الدروز.. ماهي ديانتهم ومعتقداتهم وتاريخهم السياسي في سوريا؟

لزكين إبراهيم

الديانة الدرزية تُعتبر مذهباً دينيّاً اسمه مذهب التوحيد، يبلغ عدد أتباع هذا المذهب ما يقارب المليون ونصف شخص في العالم، يعيش أغلبهم في الشرق الأوسط (سوريا، لبنان، الأردن، فلسطين، إسرائيل) وهناك جاليات عديدة في دول مثل أستراليا وأمريكا. فمن أين جاء اسمهم وما هي ديانتهم ومعتقداتهم، وما أهم مراحل تاريخهم وتأثيرهم السياسي في سوريا؟ وسنجيب في هذا الملف الأول عن الأسئلة التي طرحناها، فيما سيتبع بملف آخر نتطرق فيها إلى أوضاع الدروز ودورهم في الحراك الثوري السوري وموقفهم من الثورة والنظام.

من أين جاءت تّسمية الدروز؟

بحسب الروايات فإن اسم الدروز جاء نسبةً إلى شخص يدعى محمد بن اسماعيل نشتكين الدرزي، لكن الدروز يعتبرونه محرّفًا للحقائق؛ لذلك ينبذ الدروز هذه التسميّة، ويفضلون أن يُشار إليهم بالموحّدين، وذلك نسبةً إلى اعتقادهم الأساسي في توحيد الله وعدم الإشراك به. هناك تسميةٌ أخرى للدروز وهي ”بني معروف“ أي أهل المعروف والإحسان، الصفات التي يتحلى بها الدروز بحسب عقيدتهم وتاريخهم.

من أين جاءت الديانة الدرزية وما تاريخها؟

مؤسس الديانة الدرزيّة والداعية الأول لها هو الخليفة الفاطمي”الحاكم بأمر الله“. بدأت في بداية القرن العاشر ميلادي (سنة 1017م) في مصر، واستمرّت لمدة 21 سنة على كل أنحاء الأرض (بحسب الاعتقاد)، حيث كتب كل شخص اعتنق الديانة ميثاقاً على نفسه، وتمّ وضع هذا الميثاق في الأهرامات في مصر، ومن ثمّ تمّ إغلاق باب الدعوة، أي منذ ذلك الحين لم يسمح لأيّ شخصٍ بدخول الديانة التوحيديّة، فقط من يولد لأبٍ وأمٍ دروز يُعتبر درزياً.

من هنا نرى أن الديانة الدرزيّة -بعكس أغلب الأديان- ليست ديانةً تبشيريّة ولا يسعى أيّ من أبنائها إلى دعوة أفرادٍ من خارج الدين إلى دخول الدين.

تعرّض الدروز للاضطهاد في العديد من الأحيان على مر التاريخ باعتبارهم منشقين عن الإسلام، فكُفّروا بالعديد من الفتاوى واعتُبروا مرتدين عن الإسلام. وأيضًا بسبب كونهم أقليّة عرقيّة.

يؤمن الدروز بالله بحسب تعريفه في الأديان الإبراهيميّة، وأنّ”الحاكم بأمر الله“، مؤسس الدعوة، هو نفسه الله الذي تجسّد على صورة إنسان، وبالتالي ينفون العديد من الحقائق التاريخية التي تدين ”الحاكم بأمر الله“ مثل حرقه لكنيسة القيامة، كما ينفون ادّعاءات قتله ويقولون أنه قد احتجب، أي اختفى.

لدى الدروز خمسةُ أنبياء ولا يوجد رسول محدد أو نبي مفضل، فالنبي شعيب واحد من الأنبياء في جيل مُعين (لأنهم يعتقدون بالتقمص) وهو نفسه يسوع المسيح في جيل أخر. يُمثلون بالألوان الخمس في العلم الخاصّ بهم، كلّ نبي كان له العديد من الأدوار على مر التاريخ، فهم يؤمنون أن أفلاطون وأرسطو وسقراط وأخناتون هم أنبياء الدروز في أحد أدوارهم، ويؤمنون أن هؤلاء الأنبياء كانوا في كل الأديان الإبراهيميّة الأخرى، مثل ”يترو“ في الديانة اليهوديّة، يسوع المسيح في الديانة المسيحية (بعد قيامه من القبر) وتلاميذه يوحنا ولوقا ومرقس ومتّى. وفي زمن الإسلام كانوا سليمان الفارسي والخضر وأبو ذر الغفاري ومساعدوا النبي محمد.

يعترف الدروز بالقرآن لكنهم يقومون بتفسيره تفسيراتٍ أخرى باطنيّة، ويدّعون أنه قد تمّ تحريفه على مر التاريخ، ولديهم كتبٌ دينيّة خاصة بهم تُسمى كتب الحكمة، كُتبت على يد حمزة بن علي (وهو نفسه النبي شعيب عند الدروز)، لكن هذه الكتب من المفروض أن تكون سريّةً ويُمنع الاطلاع عليها حتى لأبناء الطائفة أنفسهم، فهي متوفّرةٌ فقط للشيوخ المتدينين.

لدى الدروز وصايا سبع مهمة وهي: صدق اللسان، حفظ الإخوان، ترك عبادة العدم والبهتان، البراءة من الأبالسة والطغيان، التوحيد لمولانا في كل عصر وزمان، الرضى بفعل مولانا كيف ما كان، التسليم لأمر مولانا في السر والحدثان”.

العلم والرموز الدرزية:

العلم الدرزي هو رمز الديانة الدرزية ويمثّل في الواقع العقيدة الدرزية وأسسها. هناك شكلان مختلفان للعلم الدرزي. الأول: علم عادي ألوانه مصفوفة فوق بعضها البعض، والآخر: علم على شكل نجمة خماسية. ويأتي في الشكلين خمسة ألوان: الأخضر، الأحمر، الأصفر، الأزرق والأبيض، بحيث أنّ لكل لون معنى خاص ورئيسي مهمّ عند الدروز. الأحمر: يرمز للبسالة، الشجاعة والحبّ. الأصفر: المعرفة، التنوير والقمح. الأخضر: الأرض والطبيعة. الأزرق: الصبر، التسامح، الأخوة، السماء والماء. الأبيض: السلام والنقاء.

التقمّص في الديانة الدرزيّة:

بحسب الاعتقاد في الديانة، فإن الله قد خلق عدداً ثابتاً من الأرواح على الأرض، وهذه الأرواح تنتقل من جسدٍ إلى آخر، عند كل البشر وليس فقط عند الدروز. ويفسرون سبب وجود ظاهرة التقمص فقط بين أبناء العقيدة الدرزية لأنهم يقومون باستجواب أولادهم عندما يشعرون أنهم يتفوهون بأحاديث غريبة عن حياة شخص آخر لا يعرفونه (كونهم يؤمنون بالتقمص فينتبهون إلى ذلك بعكس باقي الناس التي لا تعير اهتماماً لأولادها عندما يحصل هذا) ومن ثم يحدث بما يسمى بالنطقة، أي أنّ الطفل ينطق بما حصل معه في جيله السابق.

ومن الشائع جداً أن يتكلم الأفراد في المجتمعات الدرزية عن ”جيلهم السابق“ كما أن يذهبوا للقاء أولادهم السابقين في بعض الحالات. من الغريب أن في الغالبية الساحقة من حالات ”النطق“ تكون أحداث الموت في الجيل السابق تراجيدية وليست عاديّة.

من الجدير بالذكر أن جواب الدروز المؤمنين بالتقمص على سؤال: ”إذًا كيف يزداد تعداد سكان العالم وهناك كثافةٌ سكانيّة؟“ هو أنهم لا يؤمنون بالإحصائيات وأن الإحصائيات ليست دقيقة.

الدروز والموت:

في الديانة الدرزية لا يوجد أهميّة لجسد الإنسان، فالمهم فقط هو الروح التي تنتقل من جسدٍ إلى آخر بحسب اعتقادهم. لذلك لا يجوز زيارة القبور عند الدروز، والمقابر الدرزيّة صغيرةٌ جدًا بشكل أنه يوضع العديد من التوابيت في القبر نفسه وبعد فترةٍ يقومون بإخراجها وتوسيع المكان لتوابيت جديدة.

يعتقد الدروز بأن يوم الحساب يأتي لكل البشر بعد انقضاء الساعة (يوم القيامة)، وليس بعد الموت، وذلك يحدث عند انقضاء الـ7 أجيال لكل شخص في العالم حيث يقوم الله باختبار الشخص في عدّة ظروف حياتية ومن ثم يقوم بمحاسبته، عندها يكون الحساب عادلاً ومتساوياً لكل البشر.

طقوس العبادة عند الدروز:

مكان العبادة عند الدروز يسمى ”الخلوة“ وهو عبارة عن غرفة كبيرة فارغة. في الخلوة لا يوجد أية صورة أو أيّ نوعٍ من الزينة، لا من الخارج ولا من الداخل.

لكلّ خلوةٍ شيخ مسؤولٌ عنها ويسمى ”السايس“، وهو الذي يقوم بالوعظ في أوقات العبادة.

لا يوجد لديهم وقتٌ محددٌ للصلاة، لكن يجتمع المتديّنون والمتديّنات، على انفرادٍ، في ليلة الجمعة، أيّ يوم الخميس في ساعات المساء.

أعياد الدروز:

للدروز أعياد مشابهة لأعياد الإسلام، لكن الصوم في رمضان ليس مفروضاً عليهم. وبالرغم أنه كان يتمّ الاحتفال بعيد الفطر في قسم من المجتمعات الدرزية، لكن العديد منهم توقف عن ذلك، وتم القرار أن الدروز يحتفلون بقدوم عيد الأضحى فقط. لكن الدروز لا يحجّون إلى مكّة أو أي مكانٍ آخر ولا يقومون بالطقوس الإسلاميّة نفسها في عيد الأضحى، وإنما فقط يعتبرونه عيداً مقدّساً.

بالإضافة إلى عيد الأضحى يحتفل الدروز بأعياد كلٍ من الأنبياء خلال السنة، وأشهرهم هو عيد النبي شعيب الذي يقوم فيه دروز إسرائيل/فلسطين بالذهاب إلى مقامه الواقع على سفح جبل حطين لأداء الصلاة هناك.

الأكلات المحرّمة عند الدروز:

هناك بعض المأكولات المحرّمة عند الدروز من أسباب دينيّة وصحيّة٫ قسم منها قد ذكره الأمير السيّد في شرحه للدين. ومن هذه المأكولات الملوخيّة والجرجير ولحم الخنزير. بالإضافة الى تحريم المشروبات الكحوليّة.

أحكام الزواج والطلاق لدى الدروز:

على الدروز أن يتزوجوا من بعضهم فقط، فالاختلاط والزواج من الأديان الأخرى ممنوع للرجل وللمرأة على حد سواء. في كل الحالات الأخرى يخرج المتزوج/ة عن الدين وفي أغلب الأحيان أيضًا ينفى من الأهل والمجتمع.

فالزواج في مذهب التوحيد يجب أن يكون مبني على القبول والمحبة والأُلفة والإنصاف والعدل والمساواة، لذلك منع تعدد الزوجات لأن ذلك يقضي على الإنصاف حسب معتقدهم.

في حالة الطلاق بين زوجين٫ لا يمكن أن يعودا إلى بعضهما البعض، وحتى أنه لا يمكن أن يتقابلا أو يتواجدا في المكان نفسه.

نبذة مختصرة حول التاريخ السياسي للدروز في سوريا:

يعود التاريخ السياسي للدروز إلى نحو ألف سنة فبعد أن اعتنقت بعض العشائر التنوخية في جبل لبنان مذهب التوحيد، وتغلبهم على المحنة، وفرضهم لوجودهم في بلاد الشام غدوا لاعباً أساسياً في تاريخ المنطقة، فقد ساهم التنوخيون الدروز في مقارعة الصليبين ؛لا سيما في معركة حطين، وكسبوا ثقة الزنكيين والأيوبيين وقوي وجودهم في ظلهم وبرزت من وقتها عائلات الدروز العريقة كأرسلان واللمعيين وغيرهم ثم تابعوا تقوية نفوذهم بالوقوف مع المماليك ضد التتار والمغول ولا سيما في معركة عين جالوت وقفوا مع العثمانيين ضد حملة محمد علي ضد بلاد الشام وصمدوا في جبل العرب جنوب دمشق حوالي سنة بقيادة الشيخ يحيى الحمدان حاكم الجبل في تلك الفترة، حيث كبدوا المصريين خسائر فادحة فيما يعرف بمعارك (اللجاه) وظلت العلاقة مع العثمانيين في أخذ ورد حيث كانوا يقوموا بالتمرد على السلطة العثمانية وكان الحكم العثماني يبعث الحملات إلى الجبل للسيطرة عليه دون جدوى.

ولما سيطر القوميون العنصريون الأتراك وصاروا ينتهكون حرمات الجبل وعاداته ويعدمون الأحرار ومنهم ذوقان الأطرش ويحيى عامر وعدد من الأحرار أعدموا عام 1911م، ويضيقون على العرب عموماً فقام الدروز بمحاربتهم ثم أعلنوا الولاء للشريف حسين وتطوع المئات منهم في الجيش العربي فيما شكل سلطان الأطرش في جبل الدروز بسوريا قوة فرسان؛ سارت مع الجيش العربي من الجبل وكانوا في طليعة الذين دخلوا دمشق ورفعوا العلم العربي فوقها.

وبعد احتلال سوريا من قبل فرنسا قام الدروز بإشعال فتيل الثورة السورية الكبرى في جبل الدروز بقيادة سلطان باشا الأطرش في عام 1925م وخاضوا معارك عديدة كبدت الجيش الفرنسي خسائر كبير كمعركة الكفر وتل الحديد والمزرعة ونقلوا الثورة إلى دمشق وغوطتها وإلى لبنان وجبل الشيخ ورفضوا تشكيل دولة درزية وكان لهم الدور الأكبر والأساسي في الاستقلال عن فرنسا؛ حيث ثاروا على الجيش الفرنسي بعد دخول الجيش الفرنسي والبريطاني وقضائه على حكومة فيشي.

وبعد الاستقلال اندمج الدروز في كل بلد مع مواطنيهم واشتركوا معهم في الأحداث السياسية وفي سوريا حاول أديب الشيشكلي وهو رئيس الجمهورية لعام 1954م إثارة فتنة؛ حيث حاول استخدام الجيش الوطني للفتك بالدروز وحصل ذلك في عدة قرى إلا أن سلطان الأطرش والزعماء السوريين الآخرين استطاعوا إقصاء الشيشكلي ونفيه إلى البرازيل حيث اغتاله أحد الدروز الموتورين منه وهو نواف غزالة وهي حادثة الاغتيال الوحيدة في تاريخ الدروز حتى الآن.

    __________________________________________________________

المصادر:

ويكيبيديا الموسوعة الحرة.

موقع (دخلك بتعرف) الالكترونية.

كتاب “طائفة الدروز: تاريخها وعقائدها” – محمد كامل حسين.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password