ثورة في روج آفا (الإدارة الذاتية الديمقراطية، وتحرير المرأة في الشرق الأوسط)…الجزء الثالث.

تأليف: مايكل كناب، آنيا فلاخ، أرجان آي بوغا

التقديم: ديفيد جرايبر

الكلمة الختامية: آسيا عبد الله

الإعداد وترخيص النشر باللغة العربية: منتدى الفرات للدراسات.

 

الكونفيدرالية الديمقراطية:

حزب العمال الكردستاني و تحوّله النوعي:

في عام 1978م ثوريون كرد وأتراك؛ ومن بينهم عبد الله أوجلان وساكينة جانسيز، أسّسوا حزب العمال الكردستاني (PKK) في شمال كردستان كحركة تحررية ماركسية لينينية. في تلك السنوات كان اليسار الثوري في تركيا قوياً نسبياً، والثورة الاشتراكية كانت تبدو ممكنةً. ولكن الكثير من اليساريين الأتراك كانوا غارقين في الشوفينية الاستعمارية الجديدة والعنصرية المعادية للكرد المروّجة من قبل الكمالية، وأيديولوجية الدولة التركية، فخلُص الكثير من الكرد الثوريين اليساريين إلى ضرورة وجود حركة كمثل حزب العمال الكردستاني.

في 12 أيلول 1980م، استولى الجيش على السلطة في تركيا للمرة الثالثة. وكان الانقلاب الأكثر وحشية في التاريخ التركي حيث تم تنفيذه بالتشاور مع الناتو، والتي أذعر المجتمع التركي لسنوات قادمة. وألقي القبض على 650000 شخصاً تقريباً، في حين اختفى الآلاف في السجون.

سمح نظام البعث لحزب العمال الكردستاني بالتمركز في سوريا وأيضاً في لبنان، مع العلم أنه يمكن استخدام المجموعة كورقة ضغط ضد تركيا، العدو الدائم لسوريا. في سياسات الحرب الباردة، كانت تركيا العضو في حلف الشمال الاطلسي، في حين كانت سوريا مدعومة من قبل الاتحاد السوفياتي. فتح حزب العمال الكردستاني معسكراً في دمشق وفي لبنان المحتلة سورياً، حيث بدأ تدريب مجموعة من بضعة مئات من المقاتلين. وقد تطورت القاعدة الأيديولوجية والسياسية لحزب العمال الكردستاني في سوريا، كان نظام البعث يقمع الحركة الكردية، واعتقلت العديد من الناشطين كسجناء سياسيين. ولكن الهدف الرئيسي لحركة حرية كردستان كان تحرير شمال كردستان. وفي وقت متأخر بدأ التنظيم الثوري في سوريا وإيران أيضاً. حتى ذلك الحين كان على حزب العمال الكردستاني أن يكون حذراً وألّا يعرّض ملاذها الآمن للخطر، الذي كان مصيرياً لبقائها.

في 15 آب عام 1984، بدأ حزب العمال الكردستاني حرب الكريلا ضد الدولة التركية في شمال كردستان المحتلة من قبل تركيا. غادر الآلاف من الشباب الكرد من سوريا للانضمام إلى جيش الكريلا لحزب العمال الكردستاني الرجال والنساء على حد سواء. وحتى شاركت النساء في الأعمال المسلحة الأولى. خلال الحرب الباردة، كافح حزب العمال الكردستاني كحركة شرقية تحررية ذات التوجّه الماركسي اللينيني، وذلك بهدف إنشاء كردستان ديمقراطي مركزي اشتراكي موحّد على الرغم من إنها حافظت على مسافة دقيقة من الاشتراكية الحقيقية (الكتلة السوفياتية). والنظر إلى المسألة الكردية ليس فقط باعتبارها قضية وطنية أوعرقية ولكن كمسألة تحرير المجتمع و الجنسين و حتى جميع الناس.

في 1990-1991، مع انهيار الاتحاد السوفياتي، انتهت الاشتراكية الحقيقية. و تفككت حركات التحرر في جميع أنحاء العالم. وأدت نهاية الاشتراكية الحقيقية للبحث على تقييم الدولتية، وفي التسعينيات من القرن الماضي وفي وقت مبكر بدأ حزب العمال الكردستاني بالتفكير ملياً بنماذج أخرى.

فتح حزب العمال الكردستاني في دمشق أكاديمية الحزب؛ حيث تم تدريس عشرات آلاف الكوادر والمؤيدين فيها. (الكوادر هم الناس الذين ينتمون إلى الحركة وإنهم يعيشون من أجل النضال و التحرير، و الذين يتخلون عن الحياة الخاصة فليس لديهم منزل أو أملاك… و ابتعدوا عن الأسرة وحتى عن العلاقات العاطفية و هم على استعداد للقتال في أي مكان يتطلب ذلك، سواء كان في الجيش أو أي مجال اجتماعي آخر.) قاموا بتحليل الديناميكيات السياسية والاجتماعية، وطوّروا البرامج التي وضِعت للوصول إلى مجتمع متحرر. وحيث هم باستطاعتهم النقاش مع عبد الله أوجلان نفسه، فضلاً عن شخصيات أخرى. وخلال هذه السنوات تعزز ارتباط حزب العمال الكردستاني مع المدنيين الكرد داخل الدولة السورية.

في عام 1993 أنشأ حزب العمال الكردستاني جيشاً نسائياً عرف باسم YAJK (اتحاد المرأة الحرة لكردستان)، وبمقرات خاصة بها. رفضن النساء اللواتي أصبحن كريلا الدور الأبوي التقليدي للمرأة واتخذن الدور الجديد لمقاتلات الحرية، لأن لديهن الكثير من أجل الربح والقليل جداً من الخسارة. كان واحداً من أهداف YAJK هو التغلب على التنشئة الاجتماعية التقليدية للمجتمع الإقطاعي الذي أعيد انتاجه في جيش الكريلا. هناك في الجبال، وضعت YAJK مبادئ تنظيم النساء ذاتية الحكم والقيادة المشتركة، ونسبة المشاركة النسائية 50 بالمئة في جميع المجالات – هذه المبادئ التي تنطبق الآن على الحركة في جميع الأجزاء الأربعة من كردستان. وفي منتصف التسعينيات من القرن الماضي أحد المؤلفين الحاليين لهذا الكتاب قضى عدة أشهر في المناطق الكردية في سوريا.

وبحلول منتصف التسعينيات من القرن الماضي؛ دخل الصراع العسكري بين حزب العمال الكردستاني والجيش التركي في مأزق. أصدر حزب العمال الكردستاني عدة مبادرات لوقف إطلاق النار من جانب واحد بهدف تحقيق حل مجتمع مدني داخل تركيا. ولكن الدولة التركية وعناصر الدولة العميقة عمدوا الى تخريب جهود حزب العمال الكردستاني مراراً.

في أواخر التسعينيات، سيطرت تركيا على إمدادات المياه المؤدية الى سوريا، وهددت بشن الحرب على سوريا ما لم تطرد حزب العمال الكردستاني من سوريا. وبعد مغادرة أوجلان بعشرة أيام وفي 20 تشرين الأول عام 1998، التقى مسؤولون أتراك وسوريون سراً في مدينة جيهان التركية. ووعدت سوريا بإغلاق هيكليات حزب العمال الكردستاني وطردهم خارجاً. أغلق حافظ الأسد كل هيكليات حزب العمال الكردستاني  وبعدها بسنوات قامت بتسليم نشطاء  PKKللدولة التركية.

قد يكون ردة فعل حزب العمال الكردستاني هو تصعيد الكفاح المسلح ونقله إلى المدن التركية، لكن القيادة بما في ذلك أوجلان قررت البحث عن الحل اللاعنفي بدلاً من ذلك. وفي 15 شباط 1999، تم اعتقال وخطف أوجلان. وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وربما بشكل غير مباشر مع الموساد الاسرائيلي خطفته من القنصلية اليونانية في نيروبي عاصمة كينيا، وأتَوا به إلى تركيا. قال هفال عامر لنا. ” بكى الجميع في شمال شوريا. وفي ديريك كان هناك إضراب عن الطعام بالتناوب. وصديق كان يدعى بيرام أشعل النار في جسده احتجاجاً على ذلك. وكان حزب العمال الكردستاني على حافة الانتفاضة والبدء بحرب أهلية.

في تركيا حُوكم وأُدين أوجلان ، في البداية حُكم عليه بالإعدام. لكنه استخدم عملية قانونية لتقديم مبادرته للسلام والمطالبة بالمفاوضات. كبادرة حسن نية، دعا حزب العمال الكردستاني للانسحاب من شمال كردستان الى جنوب كوردستان. استغلت تركيا الانسحاب العسكري وقتلت أكثر من خمسمائة من مقاتلي الكريلا.

و قد أُعيد حكم أوجلان إلى الحبس الانفرادي، والسجن في جزيرة إيمرالي في بحر مرمرة،  كسجينٍ منفرد و منعزل عن العالم. خلال هذا الوقت انهمك كلياً بنظرية الماركسية اللينينية ودرس بشكل مكثف كتب المنظِّر الليبرالي موراي بوكشين وعلماء اجتماع أمثال ايمانويل والرشتاين وميشيل فوكو. قام  بدراسة مكثفة لتاريخ الشرق الأوسط، ومجتمع العصر الحجري وسومر القديمة و الديمقراطية العليا وتنظيم القبيلة المعاصرة. ودرس أعمال عن الأساطير السومرية والدين و الفلسفة و علم الآثار والفيزياء وأكثر من ذلك بكثير. ومن كل هذه المصادر طوّر نماذج من الكونفيدرالية الديمقراطية والادارة الذاتية الديمقراطية و التي تبناها حزب العمال الكردستاني باعتبارها تحولاً جذرياً، والتي من شأنها أن تصبح المؤسس للثورة في روجآفا.

 

الكونفيدرالية الديمقراطية:

“التعايش السلمي بين الكونفيدرالية الديمقراطية والدولة القومية ممكنٌ طالما أن الدولة لا تتدخل في المسائل المركزية من الإدارة الذاتية. إن أي تدخل من هذا القبيل يتطلب المجتمع المدني في الدفاع عن نفسه “.

عبد الله أوجلان

 

واستناداً إلى التقاليد المشاعية لما يسمى بالمجتمع البدائي، تبنى أوجلان منحى “المجتمع الطبيعي”، الذي يعتقد أنه كان قائماً قبل نحو عشرة آلاف سنة. إنه كان التنظيم الاجتماعي الكومونالي المتساوي. إنه كان عصر الأمومة ولكن أيضاً بمعنى المساواة بين الجنسين. و كما كتب عبدالله أوجلان : “وخلال العصر الحجري الحديث تم إنشاء نظام اجتماعي كومونالي كامل، و سميت بـ” الاشتراكية البدائية، وتم إنشاؤه حول المرأة، وهو نظام اجتماعي ” يرى أنه لا ممارسات تُفرض من قبل الدولة.” هذه فكرة ” المجتمع الطبيعي “يشبه بشكل واضح لمفهوم” الشيوعية البدائية “التي وضعها لويس هنري مورغان و فريدريك إنجلز و جوردون تشايلد وغيرهم.

من وجهة نظر المادية التاريخية أنه يجب بالضرورة التغلب على الشيوعية البدائية من خلال المجتمع الدولتي في رحلة عبر مراحل التنمية الاقتصادية، من الشيوعية البدائية و خلال مجتمع العبودية و الإقطاعية و الرأسمالية والاشتراكية وأخيراً الشيوعية.. تعاقب هذه المراحل هو غائية و حتمية. فالمجتمع يتحرك بلا هوادة.

ولكن في نظر أوجلان، كان ظهور التسلسل الهرمي والحكم الطبقي والدولتية لا مفرّ منه، ولكن أُجْبر على الظهور. ” تم فرض التسلسل الهرمي والنشوء المتعاقب للدولة عن طريق استخدام واسع النطاق من العنف والتزوير. ومن ناحية أخرى، قاومت القوى الأساسية في المجتمع الطبيعي بلا كلل وكان لا بدّ من دفعها باستمرار إلى الوراء.” ضد المبدأ الماركسي من المرور الضروري خلال مراحل التنمية، طرح أوجلان مفهوم بناء الديمقراطية الجذرية هنا والآن.

في أواخر العصر الحجري نتج المجتمع الأمومي والكومونالي في نهاية المطاف في مجتمع دولتيٍ وذكوريِ. الحكم الذكوري في رأيه هو الأساس لظهور التسلسل الهرمي (في اليونانية “الحكم المقدس”، أو هيمنة المعاقبة الإلهية) وقمع الدولة. الدولة المركزية، والرأسمالية والقومية في رأي عبد الله أوجلان كلها نتائج الحكم الأبوي أو الذكوري.

لدراسة هذا التحول، استخدم أوجلان تحليل الخطاب لدراسة الأساطير فضلاً عن استخدامه أساليب وطرق اجتماعية. استخلص من الأساطير السومرية المعلومات حول كيفية تحقيق التسلسل الهرمي والنظام الأبوي واستعباد الرجال والنساء.  هم يصفون اضطهاد المرأة، والتقليل من هيبتها، وتدمير العناصر النسائية في الحياة والمجتمع. يصفون ترتيب المجتمع حسب هويات الإناث والذكور وعلى شكل رجل المهيمن و”زوجته”.

انحطاط المجتمع، في هذا التحليل، بدأ مع سقوط امرأة. ملحمة جلجامش يعرض الهوية الذكورية كأداة للهيمنة، الرجولة أصبحت أيديولوجية، الأيديولوجية الحاكمة بحيث لا يرى جلجامش المرأة كبشر ولكن كأدوات يمكن أن يستخدمها الرجال من أجل المتعة. في الوقت نفسه ملحمة تفصل الفرد من المجتمع القبلي القائم على الطبيعة. إنها تناقض ثقافة المدينة الدولة الأبوية مع الطبيعة. الطبيعة الرجُولية لأنكيدو هو ” حَضَري” يستخدم الجنسية والدعارة عند المرأة. يدمر عيشَ الأفراد، مما يجعلهم معتمدون، وبالتالي حريتهم. وهكذا ملحمة جلجامش هي سرد للطرد والتخلي القسري من القرى. الأساطير الأخرى، مثل قصة الخلق البابلية، تحدد ظهور الوضع الراهن الاجتماعي باعتباره عملية عنيفة من التمكين الذاتي الأبوي. ومعاً تتوافق مع الاقتصاد القديم الأثري المحقق الذي يسيطر عليه معبد الدولة ذو الإنتاج الضخم ونموذج الدولتية السومرية للهيمنة.

اليوم في المجتمعات الدولتية للحداثة الرأسمالية، يدل أوجلان ضمناً على عاقبة الانحلال و التسليع المدمرة على الناس، وعزل بعضها عن البعض الآخر وتحديدهم ككتل  متبلورة لكي تُحكم تحت وصاية النخب في الدول القومية. ولكن ربط الناس معاً في المجالس وخلق المواطنة الفاعلة والناشطة هو الأساس الذي يمكن – ويجب- أن يبنى عليها البديل لحداثة الدولة القومية والرأسمالية.

عند أوجلان، مفهوم “الحضارة الديمقراطية” هو شبه تقليد دائم لمقاومة الحضارة الدولتية. فإنه يفتح احتمالات جديدة تتجاوز المادية التاريخية الكلاسيكية. والواقع أنها تنتقد المادية التاريخية كـ الأوربي- و التركيز على الرجل لطلب المجتمعات المستعمرة لتطور البروليتاريا الصناعية. علاوة على ذلك فإنه يخضع لنقد بيئي، كالتصنيع الرأسمالي فهو غير قابل للاستمرار لهذا الكوكب وسكانه. وعلى النقيض من ذلك، يقترح نهج حركة حرية كردستان لتعزيز الحضارة الديمقراطية وتطوير الحداثة الديمقراطية.

الفكر الحداثي الكمالي يتوافق مع الماركسية الكلاسيكية بذلك الخصوص في الشرق الأوسط كمنطقة متخلفة؛ ويسخر من المناطق  الكردية بأنها “أقل تقدماً “. ولكن إذا الرأسمالية لا يتم استيعابها تماماً في النسيج الاجتماعي لمنطقة الشرق الأوسط، فذلك يكون مفيداً. المناطق الكردية على وجه الخصوص ليست مجتمع إقطاعي التي يجب التغلب عليها من قبل الرأسمالية من أجل الوصول إلى الاشتراكية والشيوعية. على العكس من ذلك، يعتبرها النهج الديمقراطي الكردي إيجابياً بأن الشرق الأوسط لم يُغمر بالكامل من قبل عزلة وانحلال الحداثة الرأسمالية، لأنه يعني فرص من أجل التنمية من دون خطوط الحداثية المتبقية، و نهجاً مختلفاً للتقاليد والمجتمع. وهكذا فإن المنطقة التي يعيش الأكراد فيها الآن هي أرض خصبة نسبياً للتنمية على طول خطوط اللا حداثية.

وبالتالي لدينا اثنين من التقاليد: تقليد الحضارة الديمقراطية وتقليد حضارة الدولة، الأمر الذي نستطيع التعبير عنه من الناحية السياسية والاجتماعية باسم “الحداثة الديمقراطية” و “الحداثة الرأسمالية”.  وتصنّف هذه التقاليد وفقا لمحتواها التحرري. أولئك الذين أسسوا أنفسهم من قبل الدولتية والأبوية فهم دائمو الانتقاد، في حين التقاليد الجماعية، التي تحتضن الدور الاجتماعي للمرأة التي تساهم في حل النزاعات الاجتماعية من خلال حل وسط، وأن التعايش بين شخصياته الاجتماعية المتنوعة لا بدّ من تعزيزها. لا ينبغي غزو السلطة؛ بدلاً من ذلك، هو أنه يبنى بديلٌ في هذه اللحظة التاريخية . من خلال ربط الناس ببعضهم البعض في المجالس وتمكين الناس من خلال الإدارة الذاتية، والنهج الكردي يقاوم الحداثة الرأسمالية والدولة القومية ويبني بديلاً عملياً.

 

  ديمقراطية المجلس:

” خلق مستوى عملي حيث جميع  الفئات الاجتماعية والسياسية والمجتمعات الدينية أو التوجهات الفكرية يمكنهم التعبير مباشرة عن انفسهم مباشرة في جميع عمليات صنع القرار على المستوى المحلي ويمكن أيضاً أن يسمى بالديمقراطية التشاركية”.

 عبد الله أوجلان

منذ كومونة باريس عام 1871 , كانت المنظمة من قبل المجالس جزءاً لا يتجزأ من الحركات الاشتراكية الأوروبية والروسية. كانت المجالس مؤسسات رئيسية في كومونة باريس، في الثورة الروسية عام 1917 والانتفاضات الألمانية عام 1918 عندما أنشأ العمال والجنود المجالس. ولكن في جميع الحالات تم تحييد حركة المجلس، إما بسبب الثورة الموحدة (في حالة الاتحاد السوفيتي)، أو بسبب أن الثورة المضادة هزمتها  (في كومونة باريس وحركة مجلس الألمانية).

سمّت هانا آرندت حركة المجلس ب ” كنز الديمقراطية المفقود”. و ناقشت أن المجالس تسمح للمشاركة السياسية من قبل الشعب، في حين أن الأنظمة التمثيلية تستبعد هيكلياً الناس من السلطة. و كانت حركات المجلس جزءاً عفوياً من كل ثورة وبديلاً للأنظمة التمثيلية. في رأيها العملية الثورية من تشكيل مجلس عفوي نابع من عدم تجانس المجتمع. فهي ذكرتنا أن بعد الثورة الأميركية انتقد توماس جيفرسون عملية وضع الدستور الأمريكي قائلاً إن الثورة جلبت الحرية للشعب ولكنها لم تخلق أي مكان حيث يمكنهم ممارسة هذا الحق عليها.

لكن أرندت أدانت إدراج المسألة الاجتماعية في الإدارة الذاتية. حول هذه النقطة اتهمها يورغن هابرماس بعدم فهم الثورة كتحررٍ للطبقات الاجتماعية المضطهدة. على النقيض من ذلك، رأت روزا لوكسمبورغ بإن المجالس الثورية هي محاولات منح الطبقات المنتجة السلطة التشريعية. إنها كانت مؤسسات الطبقة العاملة التي يجب أن تمثّل “الكلية” (أي المجتمع بأكمله). ويمكن اعتبار التفكير عند اللوكسمبورغين هو مواز للنزعات الاستبدادية في الحركات الاشتراكية. في رأيها، ينبغي إجراء الثورة الاشتراكية ليس من خلال الاستيلاء على السلطة من قبل الفاعلين السياسيين ولكن من قبل الجماهير المنظِمة ذو الحكم الذاتي الديمقراطي الجذري.

في معتقدات لوكسمبورغ، الكونفيدرالية الديمقراطية توسّع مفهوم الديمقراطية إلى ظروف اقتصادية و يعني ذلك ان الاقتصاد – كجزء من المجتمع- يجب أن يكون ديمقراطي. فدمقرطة أو مجتمعيةْ الاقتصاد يجب تمييزها عن التأميم. التنشئة المجتمعية تعني إدارة الموارد الاقتصادية الحرة من قبل المجالس والمجتمعات المحلية وإقامة التعاونيات التابعة لها، وهذا يعني الكومونالية بدلاً من الدولتية أو القطاع الخاص.

ولكن فكرة لوكسمبورغ لم تشمل النساء أوالأُسر أو العاطلين عن العمل. في السبعينيات من القرن الماضي بدأت مناقشات تهدف إلى تطوير السياسة بعيداً عن الحكومة و المنظمة السياسية والحزبية والذاتية السياسية التي تجاوزت الطبقة. في الغرب وجد بديلاً للديمقراطية الليبرالية التي ألهمت الحركات التحررية العالمية والحركات المناهضة للعولمة. اقترح مايكل هارت وأنطونيو نيغري نظام التمثيلي الناجح عن طريق المشاركة المباشرة؛ فيها كل ” فرد” بين “العديد” من شأنه أن يكون مُمثلاً من خلال عملية الديمقراطية الجذرية.

الكونفيدرالية الديمقراطية هو مفهوم للديمقراطية الراديكالية في المجتمع. فيكتب أوجلان “وعلى النقيض من الإدارات المركزية وممارسة بيروقراطية السلطة الكونفيدرالية تقترح سياسية الإدارة الذاتية، والتي تعبر جميع فئات المجتمع وجميع الهويات الثقافية عن نفسها في الاجتماعات المحلية والاتفاقيات العامة والمجالس. هذه الديمقراطية تفتح الفضاء السياسي لجميع الشرائح الاجتماعية، وتتيح للجماعات السياسية المختلفة للتعبير عن أنفسهم. وبهذه الطريقة فهي تقدّم التكامل السياسي للمجتمع ككل. وتصبح السياسة جزء من الحياة اليومية “.

و يقول أوجلان أنه من أجل تحقيق الديمقراطية الجذرية فإن دور المرأة هو من الأهمية القصوى: “واقع المرأة يحدد الواقع الاجتماعي إلى حد كبير. . . . ولذلك، لا فرصة لأي حركة لخلق مجتمع حر حقيقي ودائم إلا إذا كان تحرير المرأة هو جزء أساسي من نشاطاتها. ” وهكذا المساواة بين الجنسين يكون ركناً أساسياً من أركان نظام الكونفيدرالية الديمقراطية. بالنسبة لحركة التحرر الكردية، التناقض الاجتماعي الرئيسي يكمن في العلاقات بين الجنسين. والآن هذه الفكرة متجذرة بعمق في حركة التحرر الكردية. وإذا أردنا أن نبني مجتمعاً لادولتياً، كما يقول أوجلان، فيجب علينا التغلب على النظام الأبوي – الذكوري. ويجري تنفيذ هذه الفكرة، في الإدارة الذاتية الديمقراطية، على جميع مستويات الحكومة المحلية، سواء من خلال مؤسسات النساء الذاتية الحكم أوالمؤسسات المختلطة بين الجنسين.

 

المفاهيم الديمقراطية:

كيف يمكن لنظام متقدم مبنيٌ على تقرير المصير أن يُصمم ويُنفذ؟ لأفكار أوجلان على الديمقراطية عدة أشكال.

الإدارة الذاتية الديمقراطية: يعني استقلالية الكومون والمجتمع وبالنسبة لاتباع نهج  المناهضين للامركزية والحكم من القاعدة إلى أعلى. الكومون هو المركز السياسي للحكم الذاتي، هو الوِحدة التي يدمج الأحياء مع بعضها البعض. “في حين أن الأمة الديمقراطية هي الروح، والحكم الذاتي الديمقراطي يمثل الجسم.”

الكونفيدرالية الديمقراطية: تهدف إلى تحقيق الاستقلال الذاتي للمجتمع، أي أن المجتمع يدير نفسه من خلال وحدات حكم ذاتية لا مركزية صغيرة. تنطوي عليها ثورة اجتماعية دائمة، وينعكس في كل جانب من البنية الاجتماعية. جميع المؤسسات تكون ذاتية التنظيم وذاتية الإدارة.

لا حدود الدولة ولا الإقليمية تلعب دوراً في الكونفيدرالية الديمقراطية، وبالإدارة الذاتية للمجتمع فإنها تجعل الدولة والدولة القومية لا لزوم لهما.

وقد تركت الدولة القومية أثراً كبيراً من الدماء طوال تاريخ العالم، لا سيما في تعريب سوريا والتتريك في تركيا. لأنها تعتمد على التجانس الاجتماعي من خلال تشكيل هوية وتنفيذها العنيف المحتوم. على النقيض من ذلك، تقوم الكونفيدرالية الديمقراطية على أساس في التنوع.

يختلف نظام الكونفيدرالية الديمقراطية من الفيدرالية أيضاً, لأن الفيدرالية كافتراض مسبق هي شبه الدولتية.

 

الجمهورية الديمقراطية: هي بقايا الدولة القومية التي لها دور في تضمين الحقوق التي تجعل من الحكم الذاتي الديمقراطي والكونفدرالية في البلاد ممكناً. وإنها تفترض مسبقاً بالديمقراطية الراديكالية من الدول القائمة مثل تركيا وسوريا وغيرهما.

الحداثة الديمقراطية: هي بديل للحداثة الرأسمالية، ولسلب القوة ومجانسة المجتمع الاستهلاكي. وضد هذا النموذج المتعثر، يقترح أوجلان “مجتمع أخلاقي وسياسي” الذي يحكم ذاتياً من خلال الديمقراطية الشعبية.

الأمة الديمقراطية:  “في الواقع، فإن الحرية والمساواة التي تحققت عبر الدول القومية هي فقط للاحتكارات كما ثبتت في جميع أنحاء العالم. ولا تسمح احتكارات الطاقة ورأس المال أبداً بالحرية الحقيقية أو المساواة. ولا يمكن اكتساب الحرية والمساواة إلا من خلال السياسات الديمقراطية للمجتمع الديمقراطي وحمايته بالدفاع الذاتي. ” أ. أوجلان

إن مفهوم الأمة الديمقراطية متميز عن الدولة القومية. مصطلحٌ يمكن أن يكون مزعجاً إذا كان المرء يعرف براديغما الّادولتية و اللاقومية لحزب العمال الكردستاني PKK. فالأمة الديمقراطية أكثر تقاسماً لقيم التحرر والتحرير أكثر من أي مكان له حدود. فالأمة الديمقراطية تنمو داخل الدول القومية القائمة كشكل بديل من أشكال المجتمع الذي يتقاسم المؤسسات الأخلاقية والديمقراطية والتحررية المشتركة في الحكم الذاتي الديمقراطي، ويهدف إلى تحويل الدولة القومية والدفاع عن نفسها ضد هجمات الرأسمالية والقومية والدولتية.

 

التحرير:

 البدء بالتنظيم:

بعد ترحيل عبد الله أوجلان من سوريا، أصبح قمع نظام البعث لحركة حزب العمال الكردستاني شديداً، لدرجة أنها لم تعد قادرة على العمل. قالت ممثلة مؤتمر ستار في ديريك سيلفان عفرين “عندما غادر القائد روجآفا، أصبح الوضع أصعب وأشتد القمع بحقنا. واعتقل النظام الكثير من الناس في روجآفا . واصلنا النضال ولكن بشكل سري. . . . كان هناك عدد قليل من الاحتجاجات، كل النشاطات كانت عليها أن تقام سراً. قمنا بفعاليات لشهدائنا وبمظاهرات لليوم العالمي للمرأة، ولكن حضور النساء كان حوالي خمسمئة  وأما جنود النظام كانوا بالآلاف “.

“، وفي ذاك الوقت من عام 2005 قُتِل السياسي اللبناني رفيق الحريري، وألقي باللوم على كبار المسؤولين السوريين”، وقالت حنيفة حسين وهي عضوة في حركة المجتمع الديمقراطي TEV-DEM “تم عزل سوريا دولياً، وأصبحت محاطة بالأعداء من لبنان وإسرائيل. أصبحت تركيا الصديقة مخمة لها في المنطقة. وعقدت تركيا وسوريا محادثات في أضنة، واتفقوا على هدف عزل الكرد. في الواقع، قرروا سراً على خطة لإبادة الكرد. وبالنسبة لنا، كانت السنوات من 2004-2011 بالنسبة لنا هي فترة ضعفٍ وخيانة “.

في 12 مارس 2004، وفي مدينة قامشلو كانت ستقام فيها مباراة كرة القدم بين الفريق الكردي وفريق الفتوة من دير الزور. وتم إدخال البعثيين العرب بأسلحتهم إلى داخل الملعب، وبموافقة المحافظ وجهاز المخابرات السورية والمجالس المحلية. قبل أن تبدأ المباراة، هتف العرب المسلحون بهتافات مؤيدة لصدام وشعارات معادية للكرد وذلك لاستفزازهم. في المقابل كان ردة فعل الكرد بترديد هتافات ضد صدام حسين ومؤيدة للكرد. ثم وبشكل غوغائي ومنظم، هاجم العرب الكرد بالسلاسل الحديدية والأسلحة.

قوات الأمن في الملعب بدورهم و بدلاً من المحاولة لاستعادة الأمن والهدوء بين الجماهير، دعموا البعثيين المسلحين وأطلقوا الرصاص الحي على الجماهير الكردية. وارتفعت حالة من الذعر بين الجماهير، وتوفي على إثرها ثمانية كرد وأربعة من العرب. في الأيام التالية، توسعت الاحتجاجات إلى مدنٍ أخرى بانتفاضة عفوية والتي دفعت الدولة لسحقها بكل عنف. وحسب أحد التقديرات قُتل حوالي 40 شخصاً واُصيب حوالي 300 بجروح. و أوضحت حنيفة حسين ، ” و بعد ذلك استخدم نظام الأسد لعبة كرة القدم باعتبارها فرصة لإلقاء القبض على المئات من الكرد وحظر الأحزاب”.

حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) ذو النهج اليساري كان قد تم تأسيسه قبل فترة وجيزة من ذلك الحدث. ولكن حاول الحزب الديمقراطي الكردستاني KDP في جنوب كردستان قمعه، وكذلك فعلتها الدولتان السورية والتركية، و حتى الانتهازيون ضمن صفوف حزب العمال الكردستاني نفسه، بما فيهم نظام الدين تاش وأوصمان أوجلان. و أردفت حنيفة حسين قائلة “تركيا والدولة السورية و الحزب الديمقراطي الكردستاني والخائن عثمان أوجلان كلهم أرادوا تدمير حزب PYD “. فعلى سبيل المثال، في 29 تشرين الثاني 2004، تم قتل شيلان كوباني وأربعة من الكوادر القيادية الأخرى من حزب الاتحاد الديمقراطي قرب الموصل. شيلان كوباني [ميساء باقي] كانت عضوة في قيادة الحزب وفي قيادة المؤتمر الشعبي الكردستاني [Kongra Gel]. أصرت على ألّا تسمح للخونة بذلك والمواظبة على استمرار المشروع. لكن . . . تم اغتيالها. كذلك كان زكريا ابراهيم ( زكريا تورو) عضو مجلس حزب الاتحاد الديمقراطي و حكمت توكماك [فؤاد]. و عضوي حزب الاتحاد الديمقراطي حجي جومالي ( جفان كوباني) و نبي علي ( جميل كوباني) ”

و قالت حنيفة حسين ” ساد مناخ من الخوف و القمع في تلك المرحلة؛ حيث قامت الدولة بتعذيب بعض الأصدقاء حتى الموت. مما أدى إلى انسحاب الناس الى الحياة الخاصة. حتى أن في أسبوع واحد في شباط 2011 تم اعتقال المئات من الأشخاص في حلب.” وأخبرنا العديد من النشطاء أن الناس كانوا في فزعٍ شديدٍ، وأنهم ما عادوا يتجرؤن على الخروج لدعم الحركة علناً.

لكن المنظمة استمرت بين عامي 2004 و 2011 على أساس سريٍ و خفي. والمتعاطفون دعموها مالياً. وقالت سيلفان عفرين وهي ناشطة في مؤتمر ستار ” في وقت ما كان لدينا حوالي خمسة عشر عضواً في حارة ما. “نحن كنا ملتزمون ببناء مواجهة كبيرة، وكان الناس مصطفين كثيراً بجانب المثل العليا للحركة”.

وفي عام 2008، أشارت امرأة عربية تدعى آسيا افندي قائلةً “تم اعتقالي بسبب عملي السياسي واقتادوني إلى حلب. حبسوني هناك لمدة عام وتعرضت للتعذيب مراراً وتكراراً. ” ولكنها ظلت تعمل. وأضافت “نحن النساء في الثقافة العربية تقريباً كالعبيد. لذا حصلنا على الكثير في هذه الثورة- و لكن أيضاً خسرنا الكثير. كون التغيير في البنى العشائرية والحدود العرقية المختلفة يستغرق وقتا طويلا “.

و تقريباً وعلى الرغم من القمع الشديد، المنظمة لم تستمر فحسب، بل اكتسبت زخماً كبيراً. قالت حنيفة حسين ” في عام 2005 تأسس اتحاد ستار النسائية، فقامت بتنظيم دورات تعليمية وعقد الاجتماعات، و القيام بأعمال على مستوى القاعدة. ولكن كل ذلك كان غير مستقر للغاية. الرجال الذين ألقي القبض عليهم عانوا كثيراً من العقوبات الوحشية. ولهذا السبب قامت النساء بكل امور التنظيم. لأن النساء فقط  وحدهن كنَّ يستطعن التحرك علناً.

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password