قصة الزواج الملكي ـ الجزء الثالث

    ياسر شوحان

نص أثري من وادي الفرات والشمال السوري:

    لقد شكلت الوثائق الملكية في مملكتي ماري ويمحاض مصدراً توثيقياً لفترة هامة جداً من تاريخ مملكة ماري، وهي فترة القرن الثامن عشر قبل الميلاد، كما اعتُبرت النصوص الأثرية التي عُثر عليها في ماري وتم ترجمتها من قبل الباحث جان ماري دوران وصفاً كاملاً عن طبيعة الحياة في ماري، لا سيما وأن هذا البحث يُظهر العلاقة الدبلوماسية وعلاقة المصاهرة فيما بين يمحاض وماري، ويظهر هنا في الرسالة التالية أن مندوبا ماري أصقدوم وريشيا يشاركان في فض نزاع في يمحاض كان قد كلفهم بذلك ملك ماري زمري ليم، وهنا نص الرسالة:

إلى مولانا

قل:

هكذا تكلم أصقدوم وريشيا : خادماك :

فيما يتعلق بقافلة مولانا

( مهشم من النص الأصلي )

قد ردوا بهذا الكلام على أمراء زلماكو لنذهب

ولنبعث بأمرائنا أو شيوخنا كي يتناقشوا معكم

حينئذ قال ياريم ليم :

مع مبعوثيهم قد أرسلت مبعوثين لي مع أوامري التالي :

يجب أن يصل مبعوثون منهم على الأقل، أثناء إقامتكم

ولكن هؤلاء الأمراء لم يصلوا بل أرسلوا شيوخهم

وعادوا، وقالوا ذات الشيء

كيف يحصل أن تلقى كلاماً لا معنى له في بيته

والآن فإن مبعوثي ياريم ليم لم يعودوا حتى الآن

ولهذا فإن تقريراً كاملاً لم نرسله حتى الآن إلى مولانا

5 ـ الرسالة السادسة وتتضمن مكان إقامة العروس شيبتو ابنة ياريم ليم ملك يمحاض :

    بعد أن وافق يا ريم ليم ملك يمحاض من زواج ابنته شيبتو من زمري ليم ملك ماري يتضح في الرسالة أنه في غاية الاهتمام بمكان إقامة ابنته ، حيث طلب من المندوبين أن يكون ( بيتها جميلاً ولائقاً بها )، كما أن مرافقي العروس سيكتبون تقريراً مفصلاً للملك ياريم ليم بعد عودتهم من ماري موضحين فيه درجة صدق المندوبين في اختيار المكان الملائم لها :

إلى مولاي قل :

هكذا تكلم أصقدوم خادنك :

يا ريم ليم قد أحاطني علماً بما يلي :

غالباً ما سمعت أن آلهة القصر

(حاضرة) قوية فأين ستوضع أغراض ابنتي !

لتوضع في بيتها، ولتعش ابنتي مع زوجها

ومن خمسة إلى ستة أيام لتترك قصرها

للعدة (مدة الدورة الشهرية)

والآن، ليأمر مولاي ويختار بيتاً لابنته (لابنة ياريم ليم)

ولينسقه (ينظمه)

كيما خدمه

الذين سيأتون معي

يرونه، وإلى مولاهم

يرفعون تقريراً

والآن ما سمعته من فم ياريم ليم

إلى مولاي قد كتبته ، فليتفكر مولاي

بمسكن البنت هذه لتستقر على خيار

ثانياً، والآن …

فيما يتعلق بالحمّالين (الكراسي)

الذين كتبت له عنهم

ليرسلهم لي مولاي كيما وقبل سفري

أتمكن من ترتيب هذا البيت

6 ـ موعد رحلة موكب العرس وحالة الطقس :

    من الجدير ذكره أن الأحوال الجوية خلال هذه الفترة ( 15 كانون الأول حتى 15 كانون الثاني) لم تتغير بشكل لافت منذ أربعة آلاف عام ، حيث أن المناخ في هذه المنطقة مستقر بشكل نسبي منذ أكثر من عشرة آلاف عام، وقد ذكر الموعد المناسب لتحرك موكب العرس في هذه الرسالة، كما رافق الموكب ( نساء رقيقات ) كما ذكر النص:

إلى مولاي قل ما يلي : هكذا تكلم مساميتار خادمك

فيما يتعلق بالموكب الذي سيقوده أصقدوم

ويؤمن سلامة مولاتي، سمعت أن كثيراً من النساء

سيذهبن مع مولاتي، والنساء اللواتي سيذهبن هن ناعمات

والطريق هذه مدبرة وقفراء وما من أحد يرتحل في مثل هذه الأيام

إنها أيام خطرة  وأخشى بسبب العطش أن تتضرر نفوس أو أي شيء آخر

مما سيندم عليه مولاي في هذا الشهر، ما من أحد يسلك هذا الدرب

ففي الربيع أو الخريف تشلك هذه الدرب

الدرب في هذا الشهر ليست سالكة

بعد خمسة أيام سينتهي وفي الشهر القادم وفي أيجي كور

في اليوم العاشر إذا لم يكن في اليوم الخامس

فالأيام ستبرد والفرات سيبدأ فيضانه والرحلة مناسبة

وليتساءل مولاي ويتفكر وليتصرف بسلطانه

7 ـ مسار الرحلة :

    يظهر في هذه الرسالة ذكراً مستفيضاً عن مسار الرحلة التي اتجهت من يمحاض إلى إيمار ثم إلى ماري عبر رحلة نهرية تخللتها استراحات عديدة على جانبي نهر الفرات والتي استغرقت عشرة أيام وهذا نصها:

هذه الرسالة من إيمار أرسلناها إلى مولانا في اليوم العاشر

وسنصل ماري بعد تسعة أيام

كيما يرى ويصطحب أخوته، ولتصدر لنا أوامر مولانا فيما إذا كانت البنت (العروس)

ستطلع إلى دور يهدوليم أو إلى مدينة ساجاراتيم

إلى قصر ترقا أو أي قصر آخر ساع أو مراسل سريع

يجب أن يصل إلينا بسرعة كي نتدبر أمره

وعند وصول الوفد إلى مشارف ماري يرسل المبعوثين رسائل أخرى تحث الملك على حسن استقبال الموكب من قبل موظفي القصر وإعداد ما يلزم لإقامة العروس وتحضير الطعام عند الوصول إلى المملكة، كما بينّت هذه الرسالة وصفاً شبه دقيق عن مناطق وادي الفرات التي مروا بها:

إلى مولاي قل ما يلي:

هكذا تكلم سومو خادو خادمك ، هذا الرقم من دوريهدوليم

قد أرسلته إلى مولاي في هذا اليوم، مولاتي ستصل إلى دوريهدوليم في هذا المساء

فقد كتب إلى أصقدوم: وجبة طعام لمولاتنا وجماعة العرس

أحضرها من دوريخدوليم ، إلى تيلازيبوم

ولما أنني لم أوافق فقد أدخلت مولاتي

إلى دور يخدوليم الركب في مدينة جانيباتوم قد انتظر

وبما أن شاتمني في مدينة خوران

فقد خشيت من بني يمين ولم أرسلهم  إلى جانيباتوم

انطلاقاً من خوران الركب سيركب

يوم في يخدوليم ويومها الثاني في ريبناتوم وفي ثالث

يوم في ترقا ، وفي اليوم الرابع إلى صبروم ستصل وستبيت في صبروم

وستنهض في اليوم الخامس

حيث ستدخل ماري في الظلام وهكذا ..

من خلال هذه الرسائل في الأجزاء الثلاثة من هذا البحث يظهر مدى أهمية العامل اللغوي في النصوص ومدى بقاء اللغة الأكادية كلغة هامة وقوية منذ آلاف السنين ، كما تُظهر هذه النصوص توثيقاً جغرافياً لمناطق وادي الفرات الأوسط ، وعلى الرغم من أن معظم هذه التسميات للمدن أو القرى لم يتم الكشف عنها بعد إلا أن هذه النصوص أصبحت مدعاة للبحث بعد ثلاثة آلاف عام من تدوينها بهدف أن يبحث عنها الآثاريون في هذا الزمان .

إن قصة الزواج الملكي ليست مجرد تدويناً لزواج ملكي ، بل هي توثيقاً لطقوس الزواج ومدى متانة العلاقة فيما بين وادي الفرات الأوسط ماري ومنطقة الشمال السوري ، التي كانت ولا تزال قوية العلاقة متينة الأواصر حتى تفنى الأرض .

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password