العنيدان؛ ترامب وأردوغان والانتحار الاقتصادي التركي

صلاح الدين مسلم

من خلال التمعّن في الملف الاقتصادي المتدهور للدولة التركية وتراجع الليرة التركية بهذا التسارع الفظيع، يجب أن تدور في خلدنا أسئلة عدّة من أهمّها؛ لماذا لم تكن هذه الهجمة عليه قبل انتخابه؟ بالتأكيد كانت ستؤثر على صعوده، فلماذا بعد أن وصل إلى سدّة الحكم؟ ولماذا لم تتأثر الليرة التركية عندما نشبت الخلافات الحادّة بين أوروبا وتركيا، مثلما تتأثر الآن من خلال سوء العلاقات الأميركية التركية؟ هل الموضوع هو القس وغولن أو هو نتيجة لخلاف كبير بين المنظومة التركية والأميركية حول الشرق الأوسط والكرد وسوريا وإيران وروسيا…

وبدأ هبوط الليرة التركية عبر سنوات الثورة السورية منذ 2013 إلى الآن، فقد كان الدولار يساوي 1.16 ليرة في 2007، وهو في أعلى مستويات العملة التركية أمام الدولار، وقد انخفضت العملة إلى 2 ليرة لكل دولار للمرة الأولى في أيلول 2013، ثم واصلت تراجعها لتكسر حاجز الـ3 ليرات لكل دولار، في أيلول العام الماضي، قبل أن تعود وتهبط إلى مستوى 4.7 ليرة مقابل الدولار، ثم تهوي إلى 6.5 ليرة مقابل الدولار.

إنّ الرئيس التركي أردوغان يتحدث عن هجوم اقتصادي وأطلق عليه مصطلح (الإرهاب الاقتصادي) أو المؤامرة الخارجية، حيث قال عنهم: “إنهم شبكة خيانة، لن نمهلهم، سنجعل من ينشرون التكهنات يدفعون الثمن غالياً، جهازنا القضائي تحرّك، وسننزل بهم العقاب الذي يستحقونه، أينما كانوا”.

وجملة الإرهابيين الاقتصاديين جملة جديدة من اختراع أردوغان على ما أظن، وهي المصطلح أو العلاقة التي يعلق عليها الديكتاتوريون خيباتهم، ويشابه جملة أعداء الأمة، ومفككي الدولة، وعملاء الاستعمار والإمبريالية التي ظل يستخدمها أباطرة القرن العشرين، وقد أعلنت وزارة الداخلية التركية أنها فتحت تحقيقاً في حق 350 رائد إنترنت، يُشتبه في أنهم تناقلوا تعليقات تنطوي على «استفزاز» حول تراجع الليرة التركية بهدف إضعافها والمسّ بالاقتصاد، وهي التهم الجاهزة التي يتداولها الاستبداديون.

وفي مواجهة هذا الوضع، أشار أردوغان الجمعة بالاتهام إلى “لوبي معدلات الفائدة” من غير أن يحدّد ملامح هذه الجهة الغامضة، وهذه وسيلة جديدة تحسب للرئيس التركي، وهي الغموض، والبحث عن اللغز.

إنّ الرد الذي لجأ إليه أردوغان هو مقاطعة أجهزة الآيفون الأميركية، والتركيز على فيستل التركية، والتركيز على الروح الوطنية في دعم الليرة التركية، والعزف على هذا الوتر الوطني واعتبار التعامل مع الأميركان تعاملًا مع أعداء الأمة، حيث قال أردوغان: “إن كان لديكم أموال بالدولار أو اليورو أو ذهب تدخرونه، اذهبوا إلى المصارف لتحويلها إلى الليرة التركية، إنه كفاح وطني” وبالتالي استخدام ورقة الوطنية مرة أخرى كما استخدمها في حربه على عفرين واحتلالها، وكأنّ هذه الروح الوطنية قد خلقت لمصالح الرئيس الأميركي فحسب.

وبعدها العزف على الوتر الديني، حيث يقول: “إذا كان لديهم دولارات، فلدينا شعبنا ولدينا حقنا ولدينا الله” وهي اللغة السائدة عند الملوك الشرقيين كلما ضاقت بهم السبل، وصارت الحرب التي افتعلها جهادًا، والحرب الاقتصادية جهادًا…

لا شكّ أنّ أردوغان يستخدم هذه الصيغة المؤقتة، ولا يلجأ إلى الحلول الدائمة المستدامة، فلم يتخلَّ عن عنجهيته وتهديداته المبطنّة، طبعًا ليست عنيفة ضد الرئيس الأميركي ترامب.

تقدّر ديون البنوك الأجنبية لتركيا بنحو 224 مليار دولار، وفقا لبيانات البنك الدولي للتسويات. ولذلك تنظر البنوك العالمية بعين القلق في دعم تركيا، فما يحصل الآن من خلال تعبير الاقتصاديين هو الانتحار الاقتصادي.

وأمام تركيا حلول مشلولة، من خلال المضيّ قدمًا في هذا الانتحار الاقتصاديّ وهو الدخول في المجهول، وعوالم الظلمات وقد تكون خطة في إجبار أميركا على التنازل لكيلا يرتكب أردوغان حماقات في الشرق الأوسط، وقد تكون الخطة في جره إلى المستنقعات، ويبدو أن الاعلام العالمي يريد أن يقزّم أردوغان، فعندما يتحدث عن الأيفون الذي يجب أن يحارب، تعرض الصحافة الغربية صورته وهو يستخدمه أثناء الانقلاب، وقد يكون تذكيرًا له بالانقلاب.

قد يكون هناك انفتاحًا تركيًّا على العراق وإيران وروسيا، لكن خيار التشبث بأعداء أميركا يعني المضي في المجهول، واستمرار التصعيد، واستمرار الانتحار الاقتصادي، فخيار الانسحاب من المعسكر الأميركي خيار خاطئ، وسيجرّ ويلات على تركيا، فجذور تركيا أصبحت أميركية، ولا يمكن الاستمرار في هذا التعنت بالمقابل أيضا.

هل تنظر تركيا إلى أميركا على أنها شريك مهم في المنطقة؟ الجواب هو نعم بالتأكيد، لكن ضمن الشروط التركية، فمسألة الكرد ودعمهم تعتبر خنجرا في ذهنية القيادة التركية، والفوبيا الكردية تشكل قلقًا رهيبًا لأردوغان، والبدائل الأخرى كالاتحاد الأوروبي، وطلب الدعم من ألمانيا، وبدء الاستجداء السلطاني الذي بات يؤثر على شخصية السلطنة والسلطان، بل على الذهنية الراديكالية الإسلاموية، فباتت عودة الابن العاق إلى الحضن الأوروبي أو العودة إلى المسار الطبيعي للدولة التركية هي الحلّ الوحيد، أو هو المسار الوحيد المرسوم له، لكن بعد طأطأة الهام.

لم تكن قضية القس برنسون هي السبب وراء هذا الانتحار الاقتصادي في تركيا، بل صفقة صواريخ اس 400، والقنبلة الروسية الموقوتة في تركيا، وعدم التزام أردوغان بعهود قطعها على أميركا، فقد تكون أميركا قد حنثت ببعض المواثيق، لكن ما يحق لأميركا لا يحق لغيرها، وهذا ما لم يستوعبه السلطان الجديد،

نعم لن تكون هناك حلول سريعة، ومسألة مقاطعة البضائع الأميركية هي غباء فظيع، وقعت فيه الشعوب العربية من قبل عندما قاطعت البضائع الدانماركية والأميركية، ويتحدّث عن خلل في النظام المالي التركي، وصهره وزير للمالية وهو الرئيس المباشر مطلق الصلاحية والنفوذ، فيتحدّث وكأنّه معارضة.

يبدو أنّ الصراع حاصل ما بين العنيدين (ترامب وأردوغان)، لكن الفرق أنّه كلما عاند أردوغان تدهورت دولته، وانهارت ليرته، وبالمثابل لا تتأثر أميركا قيد أنملة، وكلما طال العناد خسرت الدولة التركية، وخسر الشعب التركي، لكن الرئيس أردوغان لا يتأثر، فقد استطاع أن يتحكّم بكلّ مفاصل الدولة، ولا حركة تذمّر نراها، وكأنّنا أمام اتفاق ما بين ترامب وأردوغان!

من هنا سيكون المبدأ المطروح (تركيا بحاجة إلى أميركا وليس العكس)، وهذا هو الدرس الذي يحاول الأميركيون تلقينه إياه، فالمحادثات الأميركية التركية مستمرة، فإمّا الرضوخ إلى أميركا أو المجهول.

بالتأكيد لن تكون هناك صدامات ما بين أميركا وتركيا، فأميركا قد قررت نوع الحرب على تركيا، كما قررت نوع الحرب على إيران وسوريا… وكل دولة لها طريقتها في استيعاب الدرس الأميركي.

يبدو أنّ عدم تحريك الملف التعاوني في منبج هو لصالح أردوغان، فهذه المعاهدة الشكلية ما بين أميركا وتركيا في منبج هي انتصار سياسي، وإن كان زائفًا، وإنّ تحريك هذا الملف سيستفز الأميركان وتكون ضربة أخرى وصفعة أخرى لأردوغان.

إنّ التخبّط التركي وانهيارها لم يثنيها لقصف شنكال، وذلك لصرف النظر عن تدهوره، فهو ينحو بتركيا نحو المجهول، ولم يتردد في قصف شنكال؛ كعبة الكرد، ليلعب لعبته القوموية المتوارثة.

الآن فحسب بات محلّلو تركيا يقولون: “إنّ تركيا قوية عسكريًّا، لكن ليست قوية اقتصاديّا بما يكفي لمواجهة أميركا، والآن يتحدّثون عن انهيار النظام العالمي القديم، دون علامات للنظام العالمي الجديد، فهل ستكون تركيا هي بداية العصر الرأسمالي الجديد، كما كان سقوط القسطنطينية بداية العصر الجديد؟!

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password