مار دينيسيوس التلمحري نشاطه ومنهجه التاريخي..

جاسم العبيد                   

ولد التلمحري في قرية تل محري، الواقعة في ولاية الرقة على نهر البليخ، والتي قال عنها البلدانيون: أنها تبعد مسيرة يوم عن مدينة الرقة، وذكرها ياقوت الحموي ببيت من الشعر قائلا :

سقى الله البليخ وتل محري    وباجروان قارعة الطريق

ويرجح أن تل محري تقع في خرائب تل خنزير على بعد 30ك.م عن مدينة الرقة، وكان سكانها في عهود قديمة من الآراميين والسريان والصابئة، وعمل هؤلاء السكان بالزراعة؛ إلى أن هاجر كثير منهم إلى بلدات الرّها وحرّان والرقة، وفي الدير عمل الرّاهب الشاب ديونيسيوس في زراعة الكروم وأبدى نشاطاً علمياً في تراسله مع علماء عصره أمثال إيليا الحراني مطران السلمية.

والتلمحري من عائلةٍ عريقةٍ للموروث الثقافي والديني للسريان، وقد حفظت لنا سجلات مؤرخيهم مواقفَ مشهودةٍ لهم ولآلِ الرّصافي وغيرهم؛ إذ لم ينصاعوا لترغيبِ أو لترهيبِ الامبراطور هرقل الاول لهم سنة 628 م في مدينة الرّها .

وعندما قامت ثورة نصر بن شبث العقيلي في أرض الجزيرة سنة 81م؛

نال دير قنسرين بعض الأذى واحترق فناء الدير فانفرط عقد طلابه، فجاء معظمهم إلى ديرالعمود في ظاهر الرقة ،إذ جذبتهم شهرة البطريرك العلامة مارقرياقس المتوفى سنة 817 م، والمكانة المرموقة التي كان يتمتع بها الربان أتانوس معلم اللغة اليونانية، ومفسر الكتب اللاهوتية، إلا أنّ الرّاهب الشاب مارديونيسيوس توجه إلى دير ماريعقوب في كيسوم؛ ليكمل دراسته على يد الملفان ناودور أسقف الدير ومكث هناك سنتين .

ثم عاد للرقة، وفي عام 818 م، اجتمع المجلس المقدس في كنيسة الرقة برئاسة مقريان المشرق ومطران تكريت مارسيليوس المتوفى سنة 829م، وتوجه بطريركيا للكنيسة السريانية الأرثوذكسية، وبذلك تحقق قول لوسيان السميساطي ( البدء الحسن نصف الطريق ) .

كانت باكورة أعماله عقده مجمعاً عاماً في مدينة الرقة واصداره 12 مرسوماً؛ قدم لها برسالة جليلة حدد فيها العلاقة التي تنظم الكنيسة وجمهورها، ثم طاف في أبرشيات الجزيرة والعراق ينظم ويصلح الشعب، وكان من حسن طالعه أن رئاسته كانت في عصر المأمون بن هارون الرشيد وخلفائه؛ الذين كانوا ميالين للنصارى وكان من أصدقاء التلمحري عبدالله بن طاهر بن الحسين .

وفي سنة 829 م، زار التلمحري بغداد؛ ليقدم فروض الاحترام للخليفة المأمون الذي لاقاه بالترحاب والمودة. ويقال: مدَّ يده مصافحاً المأمون دون انحناء للخليفة، وهذه علامة تدل على مدى احترام الخليفة لضيفه الجليل،

وتجاذب مع الخليفة أطراف الحديث حول وضع البلاد من الناحية الدينية فأجابه المأمون بالدعم المادي وما يطلبه ويريده .

وفي حديث ودّي بين التلمحري والمأمون سنة 829م، قال له 🙁 تعلم حلمتكم جيداً أن بيننا وبينكم وعوداً وعهوداً أبرمت يوم سلم لكم آباؤنا معظم المدن بأنكم لاتستبدون بنوا ميسنا ) ويؤيد هذا الحديث المؤرخ الواقدي في كتابه فتوح الشام في ذكر صلح مدينة الرقة .

وحسب رواية المقريزي ( انتفض أسفل الأرض بأسره عرب البلاد وقبطها، وأخرجوا العمال وخلعوا الطاعة لسوء سيرة عمال السلطان)،

مما اضطر الخليفة المأمون بالسير إلى مصر سنة 216 هجري الموافق 932 م؛ لقمع الفتنة، فاصطحب معه التلمحري لضبط البلاد .

بعد عودة التلمحري إلى مدينة الرقة حدثت محنة الناس في مسألة خلق القرآن، والمأمون كان مقيماً في الرقة وقام الجعد بن درهم بدعوته، وقال مقولته الشهيرة: ( ليس من إرغام على حرية الانسان فهي حرة في اختيارها وفي إبرازها هذا الاختيار ) ولاقت دعوته قبولاً لدى أوساط الشعب، ولكن مؤسسات الدولة قابلتها بالنفور والقمع .

وكانت محنة أحمد بن حنبل في ذلك الوسط الفلسفي وموقفه معروف من مسألة خلق القرآن .

وفي سنة 833 م، قدم التلمحري إلى بغداد لتهنئة الخليفة المعتصم وتقديم فروض الاحترام له، فلقي التكريم من قبل الخليفة لاسيما أن طبيبه الخاص سلمويه بن بنان كان من أتباع التلمحري، وكان المعتصم يستشيره في أمور الدولة، وعندما توفي سلمويه حزن عليه المعتصم ولم يأكل طيلة ذلك اليوم.

وفي عهد التلمحري بلغت الكنيسة السريانية الأرثوذكسية ذروتها بعد أن كانت في صراع مع الفساد، وأوقف التلمحري الصراعات بين الكنائس وساد السلام ربوعها وتوطد الإعجاب بين جاثليق النساطرة الأول وخلفه الجاثليق يشوع بن برنون .

وفي عهده نشطت حركة الترجمة والتأليف باللغتين العربية والسريانية، وغدت الرقة ودياراتها كعبة طلاب العلم، يقصدها نصارى المشرق أمثال حنين بن اسحق العبادي .

ولكن التجوال المتواصل أضعف جسم التلمحري، وأوهن عظمه فانقطع للعبادة والتأليف مكملاً كتابه – تاريخ الزمان – ففارق الحياة أثناء زيارته لقنسرين ودفن هناك .

التاريخ حوار مستمر بين الحضارات والجماعات؛ تختلط فيه أحداث الماضي بتطلعات المستقبل، وذلك لأن الانسان محصلة للعلاقات الاجتماعية التي عاشها، وهو لامحالة يظل يستلهم الأشكال والأنماط لثقافة الجماعة التي ينتمي إليها .

والكتابة التاريخية نوع من التعبير الاجتماعي؛ يتأثر بالمناخ الفكري الذي عاش فيه المؤرخ .

والتلمحري عاش في فترة تدوين التاريخ العربي، وظهر مؤرخان كبيران هما محمد بن عمر الواقدي المتوفى 202 هجري، وشيخ المؤرخين محمد بن جعفر الطبري المتوفى سنة 310 هجري .

فهل التاريخ علم ابتكره العرب أم اقتبسوه من الأمم المجاورة ؟

أترك الجواب للقاريء !

لقد كان كتاب التلمحري ( تاريخ الزمان) محل إعجاب المؤرخين السريان وهو بالنسبة لهم كالطبري والمسعودي في حركة التدوين التاريخي عند العرب .

والتاريخ عند التلمحري سلاح ايديولوجي يدافع به عن أبناء جنسه وهو موروث يتدفق من أعماق ذكريات الأجداد ومعاناتهم .

لا أظن أن هناك من البلدانيين العرب من يجاري التلمحري في كتاباته التاريخية، خصوصاً عندما يصف الناس أثناء انتاجهم لشروط حياتهم المعاشية اليومية والتي أهملها بلدانيونا عن قصد ومن غير قصد ويكتفون بوصف معالم الطبيعة وأضرب مثالاً في وصف مدينة تنيس !

الاصطخري يصف مدينة تنيس قائلا :

(وبأرض مصر بحيرة يفيض فيه ماء النيل، فتتصل ببحر الروم تعرف ببحيرة تنيس إذا امتد اليها ماء الفيضان في الصيف عذب ماؤها، واذا نقص في الشتاء إلى أوان الحرّ، غاب ماء البحر عليها فملح ماؤها وفيها مدن مثل الجزائر تطيف البحيرة فلا طريق إلا في السقف، ومن مشاهير تلك المدن تنيس ودمياط وهما مدينتان لازرع بهما ولا ضرع، وبهما يتخذ المرتفع من ثياب مصر ) .

أما ماقاله التلمحري في وصفها فهو كما يلي: ( ومع أن تنيس عامرة بالسكان كثيرة الكنائس فإني لم أرَ من البؤس في بلد أكثر من بؤس أهلها، وقد سألتهم عن مصدر هذا البؤس فأجابوني: أن مدينتنا محاطة بالماء فلا نستطيع زرعاً ولا تربية ماشية، والماء الذي نشربه يجلب لنا من بعيد ونشتري الجرة منه بأربعة دراهم ) .

هذه هي الرقة وتاريخ علمائها الأفذاذ، وماتركوه من أعمال تاريخية للإنسانية، وقد أحب الرسول العربي محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم اللغة السريانية، وأعجب بها، ووصفها بلغة الملائكة وأمر زيد بن حارثة أن يتعلمها لورود رسائل إليه بها، فتعلمها زيد في سبعة عشر يوماً .

 

المصدر :

1- ابن العبري — مختصر تاريخ الدول

2- الطبري  — تاريخ الرسل والملوك

3- مجلة الحوليات الاثرية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password