“كوبكلي تبه” حلمُ الشعوبِ وكابوسُ الدول

 

إعداد: صلاح الدين مسلم

وبينما أتصفح النت عن كوبكلي تبه، رأيت أن الاهتمام منصبّ حول أهمّية هذا الأثر اقتصاديًّا، ومدى تأثير مردود هذا الأثر على شانلي أورفا (رها)، وعدد الزوار في كلّ سنة، والاحتفال بانضمامها لقائمة التراث العالمي، دون الإشارة إلى أن “غوبكلي تبه” تضم أقدم معبد أثبت وجوده بشكل علمي على ظهر الأرض، قد يغيّر من النظرة التاريخية إلى عصور ما قبل التاريخ، وإلى التاريخ بحد ذاته، ومصطلحات مثل ما قبل التاريخ سوف تلتغى، وسوف تصبح في أوابد النسيان.

 

ومما يجعل موقع كوبكلي تبة موقعاً رائعاً هو أن التأريخ بالكربون المشع يُشير إلى أن عمر الموقع يعود إلى ( 11000 عام )، ويسبق أهرامات الجيزة وستونهنج بآلاف السنين، كما يسبق بناءه الدلائل المعروفة للتنمية الزراعية. ومن الواضح أن الآثار المترتبة على هذا الموقع هائلة في فهم التطور المبكر للحضارة الإنسانية، في حين أن هذا الاكتشاف يدعو الهواة من محبي الآثار والروحانيين لتقديم تفسيرات خاصة بهم. وهناك العديد من العلامات والتفاسير العلمية التي يمكن استخدامها للحكم على موثوقية كتاب ما أو مقال معين عن كوبكلي تبة، وهناك ثلاثة أشياء عنها يسهل التعرف عليها : الإشارة إلى مصدر موثوق به، تقديم شك معقول، وتوفير ارتباطات دقيقة للمواقع الأخرى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كوبكلي تبه بالتركية Göbekli Tepe، أو بالإنكليزية: Potbelly Hill أو بالكردية: xirab reşk بالعربية تلة الكرش، حيث تضم منطقة “غوبكلي تبه” الأثرية، وما تم التنقيب عنه في الموقع لا يتجاوز 5 % فقط حسب كاري 2008

واكتشفت المنطقة عام 1963 على يد باحثين من جامعتي إسطنبول وشيكاغو الأمريكية، واستمرت أعمال الحفر والبحث بها نحو 54 عاماً.

 

وفي عام 1995، تم اكتشاف العديد من الآثار بالمنطقة، بينها مسلات حجرية على شكل “T”، تعود للعصر الحجري الحديث، يبلغ طولها ما بين 3 و6 أمتار، ووزنها ما بين 40 و60 طنا، عليها رسوم وأشكال حيوانية، وتماثيل بشرية.

إنّها أقدم مجموعة من المباني الصخرية في منطقة الفرات، ويمتد تاريخها إلى ما قبل 12 ألف عام.

وفي نفس الوقت اكتشفت أطلال معبد “غوبكلي تبه” الذي يعد من أقدم دور العبادة في العالم؛ حيث أنه أقدم من أهرامات مصر وآثار ستونهنج الموجودة جنوب غرب بريطانيا، بنحو 7 آلاف و500 عام.

كوبكلي تبه لغز حير العلماء. عرف موقع كوبيكلي منذ ستينات القرن العشرين على أنه موقع أثري لكن دون معرفة أهميته الكبيرة. فقد أشار إليه عالم الآثار الأمريكي بيتر بينيديكت (Peter Benedict) كموقع من العصر الحجري. ومنذ عام 1994 يقوم معهد الآثار الألماني (DAI) بتعاون مع متحف شانلورفا عمليات تنقيب تحت إشراف عالم الآثار الألماني “كلاوس شميت” Klaus Schmidt بعمليات الحفر والتنقيب. وكون الموقع قد استخدم من قبل فلاحي المنطقة لأجيال عدة في الزراعة فقد حاول الفلاحون نزع الحجارة وتنظيف الحقول مما أدى لإزاحة بعض اللقى الأثرية وإتلاف بعضها ؛ ومن ضمنها رأس لنصب حجري تم تحطيمه جزئياً.

 

تختصر تاريخًا يحاولون التعتيم عليه، يبدو أن هذا التاريخ يناسب من وضعوه، فلذلك لا يحاولون البحث عن الحقيقة، أو يحاولون طمسها، وإخفاءها، حيث أصبح الوجه الآخر للحقيقة هو السلطة كما يرى المفكر الفرنسي ميشيل فوكو.

يدعو ديكارت إلى نقد ومراجعة المعارف المكتسبة. والشك في الآراء الخاطئة التي كان يعتبرها حقيقة وصادقة. وإعادة بناء المعرفة على أسس عقلية جديدة يقينية وصلبة.

ويؤكد بشلار وجود تعارض جذري بين الرأي والحقيقة العلمية. لأن الرأي في نظره مبني على الاعتقادات السائدة لدى عامة الناس. فهؤلاء يميلون إلى ربط المعرفة بالحاجة والمنفعة. أما الحقيقة العلمية فهي إنتاج وبناء يستلزم ضرورة التخلص من أفكار العامة واستبعادها.

إن الشكل العام للنصب (T) يمكن أن يأول على أنه نوع من التجريد للشكل الإنساني، حيث الرأس والجسد وبعضها له يدين على الجانب. كذلك نقشت على هذه النصب أشكال حيوانية ورموز ، ربما تشكل نوع من وسائل التواصل بين زوار هذه الموقع في العصور الحجرية ؛ ذلك لتكرار بعض الرموز والأشكال بعينها. أما عن الأشكال الحيوانية المنحوتة فهي: الخنزير. الثعلب. الأفعى. الأسد. الثور. الغزال. الطيور. الزواحف.

 

ويحدد فوكو خمس سمات أساسية تميز الحقيقة في المجتمعات الغربية المعاصرة:

–           ترتبط الحقيقة بالعلم وبالمؤسسات التي تحميه.

–           ترتبط الحقيقة بالأهداف الاقتصادية والسياسية للمجتمع.

–           الحقيقة موضوع نشر واستهلاك على نطاق واسع بفضل وسائل الإعلام والإشهار والاتصال المختلفة.

–           تخضع الحقيقة لمراقبة وسيطرة الأجهزة الكبرى في المجتمع كالجامعة والجيش والاتصال الجماهيري.

–           إن الحقيقة هي موضوع نقاش وصراع بين مختلف الأطراف الفاعلة داخلة المجتمع.

لقد اعتبر الفيلسوف الألماني نيتشه بأن ما كان يعتقده الناس لأزمان طويلة على أنه حقائق مطلقة ومقدسة إن هي في واقع الأمر إلا أوهام نسي الناس لطول العهد أنها كذلك، والوهم أخطر من الخطأ لأن الخطأ يمكن اكتشافه وتصحيحه بينما الوهم ينتج عن الرغبة. وللوهم في نظر نيتشه مصدرين أساسيين:

*المصدر الأول: يتمثل في حاجة الإنسان إلى الهدنة والسلم الاجتماعيين من أجل الحفاظ على بقائه، لذلك نجد الإنسان يتحايل مستعملا عقله للإخفاء والكذب والتمويه، ليس من أجل الكشف عن الحقيقة بل من أجل إخفائها وحماية الذات من البطش.

*المصدر الثاني: يتمثل في اللغة التي هي عبارة عن استعارات وكنايات ومجازات عن الواقع، لذلك فهي تحجب عنا الحقيقة الفعلية للأشياء. وهكذا تلعب اللغة دور إخفاء حقائق الأشياء لا الكشف عنها، وهو الأمر الذي يؤشر على الارتباط القوي الموجود بين الحقيقة والوهم وصعوبة الفصل بينهما بحيث أن الفرق بينهما هو فرق في الدرجة فقط ما دام أن هناك درجة من درجات الوهم نعتبرها حقيقية ودرجات أخرى نعتبرها أوهاما.

وما يمكن ملاحظته هنا هو ارتباط الحقيقة عند نيتشه بضدها الذي هو الوهم من جهة، وارتباطها بالمصلحة الاجتماعية من جهة أخرى، وهكذا فالإنسان لا يبتغي الحقيقة في ذاتها بل يطمع في العواقب الحميدة التي تنجم عنها.

وعلى العموم فالحقيقة عند نيتشه هي حقيقة نسبية ولا توجد في معزل عن ضدها الذي هو الوهم.

في حين بالمقدورِ تعريفُ أصولِ الكردِ الحاليين بأنها الخليةُ النواةُ للمجموعاتِ الهندوأوروبية. والبحوثُ الجاريةُ بصددِ اللغةِ والثقافةِ الكرديتَين، تَطفو بهذا الواقعِ إلى السطح. وجغرافيا الحياةِ وتاريخُها أيضاً يؤيدُ صحةّ ذلك أكثر. وما “غوباكلي تبه” التي نَقَّبَت البحوثُ في بقاياها مؤخَّراً، وكَشَفَت عن دورِها المحوريِّ كمركزٍ لأقدمِ قبيلةٍ ودينٍ يَمتدُّ بجذورِه إلى ما قبل اثنتَي عشرةَ ألفِ سنة؛ سوى أمثلةٌ مهمةٌ لإثباتِ جدارةِ وقوةِ تلك الثقافةِ القائمة. إذ لَم يُعثَرْ على مثالٍ عريقٍ وضاربٍ في القِدَمِ كهذا في أيٍّ من بقاعِ العالَمِ الأخرى. عبد الله أوجلان

 

نعود إلى موضوعنا، فحسب ( كاري 2008 ومان 2011 ) فإن التلة تعني السرة أو تلة (الكرش)، وهي تقع بالقرب من نهر الفرات شرق جبال طوروس في تركيا بالقرب من موقع Nevali Ҫori ذلك الموقع التركي الذي تم اكتشافه فيما مضى في حين أن الرموز التي وُجدت في هذا الموقع تحمل بعض التشابه مع تلك الموجودة في Nevali Ҫori وجرف الأحمر، وهو موقع آخر مشابه لكوبكلي تبه في سورية.

يبدو أن كوبكلي تبة في الحقيقة موقع غير سكني أو أنه يملك دلالات على هياكل الاستيطان. وهو يتكون من أعمدة كبيرة فقط من الحجر الجيري مع الحيوانات المفترسة المنحوتة عليها.

بُدء بالتنقيب في الموقع في عام 1995 تحت إشراف كلاوس شميدت عالم الآثار الألماني الذي يتبع لمعهد الآثار الألماني. وأعطى تفسيراً أولياً عن الموقع على أنه يُعد بمثابة مجمع المعبد الديني.

فقد بدأَ اختلافُ اللغاتِ والثقافاتِ إلى جانبِ العلاقاتِ شبهِ المستقرةِ – شبهِ البَدَوِيّةِ بالنماءِ والازدهارِ في المجتمعِ القَبَلِيّ. وما المركزُ الدينيُّ في غوباكلي تبه سوى كعبةُ عصرِه، تَقصدُها القبائلُ التي تَعيشُ الاستقرارَ والترحالَ بنحوٍ متداخلٍ مدى آلافِ السنين. لذا، لا يُمكنُ الاستخفافُ بنصيبِ هذا الواقعِ في بروزِ العواطفِ الدينيةِ التي لا تنفكُّ راسخةً متينةً لدى الكردِ عموماً وفي أورفا على وجهِ الخصوص. إننا نتعرفُ هنا على وجودِ ثقافةٍ وطيدةٍ تَكَوَّنَت قبل الحضارةِ السومريةِ المدينيةِ بآلافِ السنين، ودامَت آلافَ السنين. كما وتُواجِهُنا في الأحجارِ المنتصبةِ هناك أمثلةُ الكتابةِ الأسبق ظهوراً من أولى حروفِ الكتابةِ الهيروغليفية. إنّ نَحتَ تلك الأحجارِ قبل اثنتَي عشرة ألفِ سنة، وتحويلَها إلى كتاباتٍ شبيهةٍ باللغةِ الهيروغليفيةِ الرمزية؛ يُعَدُّ مرحلةً تاريخيةً نفيسة. عبد الله أوجلان

 

علامة موضوعية أخرى نجدها في عمل مان وكاري ولكنها علامة مفقودة في أعمال كولينز، وهو التقديم المتكرر للشكوك المعقولة حول الموقع، فكاري سريع في استخدام ( إذا ) قبل تقديم التفسيرات المحتملة للموقع على سبيل المثال : ” إذا كان كوبكلي تبة يعود حقاً إلى 11000 سنة ” كما أنه يتحدى فكرة أن الرمزية والزراعة كانت أولاً في بلاد الشام في المنطقة التي تشمل الأردن حالياً وسورية وفلسطين  وانتشرت في الشمال، وكذلك أيضاً مان بالمثل فهو يتردد في تقديم تصريحات واسعة ونهائية حول كوبكلي تبة، ولا بد من تذكير القارئ بأن أي تحليل لكوبكلي تبة سيكون تحليلاً محدوداً بسبب محدودية الحفريات الأثرية فيه. وبالمقابل فقد استند كولينز في كتابه على أفكار ضخمة وصعبة حيث كان من الصعب إثبات ما هو مؤكد في موقع تم حفره بالكامل، وبدلاً من وضع أفكاره مع بيانه عدم يقينه من خلال العمل الأولي، استخدم كلمات مثل ” بوضوح ” و ” مما لاشك فيه ” لتقديم مطالبه الغريبة مثل : ممكن، فقط، لماذا. في حين أن خياراته اللغوية وبلا شك لغرس شعور الواقعية. لقد عكس كولينز كرجل مخادع كل شيء يبدو جيداً أو واضحاً، وعدم النظر في البديل مما لا يترك تساؤلاً لدى القارئ. وخصوصاً أن لديه القدرة على تحليل أي نظرية بشكل نقدي وخصوصاً نظريته.

إننا نعلَمُ أنّ كلَّ عشيرةٍ من عشائرِ العصرِ النيوليتيِّ اختارت حيواناً معيَّناً طوطماً لها بشكلٍ عام. ولدى القولِ بأنّ الطوطمَ بمثابةِ نَسَبِ القبيلةِ وهويتِها، نَكُونُ بذلك قد عَرَّفنا أيضاً ضرباً من ضروبِ أولِ أشكالِ الوعيِ القبائليّ. فكيفما أنّ الدولَ القوميةَ الراهنةَ تُمَثِّلُ نفسَها وهويتَها من خلالِ أَعلامِها، فطواطمُ الاتحاداتِ القَبَلِيّةِ أيضاً تُعَبِّرُ عن ذاتِ المعنى. وكيفما أنّ عددَ الأعلامِ في هيئةِ الأممِ المتحدةِ يُمَثِّلُ كَمَّ الدولِ القوميةِ ضمنها، فالقبائلُ القويةُ والذائعةُ الصيتِ في عهدِها أيضاً تُمَثَّلُ بطواطمِها في مراكزِ معابدِها الدينية. والفرقُ بينهما شكليٌّ، لا جوهريّ. ونحن على عِلمٍ بأنّ الطوطمَ يتحلى بميزةٍ معينةٍ من العبادةِ والتحريم. وعبادةُ الطوطمِ يشيرُ إلى تقديسِ وإجلالِ القبيلةِ لذاتِها، وبالتالي يُعَبِّرُ عن طموحِها في الوصولِ إلى حياةٍ آمنةٍ طويلةِ المدى. أما الإيمانُ بالحياةِ ما بَعدَ الموت، فهي حصيلةُ الارتباطِ العظيمِ بالأسلاف. بالتالي، فوجودُهم مُطابِقٌ لهم تماماً. من هنا، فارتباطُهم وتقديرُهم وتبجيلُهم لأجدادِهم، يَؤولُ بهم إلى عقيدةِ الإيمانِ بحياةٍ خالدةٍ بَعدَ الموت. والأديانُ التوحيديةُ اللاحقةُ ما هي سوى حالةٌ متطورةٌ أكثر لهذه العقيدةِ القَبَلِيّةِ وذاك المفهومِ الدينيِّ والإلهيّ. عبد الله أوجلان

 

ومنذ بداية كتابه سارع كولينز لمقارنة كوبكلي تبة بمواقع أثرية أخرى مثل ستونهنج وأهرامات الجيزة، ومن الممكن إجراء المقارنات لكنها تختلف في الأسلوب بينما يستخدم الأهرامات وستونهنج لتوضيح أنواع المعلومات التي توفرها هذه المواقع. ويستخدم كاري المواقع القريبة مثل نيفالي جوري وجرف الأحمر لإظهار التشابه المنطقي في الرموز، ويوضح كولينز أن أهرامات الجيزة وبناء أعمدة كوبكلي تبة أقدم من الأهرامات بما لا يقل عن سبعة آلاف عام. إن هذا الربط والمطالب العبثية تجعل من الصعب على القارئ عرض كولينز كمصدر موثوق للمعلومات.

 

وإن كانت الثورة النيوليتية (الثورة الزراعية) قد بدأت حوالي 20000 ق.م، حيث بدأت تتوضح معالم الاستقرار والزراعة وتدجين الحيوانات، ووجود منشآت معمارية في كوبيكلي تبه تثبت ذلك، حيث يفترض وجود تنظيم بشري سابق لتاريخ إنشاء المعبد من خلال مجموعات بشرية، ومن خلال العمل المنظم، حيث يرجح وجود حوالي 500 شخص فقط لقطع أحجار النصب التي تزن بين 10 و20 طن (أحدها يزن 50 طن) ونقلها من محيط الموقع لمسافة بين 100 و500 متر، أما عن تأمين الغذاء فإنه من المرجح أنّهم يستخدمون الحبوب.

 

يرى كلاوس شميدت (Klaus Schmidt) أن الموقع عبارة عن مركز لشعائر الموت، وإن النقوش والأشكال الحيوانية وظيفتها حماية الموتى . مع العلم أنه لم يكشف حتى الآن عن قبور في الموقع. وكوبيكي تبه متزامن مع بدايات النيوليت ، فالموقع وبعض المواقع المحيطة به موجودة في البيئة التي وجدت فيها الأصول البرية للحبوب المزروعة لاحقاً من قبل البشر في منطقة جبل كاراجاداغ (بالتركية: Karacadağ) في ذروة الهلال الخصيب ومطلاً على سهول الجزيرة الفراتية. يرجح علماء النبات أن هذه المنطقة كانت مسرحاً لبداية الثورة الزراعية. ويرجح كلاوس شميدت (Klaus Schmidt) أن المجموعات البشرية المنتقلة في تلك المنطقة تعاونوا ليحموا المساحات التي تنموا فيها الحبوب من قطعان الغزلان والحمير البرية، وبذلك نشأ نوع من تنظيم اجتماعي حول موقع الحرم المقدس، وبالتالي تكون بداية الزراعة ليست في البساتين الصغيرة حول البيوت وإنما في مساحات ضخمة لمجموعات كبيرة منظمة قبل بناء القرى.

 

لقد شكلت هذه المنشآت أبنية ذات طابع لا يفي بأغراض السكن والإقامة، وعلى الأرجح مكان لإقامة الطقوس والشعاثر. مع بداية الألف الثامن ق.م فقد “مزار- حرم” كوبيكلي مكانته، وبدأت دورة نمط حياة جديد مع الزراعة والتدجين، إلا أن هذا الموقع لم يطوه النسيان وتدفنه عوامل الطبيعة ببساطة، إنما لقد عمل على ردمه عمداً منذ الألف الثامن ق.م، ويبقى سبب هذا العمل المضني (ردم بمئات الأمتار المكعبة من التراب) بدون جواب حتى الآن.

من التأويلات غير المنطقية أنّهم قالوا إنّ المعبد بني قبل بناء المدينة، لكنّ هذا التفسير قد يكون واقعيًّا إذا ربطنا المعابد بالمدنـ لكن كوبكلي تبه قد تكون دليلًا على أنّها معبد المجتمع الطبيعي قبل أن تأتي سومر وتسرق مقدّرات المجتمعات ومن بينها المعبد، لكي تصبح السلطة الثقافيّة التي تسيّر فيه مجتمع العبيد الذي كان نتاج تحوّل المجتمع إلى دولة عبر الدولة السومريّة قبل 5500 عامًا.

لا أعتقدُ بإمكانيةِ إبداعِ احتكارٍ أو حُكمٍ أو شركةٍ رأسماليةٍ أكثرَ كمالاً وأصالةً من شكل هذا التنظيمِ الذي في المعبد. فمثلما أنّ المنبعَ العينَ لكافةِ الخلايا هو الخليةُ النواة، كذلك فإنّ حقيقةَ هذا المعبدِ أيضاً تُعَدُّ الخليةَ الأمَّ لكافةِ البنى الاحتكارية. وجميعُ الحفرياتِ الأثريةِ الجاريةِ تؤيدُ صحةَ هذه الحقيقة. وتَرجحُ كفةُ احتمالِ أنّ أمثلةَ المُنشأَةِ التي تَعودُ إليها الأعمدةُ الحجريةُ المنتصبةُ في غوباكلي تبه بمدينةِ أورفا، والتي اكتُشِفَت مؤخراً وسُمِّيَت بـ”المُستَعِر الأعظم Supernova” في التاريخ؛ هي أقدمُ معبدٍ معروفٍ حتى الآن (معبد مجموعات القطف والقنص لِماقبل النيوليتيك، أي فيما بين 10000–8000 ق.م). وآراءُ علماءِ الآثارِ الشهيرين تَنْحُو هذا المنحى. ومن خلالِ الأمثلةِ التي تظهرُ للعيانِ في كلِّ عملياتِ الحفرِ والتنقيبِ على وجهِ التقريب، تتأكدُ صحة القولِ بأنّ أُولى مُراكَماتِ رأسِ المال لِماقَبل التاريخِ قد بدأت بهذا المنوال. عبد الله أوجلان

 

إن كان لكل قبيلة من القبائل شعار أو علم يمثله وهو عبارة عن حيوان كما وضّحنا سابقًا، فهذا دليل على فرضيّة أن كوبكلي تبه هي مكان لاجتماع الرؤساء والعشائر ما قبل نشوء الدولة، لتوحيدهم في معبد يجب كافة الأعلام ضمن حرف تي وفي دائرة لا رئيس واحد فيها، بعكس الهرمية الموجودة عند الدولة عند السومريين والفراعنة وصولًا إلى الأولدرادو في المكسيك…

فثقافاتُ “كورتيك تبه” في بسمل في تركيا، وجمي خالان، وأرغاني، وجايونو، ونوالا جوري في سيفرك؛ تظهر جميعها قدرة ثقافة غوباكلي تبه في أورفا على الانتشار.

 

 

 

 

يمكننا سرد المساهمات الأساسية التي قام بها السومريون في التطور التاريخي، وذلك لنرى كيف أنّهم استفادوا من ثقافة المجتمعات وتحويل الدين الذي كان طقسًا روحيًّا للقبيلة وللمجموعات الكلانية الصغيرة التي تجسّدها كوبكلي تبه، وهي على الشكل التالي: أـ اختراع الكتابة. ب ـ الرياضيات والتقويم. ج ـ أول ميثولوجيا ولاهوت شامل. د ـ مؤسسة الدولة والسياسة، والتحول الطبقي. هـ ـ القوانين والحقوق المدونة. ف ـ التمدن والمعابد والمهن والتمركز التجاري. ق ـ الملكية الخاصة والعامة. ك ـ الأسرة المقدسة والسلالة. ل ـ الآداب المدونة والملاحم والموسيقى. م ـ أول استيطان.

 

أورفا أو رها، المدينة التي احتضنت ثقافة المجتمعات وثقافة الدولة، وكانت موطن الأديان السماوية، حيث كانت موطن إبراهيم عليه السلام الذي ثار على الآلهة الدولتية، وكان امتدادًا لثقافة كوبكلي تبه، الذي رفاضة الأوثان، كانت الآلهة في معبد كوبكلي تبه رمزًا للقبيلة وليس مقياسًا للعبودية، لم تكن بديلًا عن الجماعة وروح الله، وإنّما كانت تمثّل رمزًا قبلا يرمز إلى روح الله، فشتّان ما بين مفهوم الاحتكار عند الدولة، والإركاع والترهيب والرعب والقوّة في الدولة وبين التصوف والاجتماع والصلح والتسامح عند المجتمع الذي تمثله روح غوبكلي تبه، لذلك فهي حلم الشعوب وكابوس الدولة.

 

ببساطة فإن كوبكلي تبة واحدة من أهم الاكتشافات الأثرية العميقة في هذا القرن، وسوف تستمر في لعب دور مهم جداً في فهم الإنسان والثقافة والدين والتاريخ، وهذا هو حجم الموقع الذي أيضاً يجذب العلماء الهامشيين إلى خطف العمل الذي يتم القيام به لدعم نظرياتهم غير القابلة للتصديق، وربما يكون التغاضي عن مثل هذا الاختطاف فيما إذا كان مؤلفون أمثال كولينز سيحتفظون على الأقل بالإطار العلمي لحججهم. وللأسف ( أو لحسن الحظ ) نادراً ما يفعلون. ستبقى كوبكلي تبة على الأرجح منارة ” دلالة ” على المكائد الخارقة للطبيعة، ولكن مع نظريات مثل هذه فإنها بعيدة المنال وسوف يتفوق عليها التفسير الحقيقي للموقع، إن حالة كوبكلي تبة هي حالة الحقيقة المقنعة أكثر بكثير من الخيال.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

المراجع

1-         كولينز، أندرو (2014): كوبكلي تبة ـ نشأة الآلهة : معبد المراقبون واكتشاف عدن، روتشستر، فاتو: بير وشركاه.

2-         كاري، أندرو (2008): البحث عن جذور الطقوس.

3-         فيدر، كينيث (2014): الغش والخرافات والأسرار، العلوم والعلوم الزائفة في علم الآثار ، نيويورك، ماكجرو هيل.

4-         مان، جيم (2011): ولادة الأديان ، ناشيونال جيوغرافيك.

5-         باساشوف، جاي(2006): النجوم والكواكب. بوسطن ماساتشوستس. هوتون ميلفين.

6-         عبد الله أوجلان – مانيفيستو الحضارة الديمقراطية – المجلدات الخمسة

7-         ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

8-         كوبكلي تبة بين الحقيقة والخيال / مقارنة بين التفسيرات العلمية والخوارق / إشلي فرايير / جامعة ولاية واشنطن ـ فانكوفر / ترجمة: ياسر شوحان

 

 

 

 

 

 

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password