تركيا المفلسة تبيع عقاربها التي سممت بها سوريا…

        لزكين إبراهيم

من يضعُ عقرباً في جيبهِ عليهِ أن يتوقعَ لدغتهُ يوماً ما! يبدو أن جيب أردوغان مليءٌ هذه الأيام بالعقارب والثعابين والعناكب السامة التي جمعها بيده، واحتار اليوم في كيفية تصريفها، ولذلك كثرت اللدغات وتعددت مصادرها، أمرٌ ليسَ غريباً مع شخصٍ اتبع في سياساته تربية ودعم جماعات إرهابية ومرتزقة ومتطرفة، واستخدامهم كبيادق في تمرير سياساته وأحلامه في إحياء إمبراطورية عثمانية جديدة في المنطقة، ثم التنازل عن بعض تلك المجموعات أو بيعها في غرف السياسة المغلقة والمتاجرة بهم واحدة تلو الأخرى متى ما ربحت بهم تجارته.
على وقع قرع طبول الحرب على إدلب؛ تتساقط أقنعة تركيا واحدة تلو الأخرى؛ لتكشف عن قبح سياساتها ولعبها بدماء الشعوب، ويبدو أن سحرها قد انقلب عليها ولم تعد تملك القوة والسطوة الكافية لجمع وتصريف العقارب والثعابين التي جمعتها وربتها على يدها وأطلقتها في سوريا؛ خاصة بعد الصعقة الأمريكية التي شلت اقتصادها. وباءت بالفشل كل محاولاتها في إقناع هيئة تحرير الشام “جبهة النصرة” من حلّ نفسها أو اندماجها ضمن مجموعات أخرى تحاول تركيا أن تصبغهم بصبغة “المعتدلين نسبياً”، وجاء إعلان تركيا لجبهة النصرة التي ربتها على يدها كمنظمة إرهابية دليلاً على اعتراف تركيا بأنها الأب الشرعي للإرهاب في سوريا، وبأنها لم تعد تستطع الهيمنة على ولدها العاق هذا، والتخلي عنه بوصفه “إرهابي” بعد أكثر من 7 أعوام من انطلاقة الأزمة السورية وتدمير سوريا أرضاً وشعباً، وجاء هذا الإعلان أيضاً رغبة من تركيا الحافظ على ما تبقى من ماء وجهها كي لا تلزم نفسها الدفاع عن ابنها العاق في حال شن الروس والنظام الهجمات عليه، وقد يتعدا الأمر بأن تشارك تركيا بضربات محدودة ضد جبهة النصرة في إدلب لتجبر باقي المجموعات الاتعاظ من خطأ أخيهم الكبير “هيئة تحرير الشام” ولا يفكروا بالتمرد على تركيا أو عصيان أوامره حينما يأتي دورهم لعرضهم في أسواق المقايضات والبيع.
فبيع تركيا لجبهة النصرة يذكرنا بتخليها عن داعش بعد تحرير منبج، وتدخل التحالف الدولي وعزمه القضاء عليه، فسارعت تركيا للتخلي عنهم وذلك بعد تيقنها أن داعش باتت ورقة محروقة؛ ولا يمكنها تحقيق الأهداف التي رسمتها تركيا لها في منع سيطرة الكرد على مناطق روج آفا وشمال سوريا. وباعتبار أن حال النصرة اليوم بات قريباً من حال داعش أمس، وسط عزم روسيا هذه المرة القضاء عليه، وتيقن تركيا أنه لم تعد تلبي طموحاته، بل وباتت عبئاً عليه لحملها صفة الإرهاب العالمي، فإن تركيا فضلت الاستفادة منهم في آخر أيام عمرهم في سوريا وبيعهم للروس لتستفيد منهم في مكسب ما.
فتركيا تدرك أنها لم تعد قادرة على مواجهة الروس وإيران والنظام السوري في حال قرروا الهجوم على إدلب، ولن تستطيع تقديم المزيد من الدعم اللوجستي والأسلحة والرواتب لكافة المجموعات المسلحة التي جمعتها في إدلب وغيرها من المناطق التي احتلتها، خاصة بعد صفعة انهيار الليرة التركية، فوقوفها بوجه الهجوم سيكلفها الكثير وستخسر كل شيء في نهاية المطاف حتماً، وزد عليها أن تركيا لم تعد قادرة على طلب المساندة من حليفها القديم “الناتو” أو الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة الروس، بعد تدهور العلاقات بينهم. ما دفعت تركيا للإسراع في مراجعة تحالفاتها الدولية والإقليمية وتجد نفسها اليوم مجبرة على التقرب من التحالف الروسي لعلها تحافظ على تماسكها لفترة أطول في وجه كافة التحديات التي تواجهها نتيجة سياساتها الحمقاء.


ومن الواضح أن تركيا العضو في الناتو منذ 1952 باتت إزاء تحديات دولية وإقليمية جديدة، إذ أن وظيفتها الأساسية في الحرب الباردة انتهت أو ضعفت جدواها، بل وربما أن تركيا التي كانت حائط صدّ للنفوذ السوفييتي في زمن الانقسام الدولي إلى معسكرين، أصبحت هي بحاجة إلى دعم الغرب لمواجهة التهديد الروسي اليوم، أكثر من حاجة الغرب إليها في هذه المهمة، ويبدو من مجمل التطورات أن إسرائيل باتت حجر الزاوية في التفاعلات الإقليمية في الشرق الأوسط، بالنسبة للولايات المتحدة، أكثر من تركيا، التي أصبحت في وضع صعب في محيطها الإقليمي، سيما إزاء روسيا وإيران، وقياساً بالاضطراب الحاصل في سوريا.
ويبدو والحال هكذا أن الرئيس التركي لن يجد أفضل من معركة إدلب؛ لإثبات جدية تحالفه مع روسيا في وقت يعيش فيه وضعاً صعباً بسبب العقوبات الأميركية.
ويمكن التنبؤ بأن الهجمات المحدودة التي بادر إليها النظام على محافظة إدلب لا تعدو أن تكون رسالة روسية لتركيا بأن مصير إدلب سيكون نفس مصير الغوطة الشرقية ودرعا إذا لم يبادر الأتراك إلى مواجهة المتشددين الإسلاميين في المدينة، ما يعني أن أنقرة ستكون مضطرة إلى حرق إحدى أبرز أوراقها في الملف السوري لإرضاء موسكو.
وإذا لم تتحرك تركيا، فإن قوات النظام السوري وحليفها الإيراني تتحضر لخوض معركة إدلب وتحريرها، ولا شك أن روسيا لن تعارض هذا الهجوم بالرغم من النقاشات التي تجريها مع واشنطن بشأن انسحاب إيران وأدواتها من سوريا.
ومع ذلك يستبعد المراقبون أن تقبل روسيا بإطلاق يدي أردوغان على الحدود التركية السورية، خاصة أن استراتيجيتها في إعادة المناطق إلى سيطرة نظام الأسد تقوم على التدريج، ما يعني أنها لن تقبل بأن يظل جزء من الأراضي السورية خارج تلك السيطرة بما في ذلك المناطق في شرقي نهر الفرات التي حررتها قوات سوريا الديمقراطية، ولكن الاخيرة رهن مشاورات التسوية التي تجريها مع واشنطن، ولن تسلم إلى النظام على غرار ما فعلت تركيا بباقي المناطق السورية، بل ستكون هذه المنطقة الوحيدة التي لن تعود إلى هيمنة سلطة النظام السوري، وستبقى لها ميزات جديدة في إدارتها من قبل من حرروها.
قد تحاول تركيا مقابل التخلي عن إدلب ومجموعاتها المسلحة وضع شروط مؤقته كإبقاء عفرين والمنطقة الممتدة منها إلى جرابلس والباب تحت سيطرة تركيا وفصائلها لتتمكن من نقل من تبقى من مرتزقتها الطائعين إلى هذه المناطق بعد معركة إدلب، ولتضمن ورقة جديدة بيدها تبيعهم مستقبلاً مقابل عروض جديدة.
بالإضافة إلى ذلك نرى أن أردوغان في الفترة الأخيرة بات يصرُّ على شراء منظومة دفاع جوي S-400 من روسيا، وقد يكون هذا أحد الشروط مع الروس لتسليمهم إدلب على طبق من ذهب مقابل المنظومة.
أما مسلحو تركيا والمهجرون من الغوطة من الذين جمعتهم تركيا في عفرين بهدف تغيير الديمغرافية باتوا على يقين أن تركيا تتلاعب بهم وبإمكانها التخلي عنهم بكل سهولة، ومع استمرار عمليات وحدات حماية الشعب في عفرين التي تستهدف نقاط تلك المجموعات وتغتال عناصرهم وقياداتهم بشكل مستمر، ومع قرب معركة إدلب، باتوا يبحثون عن ملجأ آمن يفرون إليه، لقطعهم الأمل بالحماية التركية، فبدأت موجهات هروب المستوطنين من عفرين تنشط نحو اعزاز وقرى عفرين الحدودية ليتمكنوا من الفرار نحو تركيا في حال بدأت حملة تحرير عفرين، بالإضافة إلى هروب الكثير من عناصر المجموعات المسلحة وعلى رأسها ما تسمى الجبهة الشامية التي تبيع أسلحتها وتلوذ بالفرار على وقع قرع طبول الحرب.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، ماذا سيكون مصير باقي المجموعات المسلحة التابعة لتركيا في حال القضاء على جبهة النصرة التي تعتبر أقوى تنظيم من بين كافة المجموعات المسلحة في شمال غرب سوريا، أي لو انهار هذا التنظيم فهل ستستطيع باقي المجموعات مواجهة النظام في حال قررت الأخيرة القضاء عليها هي الأخرى؟ وهل ستتمكن من الصمود بعد أن ينهار أقوى تنظيم بينها؟ وهل لايزال من بينهم من يعتقد أن تركيا المفلسة سياسيا واقتصادياً يمكنها حمايتهم بعد اليوم؟ ألم يئن الأوان لمن يسمون أنفسهم معارضة أن يدركوا أنهم كانوا مجرد أدوات تبيعهم وتشتريهم تركيا بحسب مصالحها فقط، ويمكنها أن تبيد الشعب السوري كله لقاء مكسب سياسي أو اقتصادي؟! على العموم حتى وإن أدركوا ذلك فقد سبق السيف العزم ولم يعد بإمكانهم تغيير شيء من المعادلة وسيبقون أرقاماً تتاجر بهم تركيا حتى فنائهم جميعاً.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password