهيم جديدة لدى المجتمعات، غير أنّ هذه الإرهاصات الثورية لم تجد البيئة المناسبة للانتعاش والديمومة لأسباب كثيرة منها أنّ الظروف الموضوعية المواتية التي جعلتها تولد وتنمو لفترة زمنية معينة خانتها منذ الخطوة الأولى، فلم تساعدها على النشوء والتبلور، كذلك عدم نضوج الظروف الذاتية ساعد في انتكاسها وعدم ترعرعها، حيث عانت من افتقادها القوة الدافعة من الداخل نتيجة ضعف القوى الطليعية القائدة لها والتي لم تستطع دفعها وتحويلها إلى المسار الصحيح وإعطائها المحرك المساعد للسير في الاتجاه المطلوب، مما جعلت هذه الإرهاصات ضعيفة أمام المستغلين والمتسلقين الذين ركبوا موجة التغييرات لتحقيق مصالحهم الذاتية ومآربهم الشخصية. إضافة إلى ذلك باعتقادي يوجد عاملان آخران مهمّان لأي تغيير ثوريّ وقد انعدما في هذه الإرهاصات وهما: عامل التفكير التقدميّ، إنّ انعدام بذور التقدم في هذه البدايات أدى إلى تسلط القوى الرجعية وهيمنة التفكير السلفي على مجمل الأحداث، في محاولة من هذه القوى الرجعية لخداع الجماهير الفاقدة إلى القوى القائدة بشعارات عاطفية تدغدغ أحلام الجماهير ومشاعرها من طرف، وربطها بالقوى الإقليمية المؤثرة في الأحداث والداعمة لها من طرف آخر، لتمرير المخططات والمشاريع المختلفة مثل إيجاد مناطق نفوذ وتشجيع التفرقة بين الجماهير لتسهيل التدخل الخارجيّ، والإكثار من الأهداف غير القابلة للتحقيق لغاية إطالة الصراع والتوتر المستمر بين الأطراف المتنازعة.

أمّا العامل الثاني فهو انعدام الإيمان بالصراع الطبقي وبالتالي انعدام الدافع النضالي إلى مقاومة هذا الصراع الذي هو أساس كل ثورة جماهيرية، بيد أنّ غياب هذا الإيمان أدى إلى بروز تفاوت طبقي أكثر حدّةً مما كان عليه في الفترة السابقة كما ساعد على سيطرة الفئات الانتهازية والعناصر الدخيلة على مجريات الأحداث والتحكم بالتظاهرات ومصادرة الحراك الشعبي وبروز تجّار الأزمات وأمراء الحروب، تلك الفئات التي لا تهمها إلا مطامعها الشخصية ومصالحها الفئوية الضيقة.

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password