دروز وكرد سوريا… ما أصعب أن تكون مسالماً في قفص الضباع!

      لزكين إبراهيم

تطرقنا في الملف الأول الذي نشرناه تحت عنوان ” الدروز.. ماهي ديانتهم ومعتقداتهم وتاريخهم السياسي في سوريا؟” بتعريف موجز للديانة الدرزية ومعتقداتهم وتاريخهم السياسي في سوريا والشرق الأوسط. وفي هذا الملف سنركّز على أوضاع الدروز في ظل الثورة والأزمة السورية، وموقفهم من الثورة والنظام، وكيف تعاملت المعارضة وفصائلها المسلحة والنظام السوري معهم، وصولاً إلى المجزرة الأخيرة التي ارتكبها إرهابيو داعش بحقهم في السويداء.

سنلاحظ خلال سرد الأحداث في حالة الطائفة الدرزية بعد انطلاقة الثورة السورية وتحولها لأزمة عالمية، الشبه الكبير بين حال الدروز والشعب الكردي في سوريا؛ من ناحية خطابهما الداعي للسلام بعد تيقنهما من فشل الثورة وتحولها إلى مسار ديني وعنصري متشدد وعدم قبولها للآخر، ومحاولات النأي بالنفس عن أتون الحرب السورية التي دخلتها الكثير من الأيادي الخارجية والإقليمية العابثة، ومن ناحية محاولات النظام والمعارضة والمجموعات الإرهابية جرهما (الدروز والكرد) إلى مستنقع الدم؛ واستخدامهما وقوداً لنار حروبهم العنصرية والطائفية، دون اعتراف أحد بهويتهم وحقوقهم وخصوصيتهم، بل يريدونهما جنوداً يموتون في حرب لا ناقة لهما فيها ولا جمل وبلا مقابل، وعندما اختار الكرد والدروز الوقوف على الحياد وأن يموتوا فقط دفاعاً عن أنفسهم وأرضهم وعرضهم، تكالب الجميع عليهما وبدؤوا بحَبْك المؤامرات ضدهما وتضييق الخناق عليهما وحصار مناطقهما، واخترعوا تهماً زائفة وألصقوها بهما لتبرير عدوانهم على الطرفين، كتُهَم “الانفصاليين والكفار والزنادقة والخونة” وغيرها من التهم الباطلة.

الدروز وبدايات الثورة السورية:

حين بدأت الانتفاضة السورية تتنامى في ربيع عام 2011م، كان الوضع في جبل الدروز متأججاً، حيث استمد السكان إلهامهم من ذكرى الزعيم الدرزي سلطان باشا الأطرش الذي ثار ضد الاحتلال الفرنسي في عام 1925. فانطلقت الاحتجاجات السلمية في السويداء، إلا أن الأجندة السياسية المختلفة للمعارضة السنية (الصادرة عن “المجلس الوطني السوري” ومن ثم “الإئتلاف الوطني السوري”) لم ترقَ إلى توقعات الدروز. ولم يأتِ أحدٌ على ذكر العلمانية التي يجد فيها الدروز الضمانة الوحيدة لأمنهم، بل إن مجلس المعارضة تبنى مفهوم “الدولة المدنية” الذي يعني في المصطلحات الإسلامية دولةً إسلامية خاضعة لأحكام الشريعة. وعليه انعدمت الثقة تجاه المعارضة، وزاد من مخاوفهم الحملات الدعائية التي يقوم بها النظام، والتي غالباً ما يتم فيها الاستشهاد بالفتاوى الشهيرة للعلاّمة السني ابن تيمية التي تدعو إلى إبادة الدروز.

ولكن عندما بدأت الثورة المسلحة وتوسعت، بقي بعض الدروز متأملاً بالانضمام إلى القتال. وفي آب/أغسطس 2011، انشق الملازم أول الدرزي خلدون زين الدين عن الجيش السوري وشكل تنظيماً مسلحاً معادياً للأسد أطلق عليه اسم “كتيبة سلطان باشا الأطرش”. وسرعان ما انضمت هذه الجماعة إلى تنظيمات المعارضة السنية في درعا. وشارك التنظيم في عدة هجمات ضد أهداف تابعة للنظام في جبل الدروز ولكنه فشل في كسب تأييد كبير من السكان المحليين. وفي عام 2013، اعتقلت «جبهة النصرة» أعضاء الكتيبة وحكمت عليهم بالإعدام “لأنهم دروز” ولكن تم في النهاية إطلاق سراحهم بفضل تدخل جماعات معارضة أخرى، ولكنهم شعروا بأنهم مضطرين إلى الفرار إلى الأردن. وقد خلّفت هذه المرحلة جروحاً عميقة وأقنع الكثير من الدروز بأنهم ليسوا موضع ترحيب في الثورة. وقد اعتبرت المعارضة وكافة الفصائل المسلحة بعدها أن أي مشاركة درزية تفتقر إلى الصدق، وفي بعض الحالات كان اعتناق المذهب الإسلامي السني السبيل الوحيد الذي أنقذ الدروز المحليين من الموت. وفي عام 2015 أرغمت «جبهة النصرة» سكان جبل السماق على تدمير مقاماتهم الدينية واعتناق المذهب السني، حالة تذكرنا بما فعله تنظيم داعش بالكرد الإيزيديين في شنكال، وما تفعله فصائل المعارضة المرتبطة بتركيا بالكرد في عفرين اليوم.

ومع ذلك لم تفتر حماسة الدروز في الذود عن كرامتهم، ولم تمنع خصوصيتهم المذهبية من اعتزازهم بالانتماء لسوريا كوطن لجميع أطيافه، لكنهم ـ وفي غالبيتهم ـ اختاروا النأي بالنفس إثر ثورة مارس 2011 دون أن يمنع ذلك انخراط قسم كبير من شباب الدروز في المعارضة المدنية، وخصوصاً الفئة المحسوبة على الفن والثقافة مثل المغني الملتزم سميح شقير، والمغنية الأوبرالية لبانة قنطار.

وتعد عاصمتهم السويداء إحدى المناطق القليلة التي لم تدمرها سبع سنوات من الحرب. ويقدر عدد اللاجئين إلى المناطق الدرزية بعشرات الآلاف، حيث ينعمون بهدوء نسبي لم يجدوه في مناطقهم ذات الغالبية السنية، وهي نفس الوضع الشبيه بمناطق روج آفا عامة وعفرين خاصة التي نأت بنفسها عن أتون الحرب وكانت الملجأ الآمن لكافة مكونات الشعب السوري وحتى العراقي، ومع ذلك لم تشفع لهم إنسانيتهم ودعواتهم للسلام والأخوة من مؤامرات كافة الأطراف المحيطة بهم وارتكاب المجازر بحق الشعبين.

فالحياد والتمسك بالمبدأ الإنساني إزاء الحالة السورية والفوضى التي عصفت بها لم يكن أمراً سهلاً لأقلية كالدروز يحيط بها مسلحون من الجماعات الإسلامية الراديكالية التي لا تفقه سوى لغة التكفير والقتل، أي أن حالهم لم يكن بأفضل من الشعب الكردي في مناطق روج آفا التي حاصرتها كافة المجموعات المتطرفة والإرهابية من جهة وتركيا من جهة أخرى.

المكانة الاستراتيجية للدروز واضطرارهم التقرب من النظام لحماية أنفسهم:

تعتبر محافظة السويداء عاصمة ومركز تجمع الدروز في سوريا، وهي منطقة استراتيجية تقع في الجنوب الشرقي من العاصمة، وتحدها دمشق من الشمال، ودرعا من الغرب، والبادية والصفا من الشرق، والأردن من الجنوب، تبلغ مساحتها (6550) كم²، وتقطنها أغلبية من الدروز الموحدين، وبقيت على الحياد منذ بداية الأحداث، باستثناء مظاهرات سلمية خرجت في البداية.

وعلى الرغم من أن الدروز يشكلون أقلية صغيرة نسبياً في سوريا وسعوا إلى تجنب التدخل بصورة أعمق في الحرب الدائرة في البلاد، إلا أن مكانتهم الاستراتيجية في المنطقة الجنوبية الجبلية من جبل الدروز تمنحهم بالضرورة النفوذ للتأثير على الجهات الطامحة إلى السيطرة على مستقبل سوريا. وفي بداية الحراك الثوري في سوريا تسنّت للمعارضة فرص متعدّدة للاستفادة من هذا النفوذ نظراً لأن ولاء الدروز لنظام الأسد كان محدوداً في أحسن الأحوال. غير أن الأسد نجح في استغلال مخاوف هذه الطائفة وإقناعها بالتعاون معه بفاعلية أكبر للدفاع عن مركز دمشق، مستفيداً بالدرجة الكبرى من سلسلة أخطاءٍ ارتكبتها المعارضة ومجموعاتها المسلحة التي اتخذت طابعاً دينياً متشدداً أثارت المخاوف لدى الدروز كما أسلفنا بالقول.

وكان العائق الآخر أمام مشاركة الدروز في الانتفاضة الأخيرة هو أن الجزء الكبير من المعارضة لم يكن يرغب فيهم. وهنا يستذكر رائد الأطرش (أحد أحفاد سلطان الأطرش) بقوله “في المساجد في ضواحي دمشق ودرعا قال الشيوخ بأنه يحل للجهاديين سبي نساء الدروز وأخذ منازلهم وقتل رجالهم!”.

ويستذكر ويقارن في نفس الوقت بين رسالة جده سلطان باشا التي أرسلها إلى أتباعه خلال ثورة عام 1925 والتي جاء فيها “من الضروري عدم تدمير المُلك العام. ومن المهم عدم القتل”. ويقارن الدروز الآن كلماته بأفعال الجهاديين الذين دمروا مدينة تدمر الأثرية وأعدموا المسيحيين واستعبدوا الإيزيديين! فكيف للدروز الثقة بهذه الثورة التي ركب الجهاديون على ظهرها؟.

وعليه أصبح الحد بين السويداء الدرزية ودرعا السنية منطقة جريمة وذلك مع استغلال قطّاع الطرق لحالة الفوضى زمن الحرب للاستفادة من عمليات الخطف وسرقة السيارات والابتزاز. وانتشار الأسلحة بحوزة أفراد ومدنيين كان نتيجة لسياسة الحكومة السورية في تسليح شباب الدروز، إذ يقول رائد الأطرش “لأننا كنا خائفين من الجهاديين طلبنا من الحكومة مدنا بالأسلحة للدفاع عن مناطقنا. لقد كانت فعالة جداً حيث تمكنا من منع الجهاديين من دخول السويداء”.

توتر العلاقات مع النظام وبروز دور مشايخ الكرامة:

تمسك الدروز بالحياد وعدم الدخول في القتال الدائر، جعلهم أكثر انعزالا، لكن الأحداث جرفتهم إلى الأزمة ثم المواجهة مع النظام السوري الذي حرّك بدوره بعض جماعات التطرف والعنف للدخول في مواجهات مع أهالي السويداء، وبعد تأزم الوضع ظهر بعض وجهاء ومشايخ الدروز الذين أطلق عليهم اسم “مشايخ الكرامة” لحماية الدروز من الأخطار المحدقة بهم.

الزعامة الروحية للدروز يمثلها شيخ عقل، مرتبط بمجلس أعلى للطائفة ككل، وهو بمثابة المرجعية العليا. وتنسق هذه الزعامة مع المرجعية السياسية التي يمكن القول بأن أكبر ممثليها هو وليد جنبلاط، زعيم الحزب الاشتراكي التقدمي في لبنان.

ومجموعة «مشايخ الكرامة» في سوريا ترأسها الشيخ وحيد البلعوس، وتضم مجموعة مشايخ الكرامة رجال دين من الطائفة الدرزية وآخرين وأعياناً ومقاتلين وهدفها حماية المناطق الدرزية من تداعيات النزاع السوري. وعرف عن المشايخ مواقفهم الرافضة لقيام الدروز بالخدمة العسكرية الإلزامية خارج مناطقهم.

برز اسم الشيخ وحيد البلعوس، وهو أصلا من بلدة صُمَيد في منطقة اللجاه، بشمال غربي محافظة السويداء، برز كأحد المشايخ المعارضين بقوة للنظام السوري بعد مقتل أخيه و13 شخصًا في معركة داما، أثناء اقتحام عناصر من «جبهة النصرة» القرية، وقرية دير داما المجاورة في اللجاه بمساندة من بدو المنطقة، ويومذاك اتهم البلعوس جيش النظام بالخيانة والإحجام عن مساندة المدافعين عن البلدة.

الشيخ وحيد البلعوس هو أحد مشايخ السويداء العاديين. رجل دين عادي لم يكن في أي مركز قيادي، برز اسمه بشكل كبير في أوائل عام 2015 عندما قاد حملة على رئيس الأمن السياسي في السويداء المدعو “وفيق ناصر” متهماً إياه بإهانة أبناء الطائفة الدرزية.

اعتلى الشيخ البلعوس قيادة التحرك الذي جرى اعتراضاً على توقيف باص صغير على حاجز تابع للمخابرات الجوية في قرية المزرعة في ريف السويداء أواخر سنة 2014، وتوجيه الإهانة الى نساء كن في داخله، وهي السقطة التي أشعلت تظاهرات في السويداء ومطالبات بنقل الضابط المسؤول وإزالة الحاجز. هكذا بدأت الاعتراضات تكبر خصوصاً بعد رفض النظام نقل رئيس الأمن السياسي وفيق ناصر، فبدأت تتشكل حالة شعبية معارضة تحت قيادة “مشايخ الكرامة” برئاسة البلعوس.

ومع أن البلعوس ومجموعته عارضوا النظام لكن لم يطالب بالانفصال عن الدولة كما لم يتحالف مع أي فصيل عسكري معارض في الداخل السوري، وتطورت حركته تصعيدياً مع تقدم الأحداث في سوريا فكانت المجموعة تتحرك تحت مسميات اجتماعية ومطالبات بتأمين الخدمات كالمازوت والمواد الغذائية الى محافظة السويداء، لتتطور لاحقاً بحملة تدعو الشبان الى رفض الخدمة العسكرية في الجيش السوري والإبقاء على الشباب داخل المناطق الدرزية للدفاع عنها إلى أن وصلت هذه التحركات الى الذروة بعد اقتراب النصرة و “داعش” من السويداء والتقدم في درعا والقنيطرة، حيث قام أنصار البلعوس باعتراض الجيش الذي حاول سحب الآليات والمعدات العسكرية الثقيلة من السويداء بمحاولة منه للضغط على أبناء الطائفة الدرزية وكأنه يقول إما أن تلتزموا بالجيش او سنترككم تواجهون مصيركم لوحدكم (حالة تذكرنا بحال مناطق روج آفا عامة وكوباني وعفرين خاصة التي تُركت تواجه وحدها كافة المجموعات الإرهابية المحيطة بها وتهديدات دولة الاحتلال التركي وتعرضهم للمجازر لأنهم رفضوا وضع أبنائهم وقوداً لحروب النظام والمعارضة والمجموعات المترفة والإرهابية وفضلوا أن يموتوا بشرف على أرضهم ومن أجل عرضهم).

وفي السويداء كانت لحادثة نقل الدبابات والآليات العسكرية للنظام واعتراضها من قبل القوات الدرزية التي يقودها البلعوس التأثير الأكبر على اتساع دائرة المؤيدين للشيخ البلعوس إضافة الى أن دعواته للتسلح والتنظيم للدفاع عن المناطق الدرزية بدأت تدغدغ مشاعر الكثير من الشباب الدروز الذين بادروا إلى تنظيم أنفسهم للدفاع عن أهلهم ومناطقهم.

وبعد تزايد قوة البلعوس ونفوذه، قرّرت هيئة مشيخة عقل الطائفة الدرزية – التابعة فعليًا للنظام – خلال فبراير (شباط) 2014 إزالة الغطاء الديني عن البلعوس كما يلقبه أنصاره. وبعدها انقسم أهالي السويداء بين معارضين لمواقف البلعوس رأوا أنها قد تجلب الفتنة أو المشاكل للمحافظة، وآخرين تحولوا موالين له وداعمين لمواقفه.

ولم يدم الوضع طويلاً حيث تم اغتيال البلعوس في تفجير سيارة مفخخة في الرابع من سبتمبر 2015 أثناء مروره بسيارته في ضهر الجبل في ضواحي مدينة السويداء، وتوجهت أصابع الاتهام حينها إلى النظام، الذي نفى التهمة ونسبها إلى جبهة النصرة والإعلان رسمياً عن المدعو “وافد أبو ترابة” من أتباع جبهة النصرة كقاتل للبلعوس.

دروز السويداء والدعوة لتطبيق تجربة أكراد سوريا في إدارة مناطقهم بأنفسهم:

وبعد انطلاقة ثورة روج آفا شمال سوريا التي أخرجت النظام واجهزته الأمنية من مناطقهم ليديرها أهلها بأنفسهم، وبعد مرور عامين على تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية التي طبقها الكرد في مناطقهم والتي أثبتت نجاحها في الكثير من النواحي الاجتماعية والسياسية والعسكرية، اتجه دروز محافظة السويداء السورية، للمطالبة بتطبيق تجربة الكرد في إدارة مناطقهم بأنفسهم، وبدؤوا يطالبون النظام بإخلاء مقارهم الأمنية، تمهيداً لسيطرتهم عليها، وإعلان “الإدارة الذاتية” التي تعتبر نوعاً من الاستقلال عن النظام وإدارة شؤون المنطقة بمعزل عن تدخل أجهزة الدولة، وإحداث هيئات وإدارات تسير الأمور والإجراءات للمواطنين.

وطالبت أوساط درزية وناشطون من مشايخهم في المدينة الدرزية، جنوب البلاد، بنوع من الاستقلال، وتوضحت هذه المطالب أكثر بعد مقتل زعيمهم المعارض الشيخ وحيد البلعوس.

ولم تتوقف مطالب الدروز عند الإدارة الذاتية فقط، بل طالبوا بفتح معبر حدودي مع الأردن، وسط تزايد الاحتجاجات ومقتل عناصر من الأمن، فيما لجأ النظام إلى عزل السويداء، من خلال قطع الإنترنت والكهرباء والخدمات عن أغلبية مناطقها، الأمر الذي نبأ حينها بانتفاضة متأخرة لدروز سوريا.

ولعل ما صرح به الرئيس الجديد لـ “مشايخ الكرامة” رأفت البلعوس، في بيان “جبل العرب”، حدد بشكل واضح مطالب الدروز في التحرر والاستقلال. إذ طالب الدروز في بيان “جبل العرب”، بأن تكون السويداء “منطقة محررة واستمرار عمل المؤسسات العامة والخدمية بإشراف الإدارة الذاتية المنبثقة من الهيئة الموقتة لحماية الجبل، وتكليف لجنة التفاوض السياسي للتواصل مع الحكومات وهيئات ومؤسسات المجتمع الدولي لنقل الحقائق، واعتماد وضع الجبل تحت بند منطقة آمنة أو منطقة حظر جوي، وفتح معبر حدودي مع الأردن بالتنسيق مع حكومته”.

مكائد النظام وهجمات جبهة النصرة لم تترك المجال لتطبيق الإدارة الذاتية:

وبعد محاولات ودعوات الدروز بالحصول على نوع من الإدارة الذاتية، لم تنفك «جبهة النصرة» عن القيام بهجمات منتظمة على جبل الدروز، وأماكن متفرقة من سوريا تستهدف خلالها الطائفة الدرزية، ومنها مجزرة قرية “قلب لوزة” في جبل السماق في إدلب التي حدثت بتاريخ 11-6-2015  وراح ضحيتها أكثر من 20 من المواطنين الدروز بينهم أطفال وعجزة على يد جبهة النصرة، بالإضافة إلى المعارك التي وقعت في شمال غرب محافظة السويداء في الفترة بين 17 و20 آب/أغسطس 2014، وبرز فيها المقاتلون التابعون للشيخ وحيد البلعوس، الذين وقفوا بجانب النظام في ذلك الوقت لحماية مناطقهم، وفي حزيران/يونيو 2015، وبالتزامن مع هجوم «جيش الفتح» على شمال غرب سوريا، حاولت مجموعات مسلحة ينتمون إلى «الجبهة الجنوبية» السيطرة على مطار الثعلة العسكري الذي كان يشكل ركيزة أساسية في الدفاع عن السويداء، إلا أن الجيش السوري وبمساندة القوات الدرزية التي وقفت بوجه تلك الهجمات بكل حزم أمام تلك الهجمات وحماية السويداء. ولا يخفى أن تلك الهجمات من قبل النصرة والمجموعات الأخرى التي استهدفت المناطق الدرزية جرت برغبة من النظام الذي كان يرغب في زيادة الضغط على الدروز واجبارهم التمسك بالنظام لحماية أنفسهم وعدم المطالبة بأي نوع من الإدارة الذاتية أو الاستقلال.

كما ظهر التوتر بين الدروز والمعارضة السنية في درعا في وقت مبكر من عام 2011 حينما بدأ بعض المتظاهرين والمتمردين المسلحين بإطلاق شعارات تربط الدروز بالأسد وتصفهم بالزنادقة، وقد تم اختطاف بعض القرويين الدروز كرهائن من قبل مسلحي المعارضة وأُفرج عن بعضهم لقاء فدية أو قتل البقية؛ وفي كانون الأول/ديسمبر 2012، أقدمت “جبهة النصرة” التي غيّرت اسمها حينها لـ «جبهة فتح الشام» بعد فك ارتباطها بـ تنظيم «القاعدة» كما ادّعت، باختطاف أحد كبار أعيان الدروز المدعو جمال عز الدين مع ستة عشر من رفاقه. والذي في ذلك الوقت، كانت تربطه علاقات جيدة مع بعض مسؤولي النظام والمعارضة معاً، ولكنه قُتل بعد بضعة أشهر على يد جبهة النصرة.

أما في المناطق الأخرى، فتعرضت ضاحية جرمانا في دمشق إلى هجمات عنيفة منذ ربيع عام 2012. وفي خريف ذلك العام شنّت فصائل المعارضة بقيادة «جبهة النصرة» هجوماً على جبل الدروز. ورداً على ذلك، تخلى الدروز عن موقفهم الحيادي السابق وشكلوا قوات محلية مسلحة بمساعدة الجيش السوري للدفاع عن أنفسهم، وبذلك نجح النظام في تمرير مكائده ووضع الدروز تحت سيطرته مستفيداً من همجية وأخطاء المعارضة والمجموعات الجهادية المرتبطة بها التي دفعت الدروز دفعاً للعودة إلى النظام للخلاص من انتهاكات ومجازر مسلحي المعارضة وجبهة النصرة وغيرها.

وعليه اضطر الدروز التخلي عن فكرة الإدارة الذاتية التي هي كنموذج روج آفا وأجبروا على قبول عودة سيطرة النظام على العديد من مناطقهم لضمان حمايتهم، مع تمسك الدروز بقرارهم في عدم إرسال أبنائهم ضمن الجيش السوري إلى خارج مناطقهم.

مجزرة السويداء الأخيرة على يد داعش وتوجيه أصابع الاتهام للنظام:

لم تنته مآسي الطائفة الدرزية عند هذا الحد من المؤامرات والهجمات عليهم منذ انطلاقة الثورة ثم الأزمة السورية، وزاد عليها مؤخراً المجزرة المروعة التي ارتكبها هذه المرة تنظيم داعش الإرهابي بحق دروز السويداء بتاريخ 25 تموز المنصرم، ورغم أن داعش تبنت الهجمات، لكن أطرافاً سياسية وإعلامية اتهمت النظام بالضلوع فيها.

وعليه سارع النظام السوري في الساعات الأولى لهجمات السويداء التي حولت نهار المحافظة إلى ليل قاتم، وأدخلت اليتم والألم على مئات من بيوت المحافظة إلى اتهام تنظيم داعش بالمسؤولية عنها، ولم يتأخر التنظيم في تبني تلك الهجمات.

ومع تصاعد أعداد قتلى السويداء تصاعدت في الوقت نفسه الاتهامات الموجهة للنظام وحلفائه الروس بالسعي لتصفية حسابات قديمة ومتجددة مع دروز السويداء الذين رفضوا الانسياق في أجندة النظام أو الانخراط في مسار الثورة، محافظين بذلك على حالة من “الحياد” الحذر طيلة سنوات الثورة.

ويبدو أن دروز لبنان لم تقنعهم رواية النظام وتنظيم داعش لما حدث، فشككوا فيها وطالبوا بتوفير حماية للدروز في منطقة السويداء، بعد أعنف هجوم تتعرض له منطقتهم منذ اندلاع الثورة السورية قبل أكثر من سبع سنوات.

وقتل في هجمات السويداء نحو 215 شخصاً وجرح أكثر من  180 آخرين، واستهدفت الهجمات وبالتزامن كل من مدينة السويداء وقرى أخرى في المحافظة بالإضافة إلى اختطاف داعش العشرات من المواطنين الدروز بينهم نساء وأطفال وشيوخ.

مؤشرات ترجح وقوف النظام خلف المجزرة

جاءت نبرة اتهام النظام السوري بالمجزرة والتشكيك والاستغراب بشكل أقوى على لسان الزعيم الدرزي رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني وليد جنبلاط في تغريدات نشرها على حسابه على تويتر قال فيها إن “السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف وصلت وبهذه السرعة تلك المجموعات الداعشية الى السويداء ومحيطها وقامت بجرائمها قبل أن ينتفض أهل الكرامة للدفاع عن الأرض والعرض”.

وتساءل: أليس النظام الباسل ادعى بعد معركة الغوطة أنه لم يعد هناك من خطر داعشي، إلا إذا كان المطلوب الانتقام من مشايخ الكرامة، “وما هي جريمة مشايخ الكرامة سوى رفض التطوع بالجيش لمقاتلة أهلهم أبناء الشعب السوري”؟

واتخذت العديد من الجهات السياسية والإعلامية تسلسل الأحداث في تلك المنطقة قبل هجمات داعش مؤشرات على ارتباط النظام بهجمات السويداء، منها نقل النظام أواخر مايو/أيار الماضي للمئات من عناصر تنظيم داعش من جنوبي دمشق إلى البادية في محيط السويداء، ضمن اتفاق غير رسمي.

ومنها أيضا سحب النظام السوري جزءاً كبيراً من قواته من بادية السويداء إلى محيط ريف درعا الشرقي في إطار هجومه حينها على فصائل المعارضة في درعا.

هذا إضافة إلى مؤشر ثالث متعلق بفشل مهمة زيارة وفد روسي للسويداء أواخر يونيو/حزيران 2018 وسعى لإقناع قادة الدروز في المدينة بالعودة الكاملة إلى حضن النظام وإنهاء ما يشبه حالة الاستقلال الذاتي التي تتمتع بها المحافظة منذ اندلاع الثورة.

خلاصة:

ومن خلال ماتقدم نجد أن الثورة السورية أوقعت الدروز بين مطرقة عدم تقبل المعارضة السنية والمجموعات الجهادية التي ظهرت ضمنها لهم، وبين سندان النظام الذي ما فتئ يحبك المؤامرات والمكائد ليجبر الدروز الوقوف في صفه وأن يكونوا درعاً لحماية دمشق من هجمات المعارضة، وحتى الوقوف على الحياد لم يكن مسموحاً لهم، ولسان حال كل طرف من الصراع كان يقول لهم: إما أن تقفوا معنا وتموتوا من أجلنا أو نعتبركم أعداء لنا، ولا خيار ثالث لكم!.

وفي كل الأحوال كان لابد للدروز كما الكرد قبلهم أن يستجمعوا قواهم للدخول في صراع البقاء الذي فرض عليهم إثر انطلاقة الثورة السورية، لأنه من الصعب أن يبقوا على الحياد أو يرفعوا رايات السلام وهم محاصرون داخل قفص للضباع لا تفقه سوى لغة الحرب والدم ولا معنى للسلام والإنسانية في قواميسهم، ولا تتقبل التنوع وخصوصية المكونات والطوائف.

          ______________________________________________________

المصادر:

1-ويكيبيديا الموسوعة الحرة.

2-صحيفة “العرب اللندنية”

3-صحيفة “الحياة” اللبنانية

4 دراسات من معهد واشنطن عن الدروز

5-وكالات أبناء محلية وعالمية.

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password