ثورة في روج آفا (الإدارة الذاتية الديمقراطية، وتحرير المرأة في الشرق الأوسط)…الجزء الرابع.

 

تأليف: مايكل كناب، آنيا فلاخ، أرجان آي بوغا

التقديم: ديفيد جرايبر

الكلمة الختامية: آسيا عبد الله

الإعداد وترخيص النشر باللغة العربية: منتدى الفرات للدراسات.

 

الربيع العربي في سوريا:

في أواخر عام 2010 وأوائل عام 2011، تحدّت الانتفاضات الشعبية الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة في تونس ومصر، كما ناضلت جماعات معارضة من أجل تحولٍ ديمقراطي. فألهمت نشاطاتهم جماعات المعارضة في البلدان المجاورة، وفتح الباب أمام التغيير في جميع أنحاء المنطقة والتي عُرفت باسم الربيع العربي.

بدأت الاحتجاجات السورية الأولى في شباط عام 2011 في العديد من المدن، ولكنها كانت صغيرة وكان له تأثير محدود. ثم في منتصف آذار وفي درعا في الجنوب، زعم أن ولدان كتبوا شعارات على الجدار. فاعتقلتهما الشرطة السورية، وذكرت بعض المصادر أن أثناء احتجازهما، أن أحدهما قد تعرض للتعذيب المميت. فاندلعت احتجاجات قوية ومظاهرات؛ مطالبين ليس فقط بالإفراج عن الولدان ولكن أيضاً بالإصلاح السياسي ووضع حدٍّ للفساد. هاجمت الشرطة المتظاهرين، وفتحوا النار وقتلوا العديد. ورافقت الجنازة في اليوم التالي مظاهرة كبيرة، وبالتالي عمت الاحتجاجات الأجزاء الأخرى من البلاد.

حاول النظام لتهدئة الوضع، ولكن لم يتمكن من احتواء موجة الاحتجاجات. الناس من جميع طبقات المجتمع السوري، حتى من داخل حزب البعث، خرجوا إلى الشوارع للتعبير عن غضبهم إزاء ما حدث في درعا. ولكن إطلاق النار من قبل قوات الأمن أخيراً قاد الناس في معظم المدن السورية إلى ثورة مسلحة حاولت بعض القوى الرجعية الاستفادة منها.

في ربيع عام 2011 من حزيران انتهت حالة الطوارئ التي كانت موجودة منذ عام 1963. وفي نيسان أعلنت وزارة الداخلية السورية أن الأكراد المحرومين من الجنسية سيحصلون أخيراً على الجنسية السورية، وقيل لهم في الشهر التالي أن لهم الحق في العمل. ولكن هذه السياسة أثرت فقط على أولئك الذين تم تسجيلهم  ك “أجانب” حقوق الأجانب. ولكن ليس ” المكتومين”، غير المسجلين. فسّر العديد من الناشطين الكرد هذا التنازل المفاجئ بأنها محاولة لحثّ الكرد أن لا يثوروا ضد النظام.

لكن استمر القمع من قبل جهاز المخابرات وقوات الأمن. وتمت كتابة دستور جديد، حيث تم إزالة الكلمات الاشتراكية والقومية العربية منها. وتدريجياً في فصلي الربيع والصيف من عام 2011 أصبحت جماعة الإخوان المسلمين مركزاً للتعبئة. وعلى الرغم من مجزرة حماة، كانت لا تزال هناك منظمة سرية تعمل، وكان لها علاقات متينة مع دول الخليج وتركيا.

في تموز، أسس جنود سابقين بما فيهم العقيد رياض الأسعد الجيش السوري الحر (FSA) كجناحٍ مسلحٍ للمعارضة السورية. تتألف أساساً من السنة الذين كانوا الأغلبية في سوريا. دعمت دول الخليج الجيش الحر مادياً. وإنها أيضا تلقت الدعم من قبل تركيا، مما يعني أنه لن يكون حليفاً مقبولاً للحركة الكردية.

حركة حرية كردستان، وخاصة منظمة الشباب وحزب الاتحاد الديمقراطي، دعمت المقاومة ضد نظام الأسد من أجل التغيير الديمقراطي. إنها ما كانت تريد أن يتم عسكرة الصراع. ولكن و بالتدريج تحول الصراع السياسي إلى حرب أهلية، و المعارضة الرئيسية ضد الأسد أصبحت إسلامية و رجعية إلى حدً كبير، و أصبحت ميّزتها الديمقراطية هشةً و بدأت هيمنة الدول الإقليمية و الأجنبية على هذه الحركات الإسلامية و حتى على النظام البعثي.

لم يستجب لا النظام ولا المعارضة للاعتراف بالمطالب الكردية، لذلك اختارت الحركة الكردية في روجآفا المسار أو الخط الثالث: فهي لا تقف إلى جانب النظام ولا مع جانب المعارضة. فهل هو سيدافع عن نفسه؟ نعم . هل سوف تشارك في الحرب الأهلية؟ لا.

وقالت حنيفة حسين “نحن أخذنا موقع القوة الثالثة” بين النظام والمعارضة. “نحن أعلنا عن أهدافنا الثلاثة في الثورة السورية و هي: (1) – لا لهجوم خارجي على سوريا. (2)- لا لعسكرة الثورة. (3) – إيجاد الحلول من خلال الحوار والتحالف مع قوى المعارضة الأخرى. ولكن عندما نظمنا أنفسنا، بدأت مجموعات بمهاجمتنا. اتهمونا بالتعامل مع النظام. و بالطبع إنها كانت كذبة، لأن النظام كان دائماً يظلم الكرد. وحتى الآن وفي حين نتحدث أنا و أنت، لا يزال هناك أناسٌ في السجن من فترة بعيدة . نحن لا نتعاون مع النظام. معظم المعارضة السورية هي إسلامية، ونحن لا يمكن أن نتحالف معهم، الثورة لا يمكنها أن تخرج من المسجد.”

و أشارت حنيفة حسين إلى : “قال عبد الله أوجلان بعض الجمل عن روجآفا، وهذه الجمل أصبحت كبرنامج لنا. حيث قال ” أنا أعرف شعب روجآفا، ينبغي أن ينظموا أنفسهم، وينشئوا لهم حزباً، ويؤسسوا قوات الدفاع الذاتي. وسياسياً، يجب أن ينظموا أنفسهم بشكل مستقل عن كلٍ من النظام والمعارضة. فنحن اتخذنا هذه الجمل كأساس لعملنا.”

أصبح الصراع الطويل على مدى أربعين عاماً في كل مرة جلياً على الساحة العالمية، وحتى بدت إنها مقبولة لديهم. ولكن ماذا يكمن وراء تلك الصور؟

شاركت المرأة في الانتفاضات الاجتماعية في الربيع العربي مؤخراً، ولكن في معظم البلدان التي حققت تغيير النظام أو الحكومة، لم تكن للنساء نصيبٌ في النظام الجديد. في الواقع، عندما سيطرت المنظمات الإسلامية على السلطة السياسية جزئياً أو كاملةً، غرقت المرأة في حالات ميئوسة أكثر من ذي قبل. ووجدت دراسة أجريت عام 2013 م، عن دور المرأة في الربيع العربي في مصر والمغرب واليمن والمناطق الفلسطينية أن الجماعات السياسية التي كانت تولت السلطة بعد الانتفاضات تجاوزت سابقاتها في المحافظة و التسلط الذكوري. فقط كان لتونس تطوّر اختلف عن هذه الأنماط.

مجالس غير قانونية:

أخبرتنا سيلفان عفرين أن “في ربيع عام 2011، توقعنا أن حركة الاحتجاجات ستنتشر. تحدثنا عن كيفية أن نكون على استعداد لذلك، وماذا سنفعل. كنا حذرين جداً. في ذلك الربيع بدأنا ببناء تنظيمات للشعب. والسؤال الذي طرح نفسه هو أنه كيف لنا أن نحمي أنفسنا. وذلك في تموز وآب كانت YXG [السلف لـ YPG]، “وحدات الحماية الذاتية. “في البداية كنّا قلة في العدد، والناس كانوا لا يزالون يخافون من الدولة. قمنا بدعوة جميع الأقليات إلى المؤتمر التأسيسي، ولكن لأن الحرب كانت مستمرة، فقط كان عدد قليل يظهرون الشجاعة.

و أضافت سيلفان “إن الجهة الوحيدة التي دعمتنا كانت حزب الاتحاد الديمقراطي PYD. ولقد اُنتقدنا دائما على ذلك، إلا أن حزب الاتحاد الديمقراطي عَمِل كل يوم على المستوى الشعبي، وزاد عددنا. قمنا ببناء وحدات مسلحة غير قانونية آنذاك. وكان لدى العديد من الناس في كردستان أسلحة مخبأة في أماكن سرية كالبنادق والمسدسات وبنادق الكلاشنيكوف. وفي غضون ستة أو سبعة أشهر نظمنا لجان الدفاع عن النفس( YXG ) سراً “.

قال هفال عامر لنا، “بداية الانضمام كان من الشباب العاديين ( من الأحياء) الذين ليسوا لهم خلفية سياسية  قوية. وحالما سقط أول شهيد، انضم المزيد من الناس. وكان تقريباً من العوائل الذين كان لهم شهداء سابقين، بمعنى شهداء من مقاتلي حزب العمال الكردستاني. في البداية كان عملنا خطير للغاية. وكان عملاء النظام في كل مكان، في كل مكان من حولنا. في كل أحياء مدينة ديريك لم يكن هناك سوى رفيق واحد [heval]. ولكن تدريجياً قمنا بزيارة جميع أسر الشهداء والأسرى، وكان الجميع على استعداد للقيام بشيء ما. غادرتْنا الدولة بسلام وأنشأنا بضع حواجز في أطراف المدينة. ”

خلال وجود حزب العمال الكردستاني منذ عقدين من الزمن في سوريا. كان العديد من الكرد على علاقة وثيقة مع عبد الله أوجلان. إن الاتصال ووجود حركة الحرية الكردستانية في سوريا غيرت المجتمع الذي كان يهيمن عليه طابع المجتمع الاقطاعي، كما أن المرأة التي كانت تعمل على تحرير النساء الكرديات لأكثر من عشرين عاما أُكد لنا في أيار عام 2014. خلال التسعينيات من القرن الماضي العديد من الكرد السوريين انضموا إلى حزب العمال الكردستاني وحاربوا الجيش التركي في شمال كردستان. وشارك عشرات الآلاف من الناشطين من روجآفا في جميع المستويات من هذا النضال، وقد استشهد الكثيرون منهم. كانت تلك تجربة لقوة التنظيم الشعبي في أعقاب انتفاضة عام 2011.

بمجرد بدء الاحتجاجات في سوريا في 15 آذار 2011، شجع الناس من مختلف القوميات الإدارة الذاتية الديمقراطية في روجآفا، باعتبارها وسيلة لخلق مجتمع مشترك بدون الدولة القومية. نماذج عبدالله أوجلان من الكونفيدرالية الديمقراطية والإدارة الذاتية الديمقراطية كانت معروفة على نطاق واسع، موجهاً إلى تنظيم ديمقراطي جذري. وبناء مجالس متعددة القوميات والمحاكم وقوات الأمن والوحدات العسكرية والمنظمات النسائية والجمعيات التعاونية الاقتصادية انتشرت في جميع أنحاء روجآفا في الأشهر المتتالية.

ذكرت الرئيسة المشتركة الحالية لحزب PYD آسيا عبد الله، ” قبل بدء الثورة وعلى حد سواء كحزب وكحركة، نحن بقينا بعيدين عن مجالس الشعب وبدلاً من ذلك نُوقشت خلافاتنا الفكرية ضمن المؤتمرات. ولكن بعد ذلك وفي مجالس الشعب استمعنا لآراء الناس. واقترحت المشاريع، واتخذت القرارات، وأنشئت خارطة الطريق. وفي وقت لاحق، نشرنا مشروعنا للإدارة الذاتية الديمقراطية. نعتقد أنه أفضل حل ليس فقط لروجآفا ولكن أيضا لجميع أرجاء سوريا “.

و قالت حنيفة حسين “لقد قررنا تنظيم مظاهرات منتظمة مناهضة للنظام كل يوم جمعة ولكن رأينا أنه إذا كنا بصدد إرسال الناس الى الشوارع، فذلك يحتم علينا أن نكون قادرين على حمايتهم. وخلاف ذلك، فقط هجوم واحد وأنه سوف يجعل الناس خائفين للخروج مرة أخرى بعد الآن “. تم إنشاء المجالس بشكل غير قانوني، ولكن أسس حزب الاتحاد الديمقراطي PYD في آب 2011  مجلس الشعب في غربي كردستان (MGRK) لمواصلة وتعزيز المجالس. ” خلال روجآفا أجرينا انتخابات، وانتخب ثلاثمائة شخص إلى مجلس الشعب، لتشكيل سياسة روجآفا.”

كجزء من الخط الثالث، اقترح مجلس الشعب في غربي كردستان MGRK حل سلمي وديمقراطي للمشاكل السياسية في سوريا، مما أدى إلى إنشاء هيئة التنسيق الوطنية للتغيير الديمقراطي (NCC) في خريف 2011 في دمشق. دعت هيئة التنسيق الوطنية للاحتجاج غير العنيف و عارضت التدخل الخارجي. أنها دعت أيضاً الى نظام سياسي جديد لسوريا بلا توجهٍ ديني ولا عرقي. وأشارت الهيئة إلى أن تصبح الاحتجاجات المناهضة للأسد عسكرية، فإن النتيجة ستكون حرباً أهلية لا نهاية لها، وإن الأطراف سيصبحون شركاء مع أطراف الصراع (بين الغرب والصين وروسيا وإيران).

و موازٍ لهيئة التنسيق الوطنية NCC) ) تم تأسيس المجلس الوطني السوري (SNC) في آب 2011 في اسطنبول، لمعارضة نظام الأسد. و برعاية من تركيا ودول الخليج، ويهيمن عليها تيار الإخوان المسلمين. فهم لا يسعون لتشكيل سورية لامركزية ومتعددة الأعراق كأولوية. ( ويقولون  أن مناقشة سوريا المستقبل ينبغي أن يتم تأجيلها حتى ما بعد نظام البعث لا أكثر على الرغم من أنهم يقبلون بالثقافات المختلفة، والعنصر العربي لديهم متفوق على البقية). هم يطلبون الإطاحة الفورية بنظام الأسد بدلاً من التحول الديمقراطي، وفتحوا الطريق لنفوذ القوى الخارجية في البلاد. وحقيقة  انضمام حزب كردي أو سرياني واحد لا يغير من طابع المجلس الوطني السوري. حيث التقى ( MGRK ) مجلس الشعب في غرب كردستان عدة مرات مع المجلس الوطني السوري ولكن لم يجدوا أي أساس للتعاون بسبب علاقات الأخيرة مع الدولة التركية.

  إتفاقية هولير:

بينما تعاظمت قوة مجلس الشعب في غرب كردستان MGRK، كانت الأحزاب الكردية الأخرى تراقب، وفي تشرين الاول عام 2011 شكل حوالي ستة عشر جماعة صغيرة تحالفاً اسموه المجلس الوطني الكردي في سوريا (ENKS). و في صيف عام 2012 كانت MGRK وENKS إثنين من الكتل السياسية المؤثرة في المنطقة الكردية في سوريا.

في بداية تموز من عام 2012 جلس كليهما في هولير (بالعربية أربيل) برعاية رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني (والذي هو أيضاً رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني PDK) للتوصل إلى اتفاق. قالت إلهام أحمد عضوة مجلس TEV-DEM لنا “كنا نعلم أن الكرد لا يمكنهم أبداً أن يتوحدوا أيديولوجياً ولكن في ظل هذه الظروف، نظن أن الوحدة السياسية ضرورية. وكانت قد ازدادت الحرب الأهلية، والحرب كانت تقترب من  روجآفا. في حين أن حزب الاتحاد الديمقراطي PYD و PDK-S تشاركا في عدد قليل من المصالح “الوطنية” المشتركة، و أن لكل طرف أسبابه الخاصة للسعي الى الاتفاق. حزب الاتحاد الديمقراطي PYD / MGRK يريد منع الكرد من الانقسام والتصادم مع بعضهم البعض والذي سيضر بكل الكرد. وENKS بدَا أن التطورات السياسية منذ عام 2011 قد تآكلت بشكل متزايد من قوتها في روجآفا، فأرادت أن توقف هذه العملية واستعادة نفوذها المفقود. “لذلك قررنا العمل معا” قالتها إلهام أحمد لنا.

يوم 11 تموز، وبوساطة مضيفهم، مسعود برزاني، توصلت الكتلتان الى اتفاق. ونصَّ هذا الاتفاق (هولير) أن يقتسما الكتلتين السلطة خلال المرحلة الانتقالية، وتحقيقاً لهذه الغاية أُنشأت الهيئة الكردية العليا (SKC). و تتألف SKC من عشرة أعضاء: خمسة من MGRK / PYD وخمسة من ENKS. وأصبح هذا المجلس، ومنذ ذلك الحين، أعلى سلطة في روجآفا.

قالت إلهام أحمد، “جعل هذا الاتفاق الشعب الكردي في غاية السعادة . . . . على العالم أن يفهم كيف تسير الامور بالنسبة للكرد في سوريا. نحن لا نسعى للاستيلاء على السلطة ونخضع للأتراك أو العرب أوالفرس. نحن نريد فقط حماية وجودنا، لنحكم أنفسنا بأنفسنا، والتمتع بثقافتنا بحرية” ووافقت حنيفة حسين القول و قالت ” إن إنشاء الهيئة الكردية العليا هي محاولة لجمع الطرفين معاً وتشمل كل الأصوات الكردية. وكان تطور جيد للغاية بالنسبة للكرد “.

في نفس الوقت أكدت اتفاقية هولير على براغماتية البرزاني حيث أظهرت أنه اعترف و بالمقارنة مع ENKS، بقوة MGRK النسبية بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي، وأن أي مواجهة عسكرية محتملة مع MGRK ستحكم بالفشل. حتى إنه اتخذ خطوات لتعزيز موقعه العسكري أيضاً، حيث أعلن أن حكومة إقليم كردستان بنى قوة عسكرية خاصة بروجآفا، وذلك بإقامة معسكرات لتدريب المنشقين الكرد من الجيش السوري. وقال “هناك من 10000 إلى 15000 لاجئ كردي من سوريا في إقليم كردستان، والكثير منهم شباب. وهناك عدد قليل منهم تدربوا، ليس للهجوم ولكن للدفاع. ولقد تشكلت هذه القوة لتكون جاهزة لمنع الفوضى هناك “.

 

 الثورة تبدأ في كوباني:

في الساعة الواحدة ليلاً من ليلة 18- 19 تموز عام 2012، سيطرت YPG على الطرق المؤدية من و إلى مدينة كوباني. داخل المدينة، وسيطر غالبية الشعب الذين هم مؤيدون لـ MGRK على مؤسسات الدولة. قالت بيلدا كوباني التي شاركت في تلك الليلة” علينا ان نعرف أي المباني سنأخذها، تلك التي ستكون مفيدة للناس، وحتى المخابز.” وتجمع الناس بعد ذلك في تحصينات جيش النظام في كوباني، وأبلغ وفد جنود النظام إذا تلقون سلاحكم فسوف نضمن أمانكم. نظر الجنود الى الناس، وأيقنوا أن ليس لديهم أي بديل آخر، فوافقوا؛ عاد بعضهم إلى عائلاتهم في المدن العربية، والبعض الآخر فضّل أن يبقى في كوباني لأنهم عاشوا هناك لمدة أربعين عاماً.

قالت حنيفة حسين ” لم تكن للدولة أي قوة عسكرية كبيرة فنحن طوّقناهم … واستسلموا. لم يستطع النظام أن يرسل لهم أي تعزيزات. نحن لم نسلم أي جندي للنظام، تحدثنا إليهم، ودعونا عائلاتهم ليأتوا لاستلامهم. والذين أرادوا الانضمام إلى الجيش السوري الحر سمحنا لهم بالذهاب إلى تركيا “. ويشير هفال عامر إلى أنه عندما غادرت قوات النظام” لم نسمح لهم بأخذ أسلحتهم. حتى أنهم تركوا ورائهم العديد من الأسلحة وحتى الثقيلة. وأشارت حنيفة حسين “ولأن التحرير كان بدون قتال، قالت الناس أن النظام سلّموا الأسلحة إلينا. ولكن هذا كذب.” تذكرت بيلدا كوباني أن الناس أُذهلوا عندما استيقظوا في صباح اليوم التالي ورأوا أعلامنا ترفرف فوق الأسطح بدلاً من أعلام النظام. وحتى بعد شهور لا تزال بعض المجموعات تشعر بالقلق من أن النظام سيعود. “وكان على الناس أن يمتلكوا خوفهم من النظام، وأضافت، لأن احداث 19 تموز كانت في البداية غير مفهومة لهم.

بعد اختطاف عبد الله أوجلان في عام 1999، أُغلقت مؤسسات حزب العمال الكردستاني في سوريا، ولكن الآن عاد العديد من المقاتلين الذين لهم أصول روجآفايية وانضموا إلى YPG ( كما تم تسميته بقوة الدفاع). خلال الأيام المقبلة، وبانتشار الثورة من كوباني إلى المدن والقرى في روجآفا الأخرى، ورُحِبوا بفرح، وألقى الشعب الرز عليهم.

وبعد أسبوع من تحرير كوباني، قام فريق من الصحفيين الأمريكيين من وكالة Vice News الذين حاولوا  دخول نقاط تفتيش YPG. روّوا أن ” كوباني هي محاطة بنقاط التفتيش الكردية، مقاتلون مدججون بالسلاح يفتشون كل سيارة تحاول الدخول. وقال أحد الملثمين “نحن نحاول منع قوات من الجيش السوري الحر من الدخول، ولكن أيضاً المخربون الدوليون.” إنه يعرض بفخر البندقية، التي كان قد وجدها في مركز للشرطة. و أضاف “نحن لا نريد مدننا أن تنجر إلى حمام دم مثل حمص أو إدلب”.

 

 تحرير ديريك وعفرين:

سرعان ما انتشرت عملية التحرير إلى مدن وبلدات أخرى. وقال هفال عامر” عندما انكشف العمل أكثر لم يبقَ أمام الشعب مزيد من الخوف، الجميع شارك فيها، مع العديد من الهراوات الخشبية في أيديهم. وقالت حنيفة حسين ” في ديريك حاولنا منع الشعب لكنهم أندفعوا أمامنا. أنشأنا نقاط المراقبة. والشعب قال “أعطونا أسلحة، فوزعنا عليهم”

و استرسلت بالكلام :”كانت هناك العديد من النقاط العسكرية القوية في ديريك، وخاصة في الأحياء الكردية. ذهبنا إلى قوات أمن الدولة، وطوقناهم وطلبنا منهم الذهاب. فحملوا أغراضهم وغادروا “. وذكرت وكالة  Vice News أنه” تم اعتقال العديد من الحراس العرب في محكمة البلدية ونُزع سلاحهم، وتم نزع ملصقات و صور للأسد على الجدران. وقد تمت السيطرة على مجمع خدمة الأخبار العسكرية بسرعة . . . . المئات من السكان دخلوا إلى غرف مفروشة و مزينة بشكل فخم، واقفين مع الدهشة وبدموع الفرح “.

فقط في ديريك اندلع القتال، مما أدى إلى سقوط عدد من القتلى. وقال هفال عامر ” في بلدة كر زيرو  حاصرنا كتيبة الجيش لمدة اثني عشر يوماً, جندي واحد وضابط واحد من الطائفة العلوية لقيا مصرعهما، ولكن بعد ذلك استسلم الباقي. وصلت مروحيات عسكرية، و كما هو الحال في عام 2004، و بدأت بالقصف “. و أوضحت حنيفة حسين أن” ضابطاً كبيراً ( الذي رفض الاستسلام).  قُتل ببندقية قنص بعد ذلك استسلم وحدته. احاطوهم الرفاق. ولم نكن نريد أي قتال، ولكن قلنا لهم إذا لم تستسلموا، سوف نقتلكم”.

بعدها، وفي الطرف المقابل من روجآفا، تحرر أيضا كانتون عفرين. حسبما ذكرت صحيفة فرانكفورتر روندشاو “في يوم الاحد طوّق المسلحون الكرد جميع مؤسسات النظام الموجودة في عفرين وطالبوهم بتسليم أنفسهم. فقط قاوم بعض عملاء الاستخبارات العسكرية. قاتلوا لمدة ساعة ولكنهم استسلموا أخيراً. يقول غريب حسو بابتسامة “هذه هي الطريقة التي تحررت بها عفرين، عملاء المخابرات اُدخلوا السجن. لم يكن هنالك سوى ثلاثة مصابين. ونتيجة لتفجير في مطعم في عفرين فقد اثنين لحياتهما. وكان ذلك رهيباً ولكننا الآن نحن نحافظ على التوازن في المدينة. ”

بلدة بعد بلدة، استمر هذا النمط. الشعب حاصر القواعد العسكرية وأعطى قوات النظام المتبقية خيار الانسحاب. و منعت التنظيم الذاتي لدى الشعب أي شخص من ارتكاب أعمال تخريبية للانتقام. قالت إلهام أحمد: ” لم نكن في محاولة للاستيلاء على بعض الأسلحة ونوجهها على النظام بل أردنا تحقيق سورية ديمقراطية بالوسائل السلمية. ولأننا سلكنا هذا الخيار، تم انتقادنا: “لماذا لا تحاربون؟ فأنتم لا تقاومون. حاولنا أن نشرح أن ما نفكر به هو الأفضل. ومن المعروف أن منطقة الشرق الأوسط مليئة بإراقة الدماء. كما الأكراد، أردنا إظهار أن الأمور يمكن أن تكون مختلفة، ويمكن للناس أيضا ان يدافعوا عن حقوقهم بالوسائل السلمية “.

وأخيراً، أشار هفال عامر، “بقيت مدينة قامشلو  فقط في يد النظام. وكان الوضع حرجاً. العديد من القبائل التي تقطن هناك، ولديهم اتحادات. حررنا الأحياء التي تقطنها الأغلبية الكردية، ولكن بقي مركز المدينة تحت سيطرة النظام، وأيضا الطريق المؤدي إلى المطار. لم يكن لدينا أي نية لخوض حرب ضد الدولة  السورية، فنحن قوة الدفاع. وإذا كنا قد بدأنا بالحرب، فلكان النظام قد قصف مدننا. وفضلنا أن تحل الأمور عن طريق الحوار “.

  بعد التحرير:

بعد عملية التحرير وفي كوباني المباني التي كانت عائدةً للنظام لم يُسمح للشعب أن يدخلوها، تحولت إلى بيوت الشعب ( Mala Gel)  ، و إلى مراكز ثقافية ومؤسسات تعليمية. جردت مبنى الشرطة من شعارات النظام القديم، وتمت مصادرة الملفات الهامة. وللمرة الأولى يمكن للمدنيين الدخول إلى غرفة التعذيب في القبو. آثار الدماء لا تزال واضحة على الجدران. كم من المعارضين للنظام قتلوا هنا، لا أحد يعرف. “وتحوّل مكتب حاكم منطقة ديريك الآن إلى مقر حركة حرية المرأة.

في كوباني، أفاد فريق  Vice “بدت الحياة تعود إلى طبيعتها. والناس بدأوا بالتسوق، وعاد الطلاب إلى فصولهم الدراسية التالية بعجالة، والنساء ذهبن لشراء الخبز للإفطار عن الصوم التقليدي في المساء. في مقهى واحد و[ مراسل وكالة Vice] أجرى حديث مع امرأة عربية مسيحية مسنّة اسمها مريم.  ” نعلم أن الحرب يمكن أن تصل إلى منطقتنا إذ الحكومة الجديدة لا تسمح لنا بالحرية الدينية وخاصة وبعد سقوط نظام الأسد. هنا في كوباني نقاتل الأسد منذ عام 1990. لقد دعمنا جيراننا الكرد، بالطبع سوف لن نستسلم الآن “. لكن مريم الآن تشعر بأمان أكثر مما كانت عليه في ظل نظام الأسد.

“في كوباني وحدها تم تعداد نحو 250 شهيد. وكان معظمهم من انضموا إلى حزب العمال الكردستاني للقتال من أجل حقوق الكرد. بينما اختفى آخرون في السجون السورية بسبب عملهم السياسي. هؤلاء الشهداء، الذين يمثلون كل جماعة دينية وعرقية، يوحّدون المجتمع الآن، وأن الكرد المسيحيون العرب والأرمن والأتراك يحاولون تشكيل حريتهم الجديدة معاً “.

في مدينة قامشلو ما زال المؤيدون للنظام يشكلون حوالي 15% من سكان المدينة ويعيشون في جزء من المدينة، والمطار أيضاً تحت سيطرة النظام، ولكن هذا هو التسامح. في الأشهر والسنوات التالية في مدينتي الحسكة وقامشلو هاجم النظام المناطق المحررة عدة مرات، ولكن YPG / YPJ ردّتا عليه بالشكل المناسب. حدث هجوم قبل أيام قليلة من زيارتنا إلى قامشلو في أيار 2014، عندما أراد الجنود السوريون السيطرة على بعض النقاط الاستراتيجية في المدينة، وآخر خلال زيارتنا للحسكة. وفي منتصف نيسان 2016 شنّ نظام البعث هجوماً واسعاً والذي أدى إلى مقتل العشرات من جنود النظام السوري وأعضاء من YPG / YPJ / Asayîş. و فيها هُزِمت قوات النظام. في آب عام 2016 نُفذ هجوم آخر على مدينة الحسكة، و لكن صُدّت بقوة من قبل YPG\ YPJ  و التي استطاعت تقريباً تحرير كل أحياء المدينة.

وقال هفال عامر لنا أنه بعد التحرير، فإن العديد من الكرد الذين كانوا قد هاجروا إلى أجزاءٍ أخرى من سوريا للعمل كدمشق والرقة وحماة عادوا إلى روجآفا، و قال أيضاً “لقد تم قبول الجميع مرة أخرى في الحركة، حتى أولئك الذين كانوا يعملون كعملاء وكان علينا أن نكون حذرين. . . . وكانت قوات النظام لا تزال موجودة في الحسكة و قامشلو و القليل منهم بقوا هنا [في ديريك و رميلان]. . . . ولكن بعض من أبنائهم انضموا إلى الأسايش. وكل مكان كنا نحرره، كنا نحتفل به. و بعد سنوات عديدة من القمع، وهذه لم تكن مشكلة صغيرة. لم نكن نظن أننا سوف نرى هذا في مئة عام. وقال أصدقاء “نحن نفعل ذلك و لكن لا يمكننا أن نصدق ذلك”.

وأضاف “اعتقد حوالي 40 في المئة من ديريك يدعمنا”، وتابع. ” الكثير منهم عاشوا لفترة طويلة في حالة متدهورة، فإنهم لا يزالون غير مصدقين إننا مستقلون. . . . وكان النظام يرهب السكان كثيراً، إنهم يخافون من عودته . . . . نحن نحاول إقناعهم بأننا قمنا ببناء مجالس خاصة بنا، ومنظمات الشباب والفن والثقافة. لكنهم ما زالوا غير مصدقين ذلك.

“في كل مكان حررناه، أنشأنا الحماية الذاتية، وأكدنا بعدم تدمير أي شيء . . . . احتفل الشعب. جاء العرب إلى هنا من أجزاء أخرى من سوريا لأنه لا يوجد عندنا حرب. . . . ثورة روجآفا هي مثل طفل حديث الولادة لا نعرف كيف  سيكبر “.

رمزية محمد ، الرئيسة المشتركة لمجلس الشعب في قامشلو ( والآن تشغل منصب الرئاسة المشتركة لهيئة المالية)، أشارت إلى اللحظة التي امتلك الناس الحق في تحديد مستقبلهم. ” إنه لشرف عظيم بالنسبة لي، و كأمرأة كردية، أن اُنتخب لرئاسة مجلس الشعب في قامشلو. ومن الملحوظ للناس في قامشلو أنهم أصبحوا أخيراً قادرين على اختيار ممثليهم. نحن ككرد نطالب تدريجياً بحقوقنا، وكانت حماسة الناس شديدة أكثر من أي وقت مضى. وفي هذه المرحلة الثورية أنشأنا المجالس في جميع الأحياء. الناس لديهم الآن فرصة للنظر إلى الاحتياجات والرغبات الخاصة بهم و ممارسة المشاريع الخاصة بهم. بالطبع لدينا العديد من التحديات، خصوصاً مع المياه والكهرباء. نحن نحاول العمل من أجل ذلك. ولكن إذا كنت تحاولين القول أننا لا يمكننا العمل دون الدولة، أو أن الناس لا يمكنهم توفير المياه والكهرباء للمدينة بأنفسهم، فإننا سوف نعارض هذا الكلام. نعم، الحرب هي التي تسبب المشاكل الاقتصادية، ولكن أنا متفائل وسنقوم بحل كل واحدة منهم. نحن في خضم الثورة، ونحن نعمل ليلاً ونهاراً لمعرفة احتياجات الناس. وأنه شيء مسر جداً عندما ترى الناس يتصرفون بتضامنٍ كبيرٍ ودعمٍ متبادلٍ. نعم، البعض لديهم المخاوف بشأن المؤسسات الجديدة وخاصة الرجال لديهم صعوبات مع اللجان والمجالس النسائية. ولكننا سوف نقنعهم بأن تحرير المجتمع يمرُّ فقط عبر تحرير المرأة “.

 

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password