حقبة من أيام الجزيرة العليا    

جاسم العبيد

إقليم الجزيرة أو آقور كما سمي من قبل لاسيما المنطقة الممتدة من نصيبين إلى الرّها (أورفة )؛ مسرح صراعات مستمر بين الساسانيين منذ أول نشأة دولتهم وبداية عصر الشاهنشاهات ( ملوك الملوك )في عام 226 وبين الرومان قبل نشوء الدولة البيزنطية في مطلع القرن الرابع، وبعدها وحتى نهاية الدولة الساسانية في عام 650، وشكل نهر دجلة في أواخر القرن الثالث الميلادي في عهد نرسي نارسيس 393- 301م؛ الحد الفاصل بين الامبراطوريتين الساسانية والرومانية، واتسم واقعه البشري بطبيعته المتنوعة نتيجة استمرار العمران ورسوخه فيه منذ فجر الثورة الحضرية الأولى في العالم، وتعدد مدنياته بدءاً من السوبارتوية المسجلة في المكتبة الملكية لآشور بانيبال، والسوبارتويون أليسوا هم أجداد الأكراد ؟ وهبوط موجات بشرية متنوعة ومتتابعة فيه فارسية وآسيوية وعربية وسريانية وكردية وأرمنية وتركمانية، واشتمل الإقليم من الناحية البشرية بفعل طبقاته الحضارية البشرية المتعددة على تنوع هائل ما بين السريان المسيحيين واليهود والوثنيين والإيزيديين والزرادشتيين وازدهرت فيه على مدى عقود طويلة قبل الفتح الإسلامي وبعده ( أهم المراكز العلمية والثقافية السريانية والوثنية (الصابئة ) اعتبارا  من 215- 813 هجري في عهد المأمون ومركزهم في حران، وغدا مسرح صراع ضار على مدى قرون عدة بين التتار والصليبيين، ثم بين القوى الجديدة الكردية والغزية والسلجوقية والبويهية  والحمدانية، وإحدى أكثر عقد الصراع بين العباسيين والأرمن وبيزنطة وبين الدولة العصملية والسلجوقيين في الأناضول، وبين التتار والصليبيين، ثم بين القوتين العظمتين البازغتين العثمانية والصفوية الإيرانية. وكانت الجزيرة على مرّ هذا التاريخ ومنذ عهود سحيقة منطقة حصون وأحزمة دفاعية.

إذ تحولت الحصون الأمامية في المرحلة العربية الإسلامية إلى منطقة الحزام المحصن الذي عرف بثغور الشام على حافة المنطقة الحدودية التي شملت سفوح سورية العليا وأراضي بين النهرين؛ ومراكزها المتقدمة في طرسوس والجزيرة، وفي خضم غزوات نقفور فوكاس الثاني 963 -969م وجون تسميسكاس 969- 976م وباسيل الثاني 958- 1025م ؛ سيطرت بيزنطة على تلك الثغور ماعدا ديار بكر وماجاورها، فعاد الأناضول بيزنطياً – بينما تمكن المروانيون الأكراد من تأسيس دولتهم وإمارتهم في القرنين العاشر والحادي عشر في  ديار بكر وكانت عاصمتها (نبركرت ) التاريخية، فأقاموا في الحيز الجزيري الأساسي الذي كانت تحتله الدولة الحمدانية ودامت هذه الإمارة قرناً تقريباً من عام 980- 1085 م، لتخضع بلاد الجزيرة وكردستان بدءاً من عام 1071م حين كسر السلاجقة جيش الامبراطور آرمانوس الرابع وأخذوه أسيرا إلى سلطان السلاجقة على حكم الجزيرة أو بعض أجزائها بعض السلالات أهمها وأكثرها طولا في الحكم؛ الدولة الحمدانية والدولة الكردية المروانية والأرتقية وهذه الأرتقية الاخيرة هي التي دمرها تيمور لنكـ وكانت في حالة سياسية متضعضعة.

ومن ثم اتسم الإقليم بالانتشار الكردي البشري والسياسي الكثيف وفي سياق هذا الانتشار أصبحت اللغة السائدة الكردية والطابع الكردي في مجالات الحياة وحتى القرن الثالث عشر الميلادي وتحديداً ما قبل الغزوات التتارية الأولى كانت الجزيرة كثيفة من الناحية السكانية، وكانت أبرز المخازن البشرية في التجنيد للصراع بين السلالات الحاكمة.

وخلال عشرة قرون على الأقل وحتى نهاية الدولة العثمانية عام 1918 تقريباً؛ اندمجت عناصر أخرى في العرق الكردي من إيرانيين وعرب بمن فيهم السريان والأتراك والمسيحيين الأرمن واليعاقبة  والنسطوريين  واليهود. وإنك لتجد من يقول ويدعي ذلك اليوم.  وأعادت العائلات الأميرية الكردية الوراثية في العصر العباسي الثاني بناء عصبية العشائر الكردية مع كثير من هذه المجموعات لتعيش سوية تحت ظلال الإمارات الكردية .

دخلت الجزيرة في دورة الخراب مع الاجتياحات المغولية التتارية التي ألحقت النكبة بها في عام 628هجري الموافق 1228م مع جحافل هولاكو، ثم في عامي 1394 و1401 مع اجتياح تيمور لنك، وتكلم كتاب التاريخ عن ذلك الدمار الذي لحق بمدن ( دياربكر- وجزيرة بوطان –وطورعابدين –وماردين –إلخ –) وأنهى زحفه بمعركة أنقرة في تموز عام 1402 بأخذ بايزيد أسيرا إلى عاصمته، ونهاية حياته بطريقة تراجيدية مؤلمة، وبتوجيه ضربات قاسية للمسيحيين وفي ديار بكر وماردين والموصل وطور عابدين تم القبض على كثير من اليعاقبة وذبحهم. وأما المسيحيون الذين هربوا من الذبح فقد احتموا بالجبال القاحلة وحين عادوا إلى مواطنهم وجدوا كنائسهم وأديرتهم قد سويت بالأرض، وخرجت الكنيسة النسطورية بشكل خاص من الدمار المغولي التيموري منكوبة، وكانت قد دخلت بالانحدار قبل مجيء تيمورلنك. ودمرت مؤسساتها كافة وأما من تمسك منها بنسطوريته فلجأ إلى جبال كردستان وكانت هذه هي جبال هكاري التي عاش فيها النساطرة في فقر وجهل وعزلة إلى أن أعيد اكتشافهم في الأزمنة الحديثة .

أعاد العثمانيون بناء قواهم وبدؤوا في مرحلة سليم الأول 1512 م- 1520- بالتحول من استراتيجية التوسع الداخلي في الأناضول بالقضاء على الإمارات التركمانية والتوسع الخارجي باتجاة أوروبا الشرقية؛ إلى مواجهة الصفويين في الشرق الذين قضوا بدورهم على الإمارات التيمورية والتركمانية في الأناضول الشرقي وألجؤوا الأمراء العثمانيين على الفرار من بطشهم واحتلوا بغداد، وأحكموا سيطرتهم على بلاد الجزيرة وقلاعها ومدنها. ونصبوا في كل منها حاكماً مدججاً بحامية  عسكرية ثم واجهوا المماليك الذين يخترقون بإمارتهم القادرية سيطرتهم على الأناضول بعد أن حاولوا تأليف قوة توازن بين القوتين الصفوية والعثمانية الصاعدتين .

كانت السيطرة على تجارة الحرير أحد أبرز العوامل الاقتصادية في تحول سليم الأول نحو الهجوم على التوسع الصفوي. ففرضَ سليم الحصار التجاري على الصّفويين وما أشبه اليوم بالبارحة، وكانت هذه الاستراتيجية تعني بالضرورة التوسع في مناطق الجزيرة وقيض لهذه الاستراتيجية أن تكون الأكثر أثراً في تطور مجريات التاريخ اللاحق للجزيرة إذ دخلت الجزيرة تحت نير وظلم الأتراك .  أفضت الحرب العثمانية –الصفوية بين السلطان سليم الأول والشاه اسماعيل الصفوي في عام 1514م ( من معركة جالديران في عام 1514م شمال شرق بحيرة وان إلى معركة –قرة غين ددة- في محور ماردين –أورفة وتحديداً جنوب ماردين في أيار 1516م إلى سيطرة العثمانيين على بلاد كردستان والجزيرة. وكانت الجزيرة مسرح معركة –قرة غين ددة –لكنه انحصر بدرجة أساسية في التخوم العليا للجزيرة العليا الفاصلة بين الأناضول ومناطق الجزيرة ولا سيما في ديار بكر ونصيبين ومرعش وعينتاب وأورفة وجزيرة بوطان.

ووفق ما يمكن تكثيفه من تحليل سيار الجميل المعمق لهذه السنوات الحاسمة؛ كانت عملية السيطرة على الجزيرة عملية عثمانية –كردية اضطلع فيها الشيخ إدريس البدليسي مستشار السلطان سليم الاول 1512 -1520م بمهمات قيادة الأكراد ورؤساء العشائر وحكام المقاطعات ضد الحكم الصّفوي، وفرض السلام والإعمار بعد قرنين على الأقل من الدمار.

وهكذا فقد نجح الشيخ البدليسي بموجب معاهدة مع السلطان سليم بجذب ولاء زعماء الأقاليم ورؤساء العشائر وأمراء المقاطعات للعثمانيين لقاء الاحتفاظ بعائدية إقطاعهم واستقلاليتها واستمرارهم بحكمها وراثياً من الأب إلى أولاده الذكور على أساس مساهمة هذه المقاطعات في حروب الدولة كافة، ودفع الصدقات والرسوم الشرعية لبيت المال العثماني لقاء حماية الدولة لها من الاعتداءات الخارجية. وفق معاهدة تعتبر أول معاهدة تعقدها الدولة العثمانية مع الإمارات والعشائر في بلاد الجزيرة العامة (كردستان وشمال العراق ). ونجح البدليسي في تقسيم ديار بكر المترامية الأطراف إلى سناجق لتسهيل مهمة السيطرة عليها ثم طبق هذا النظام على الرّها والموصل وماردين .

________________________

المصادر —

1- الجزيرة السورية – التكوين التاريخي –محمد جمال باروت.

2- البدو – اوبنهايم.

3- المطران مار سويروس – نشوء الكنائس المشرقية.

4- ثقافة السريان في القرون الوسطى –نينا بيغو ليفسكايا.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password