*حول الشرق الأوسط وسبل الحل*…(الجزء الأول)

            ريبر هبون

إن الفعل المعرفي المدرك، هو الذي لا يستسلم لدغدغات الخرافة، ويعمل على التحرر من قيودها، كما أن الإنجاز النهضوي يرقى بالمجتمعات وينقلها من طور الغيبوبة إلى طور النماء والتجلي، وبالرغم من تفشي التطرف في أوساط المجتمعات المحاصرة بأغلال الحرب، وتفشي أزمة السلطة القمعية فيها، فإن أدوار المعرفيين فيها هائلة وحقيقية، وإن لم يسلط عليها الإعلام المغرض، ويتمكن من حصرها أو تغييبها كلياً، وقد دأب العقل الشرق أوسطي الذي تغذى طويلاً من رحم الثقافة العربية وتلاوة أمجادها، على التكاسل  والتحلق حول طاولة الحلم الماضي، وتلاشى رويداً رويداً أمام صناعة العنف المقدس وإعادة إنتاجه؛ بما يخدم أصحاب المشاريع، ممن يعدُّون أنفسهم ورثة شرعيين  لأراضي شاسعة لا يمكن لشعوبها  فيها أن يوطدوا دعائم حكم مستقر وعادل ومزدهر، فحرصوا على إغواء تلك الشعوب عبر تاريخ هش يرتكز على الأخطاء السلطوية المتمثلة بصراع السنة والشيعة، والصراع بين الأكثرية التي ترى نفسها حاكمة وتستند إلى ميراث من الهيمنة في الحكم تاريخياً، وبين الأقلية التي وجدت نفسها في العبودية والتبعية والإلحاق، والذي وطد التصارع بين الحقوق القومية التاريخية، وتم تغذية  العقول بالقداسة الشاذة  وتوطيد الورم السرطاني داخل الأدمغة الشرق أوسطية  والعالم العربي, لتبقى تلك الشعوب  رازحة بمخيلتها ولا شعورها الجمعي  بين فكي كماشة؛ التطرف الديني والطائفي الذي ينحو منحى استعداء كل جديد وبين التحلُّق عبر إيديولوجيات الأحزاب الشمولية التي تقتات على الشعارات التصوفية، وتمجيد الزعامة بروح قبلية وتأليه الموت، لتكون بديلاً وامتداداً للنظم المتهالكة التي بات سقوطها واقعاُ محتملاً، فالتطرف المتجسد بين حالتين أصولية مقابل ما يضادها اليسارية التجديدية نتاج تلاقح مشوه؛ أنجب جنيناً معاقاً ينازع الموت باستمرار لأجل لعب دوره الجديد في إخصاء وتهجير أصحاب الملكات من شعوبها التي تعاني المرارة جراء تفكك خلاياها ببطء.

فحينما يتم توجيه الفكرة نحو ترويج المنفعة، يتم تعريتها بسهولة ويبان القناع الهزلي، فإرادة المتبصِّر تكشف عن مواقع الزلل التي تعتري طبيعة الميول السياسية التي تخدم أهداف النخبة التي تتحكم بمصادر الإمداد وضخ الموارد لزيادة النفوذ، حيث أن الفئات التي تفتقد للقراءة الموضوعية للأحداث، سرعان ما تنقاد لأفخاخ السلطة ومفاهيمها التسويقية، بل ولعل تلك الفئات تدخل في عملية التسويق عن غفلة ونقصان دراية مما يعمُّ التشويه والاضطراب، وتصبح الأنشطة السياسية ضرباً من ضروب العبث بالبشر، وتمس قيمهم الطبيعية، مما يستدعي بالمعرفيين المتنبهين، التمسك بزمام التأثير الفعلي الإيجابي إزاء صراع مفروض عليهم، يتهدّد وجودهم؛ حيث أن تفشي الدعارة الفكرية والسياسية تحديداً بين الجماهير، فرض واقعاً مستفزاً وسلبياً على جميع الصعد، ولاشك أن أعقد المهام التي تسقط على كاهل المعرفي في أن يقود دفة التعقل والاتزان في أحلك المراحل والفترات.

إن العالم اليوم يسعى للارتباط الكوني بعضه ببعض عبر الإعلام والتكنولوجيا الحديثة وقنوات التواصل الاجتماعي العديدة؛ وذلك يبرهن على أن الحدود بين الشعوب هي حدود سياسية منفعية بحتة، إذ لا حدود بين عقل وعقل، بين نهضة وأخرى، من هنا أمكن لنا الحديث عن المعرفيين وأدوارهم الجديدة التي لابد وأن تظهر لحماية الوجود من التخريب ورواسب الإبادة الثقافية والمجتمعية، حيث أن الواقع الذي بات يعبر عن نفسه بمظاهر التسلح في الشرق الأوسط مرده رداءة السلطة وتبعيتها، وعشعشة التصورات الإيديولوجية التي غيبت عقول الجماهير، وقوضت مدركاتها عبر  تمركز الحكم الطائفي، والقومي الذي بفعله عمّق المشاكل والهوة بين كافة المكونات، وهكذا يبقى المعرفي هو المستهدف والمستبعد، والملاحق بكافة الوسائل، وذلك ما يعوق الأداء الاجتماعي ويسهم في تفتيت العوامل الحية لدى كل مجتمع، مما عم الدمار، وباتت الحياة الإنسانية مقوضة تماماً ، ولعل الحراك المعرفي في الشرق الأوسط بات مشلولاً، الأمر الذي حال دون وصول المجتمعات لأمنها وتعايشها السلمي، إزاء نداءات تذكي الصراع والتصارع القديم الجديد، ولكن حقيقة الصراع بين المعرفيين وقوى العطالة، جلي حتماً عبر دعوات المنادين للسلم والدمقرطة والمحاربين للإرهاب؛ تجاه المكرسين للأزمات السلطوية الذين راحوا يقطعون الطرق أمام وصول مجتمعاتهم لحياة خالية من التسلط والارتهان لفساد السلطات القامعة.

من هنا  يجب تعميم أن الحياة التي تعاش بمعنى وأحقية يجب أن يكرس لها كل المعرفيين عبر أصقاع الوجود حياتهم في سبيل بلوغها، ناهيك أن الأزمات المركزية التي تعانيها المجتمعات المنكوبة بسبب الحرب، تطال كل مؤسسة متحضرة وبذلك فعدوى تلك الازمات ما يلبث أن تظهر ملامحها في البقاع المتحضرة أيضاَ، ولو كانت بعيدة جغرافيا عن ما يحصل (انفجار باريس)، فظاهرة التطرف ليست وليدة العصر الحاضر بقدر ما هي شرارة تم إذكاؤها بمنهجية في ذوات العقول التي كان الفراغ وكانت العطالة تحاصرها ما لبث أن وجدت ما يملئ عليها الفراغ عبر زجها في قوالب أكثر شناعة، عبر التنظيمات الجهادية التي بدأت تنشر ويلات الفزع والرعب، لتملأ الحياة شغباً وفوضىً ودماءً، مما يعني أنه من الاستحالة خلق حياة عصرية بنمط من التجاهل لأزمات الشعوب المنكوبة التي لم تكف عن عيش أدوار الضحية بصورة مختلفة وعبر مراحل، من خلال ترسيخ الأنظمة القومية الديكتاتورية على طول خارطتها وإنهاكها راهناً بالفوضى، وإفراغ مساحات أرضها عبر إجبارها على النزوح والهرب عبر موجات الهجرة  نحو الشمال، مما يعني أن الحديث عن أي نظام يدعو للعصرنة مجرد ثغاء مالم يتم الحد من ويلات الكارثة الناجمة عن ظاهرة التطرف الديني وإقبال النخبة الشابة لأوساطها بازدياد، فشيوع العنف بمنهجية، أدى لحدوث  أزمات لا تنتهي، ولربما غاصت ألماً في ذاكرة الشعوب الهاربة بصورة مأساوية , كل ذلك وعبر مرأى المجتمعات المتحضرة التي كان ولابد الآن أن تتحمل مسؤولياتها في إعادة الاستقرار والأمان، للمناطق المتأزمة سياسياً , عبر إنهاء حكم الديكتاتوريات ومكافحة التطرف، وكذلك تفعيل أدوات التخاطب والعمل عبر منظمات مدنية  تعد جيلاً قوياً قادراً على العمل والبناء، فاستخدام لغة التحريض للعنف وعكس الحقائق وتشويهها، جعلت المجتمعات الشرق أوسطية تعيش في غيبوبة عن الخلاص، حتى أضحت السياسة وسيلة للتشويه والكذب والفساد، وأصبحت التعابير والاصطلاحات الممنهجة  في سياقات تهويمية فاسدة وكاسدة، للإيقاع بعقول الشباب في سلسلة تخبطات لا تنتهي  إثر التهويم المركز الذي يشل ويضعف من امكانية بروز العقل النقدي، مما تتجلى مظاهر الاغتراب بشكلها المأساوي؛ لتصبح الهجرة والنزوح عن الموطن خياراً لحماية المتبقى الزهيد والدفاع عنه إزاء قوى تنشر التطرف بأشكاله، وترفع شعار حيث يعلو الرصاص يخرس العقل وتجف منابع القلب  والفكر، فمهما كانت القضايا على درجة متشابكة من التعقيد والتشعب، فإن العقل الحر لا يعدم الوسائل لفك تلك العقد البارزة، حينما تتكافل أدوار الناس في المحيط الاجتماعي، وتتوطد علائقهم المعرفية المتآلفة عقلاً وقلباً، ولكن حينما نشهد التفكك، وتصبح العلاقات الاجتماعية محاصرة بأشواك الصراع الاستنزافي الذي تغذيه الأقنية الإعلامية المأجورة؛ حيث تغيب بضراوة الصراع جل معايير التماسك الكامنة في الحب , حيث ينسجم هذا التفكك الاجتماعي والفوضى الناشئة مع مصالح القوى الأنانية التي همها تعزيز النفوذ، وتقاسم الورثة الاستعمارية جيلاً بعد جيل، وهنا يبرز معادل الأنانية الرأسمالي، والذي يفصح عن نفسه بأشكال متعددة توحي  أنها طبيعية وبديلة عن التصارع؛ حيث تصبح فلسفة وروحاً تضخ أكثر من ويلات التباعد والتشرذم؛ حيث ينعدم أخيراً المعنى من وجود التمدن الجوهري والاستقرار الاجتماعي  والإحساس بالحياة، فباتت أزمة التلاعب بالمفردات إعلامياً؛ سلوكاً ممنهجاً للتحكم بالعقل والنفوس التي تسرع للتصديق والتسليم  بعودة الصراع القديم الجديد؛ المستورد من التاريخ وعفونة السلطة، فبدأ الإعلام الحزبي يتقاسم مع الإعلام السلعي التجاري اللعبة ذاتها لأجل تمركزها ولعبها الدور المتحكم في الجماهير، وأمام هذا السباق تبرز العضلات التي تكاد تناطح قسوة الجدار المسلح بطبقات الاسمنت السميكة، ويبرز خيار المواجهة , أشبه بحرب ينهمك فيها المعرفي الساعي لإنقاذ مكتسبات أسلافه في الوجود؛ إزاء عبث  أرباب الاقتصاد والدين بالوجود عبر إنتاج الأزمات والحروب والجوع والتلوث .

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password