قصة الزواج الملكي (الجزء الأول)…

نص أثري من وادي الفرات والشمال السوريفي الألف الثاني قبل الميلاد:

الآثاري ياسر شوحان

    لقد شكّلت النّصوص الأثرية والرّسائل الملكية خلال فترة الألف الثاني قبل الميلاد؛ مخزوناً علمياً كبيراً ومصدراً توثيقياً للمناطق الجغرافية وطبيعة العلاقات فيما بين الممالك نفسها، ومما لا شك فيه أن النّصوص والمحفوظات الأثريّة العائدة لمملكة ماري قد أظهرت طبيعة الصّلات الملكيّة فيما بينها، والشمال السوري كمملكة يمحاض ( حلب )، وخصوصاً فيما يتعلق بقصة الزواج الملكي بين ملك ماري زمري ليم وشيبتو ابنة ياريم ليم ملك حلب، وحيث أنه لا يتسع المجال هنا في هذا البحث لسرد كل التفاصيل عن خصوصية علاقة المصاهرة هذه، والتي تحمل الكثير في طياتها من تحضيرات عسكرية لحملة ضد الآشوريين لاستعادة ماري بعد أن ترك زمري ليم مملكته ولجأ إلى حلب، فإن تفاصيل رسائل هذا الزواج يُظهر مدى العلاقة بين المملكتين وأسباب التقارب والعلاقات الدبلوماسية والتجارية .

    ومما لاشك فيه أن خيرُ من تطرق لهذه الفترة من التاريخ هو الدكتور فيصل العبد الله؛ الذي قام بنشر الكثير من النصوص عنها من خلال سلسلة محفوظات ماري(ARM) لا سيّما فيما يتعلق بقضية الزواج السياسي فيما بين الطرفين .

    لقد شكّلت هذه الرسائل البالغ عددها سبعة رسائل؛ والتي تخص الزواج الملكي نصوصاً منسجمة تظهر أهميتها من خلال تقاطع المعلومات فيما بين المصدر الملكي في ماري ونصوص مملكة يمحاض ، وقد لعب الدور الأهم في هذا الزواج أحد رجال القصر الملكي في ماري ويدعى أصقدوم ، إذ يعد أنه عرّاب العلاقات الملكية ماري يمحاض بما يخص التحضيرات للزواج، حيث كان على رأس بعثة رسمية ناقشت تفاصيل المفاوضات مع ملك حلب لطلب يد ابنته الأميرة “شيبتو” .

    لقد صنّف المترجمان ـ عبدالله وجان ماري دوران ـ هذه المجموعة من الرسائل وفق موضوعها وهي:

    1 ـ الرسالة التي تتعلق بمراسم الزواج التي تمت بعد موافقة الملك ياريم ليم، وقبل موت الملكة الأم سامونابي والدة زمري ليم.

 

    2 ـ رسالتان تتضمنان زيارة المبعوثين إلى يمحاض خلال فترة مرض الملكة الأم. ورسالة أخرى عن مشاركة هذه البعثة بفض النزاعات التي حدثت في منطقة حلب.

    3 ـ رسالتان تخصّان موضوع إقامة العروس “شيبتو” في مملكة ماري ورسالة أخرى تبين اعتراض أحد المندوبين “ساميتار” على اختيار موعد انطلاق موكب العروس في فترة الصيف والتريث لانتهاء الحر وفيضان الفرات .

    4 ـ رسالتان إحداهما تتحدث عن وصول الموكب بقيادة “أصقدوم” و”ريشيا” إلى إيمار ( مسكنة ) على نهر الفرات حيث يتوقعون وصولهم إلى ماري خلال عدة أيام؛ بينما تتحدث الرسالة الثانية عن وصول الأميرة شيبتو مناطق قريبة من مملكة ماري .

    ومن الجدير بالذكر أن “زمري ليم” لم يتزوج من “شيبتو” قبل استرجاع عرش أبيه الذي كان الآشوريون قد ضمّوا مملكته إلى دولتهم، ومما يبدو أن “يخدون ليم” ملك ماري ووالد “زمري ليم”؛ قد قتل خلال تلك الأحداث، وفي تلك الفترة لم يُعرف مصير “زمري ليم”، ولم ترد أي معلومة عنه إذ أنه قد هرب إلى “يمحاض” ثم تتالت عنه المعلومات بعد عودته لاستعادة عرش أبيه من الآشوريين واستعادة مملكته .

    كما تبين حادثة الزواج هذه وما تتخللها من إجراءات مراسم العرس؛ وتكليف بعثة رسمية للخطبة أقدم نموذج موثق في التاريخ لعملية زواج بالوكالة. كما قد سبق له الزواج بالعديد من النساء ولكنهن أمهات لأميرات ( بنات زمري ليم ) الذي قام بتزويجهن لعملائه وكبار موظفيه وذلك قبل توليه السلطة، أما بعد أن استعاد مملكته فقد توجه لحلب طلباً لزواج ابنة ملك. كما تم تقديم ما يسمى ( ترخاتوم ) وهي بالأكادية ( الطرحة ) ( لاحظ تشابه اللفظ في كلمة الطرحة بين الأكادية والعربية ) كما تُظهر هذه الحادثة خبرة “أصقدوم” وحنكته في إقناع ملك حلب من تزويج ابنته لملك ماري واعتماد “زمري ليم” على خيرة رجاله في هذا الأمر مثل “ريشيا سفير ماري” والذي كان مشرفاً على فرقة الغناء في عهد يسمخ أدد .

    لقد حدد المختصون زمن انطلاق هذه المهمة فيما بين 15 كانون الأول و15 كانون الثاني، وذلك قبل أن تشتد البرودة في المنطقة؛ وفي فترة مناسبة للملاحة في نهر الفرات؛ وذلك لأن ارتفاع مياه الفرات يبلغ أعلى منسوب له في هذا الشهر.

    1 ـ الرسالة الأولى : وصول الموكب إلى حلب وبدء مفاوضات الزواج:

    كتب “ريشيا” إلى ملكه زمري ليم يخبره بضرورة إرسال مغنية من ماري تدعى “كاراناتوم” لإنجاح عملية مفاوضات الزواج، وهذا نص الرسالة:

قل إلى مولاي

هكذا تحدث ريشيا خادمك

موكب (حملة) مولاي سالمة

وصلت والملك كان مسروراً جداً

الأوامر لأصقدوم ولي بالذات

التي وجهها مولاي قد عرضت أمام

شمرود. أوامر مولاي قد أثلجت صدر شمرود

وموضوعنا أمام الملك ياريم ليم

بالذات سيعرضه شمرود

ويفصل له موضوع أوامر مولانا

ويشيرعلينا بما يلزم

شمرود أمام الملك

شارحاً بالتفصيل.

ثانياً شمروم قال لنا ما يلي:

” ما لمولاي والمغنية التي كتبت له عنها

لم يرسلها !! “

الآن هذه الرسالة يسمعها مولاي

المغنية كاراناتوم على بغل

لياسيم داجان

أو لآخرين ليركبوها

وفي اليوم التالي لوصول رسالتي هذه

فلتغادر لتصل بسرعة، هذا لكي:

يتمكن شمروم من عرض الموضوع أمام الملك

كي تصل هذه المغنية ليبذل مولاي جهده

 ______________________________________________________

المراجع:

Archives Royales de Mari-1..

Duran d, J.M: Archives Epistolaires de Mari I\1, XXVI, Paris 1988-2..

3 – شترومينغر، إيفا: ماري، مطبوعات وزارة الثقافة 1985 ـ دمشق .

4 ـ بارو، أندريه: ماري، ترجمة : رباح النفاخ، منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1985.

5 ـ عبد الله، فيصل: رسائل جديدة عن تاريخ حلب وشمال سورية ( في القرن 18 ق.م) ـ مجلة دراسات تاريخية ـ العدد 45،46 ـ آذار، حزيران 1993 ـ مطبوعات جامعة دمشق.

 

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password