الشركس

    جاسم الهويدي

الشركس؛ هم القبائل الأباظية والأبزاخ والآدامة والبزادوغ والجيكيت والحاتوقواي وقبيلة جان والشابسيغ والناتخواج والقابردي والقبرطاي والأوبيخ وديانتهم الإسلام.
والقفقاس مهد شعوب الشركس، ولهم في التاريخ مأساة بدأت آلامها مع ظهور العثمانيين؛ الذين جاوروهم في القرن الخامس عشر؛ أيام محمد الفاتح الرهيب، وتضارب مصالح الطرفين. الأتراك العثمانيون يريدون الاتصال بتركستان عن طريق شمال القفقاس كيداً بإيران، ولذلك فرضوا نفوذهم الكامل سياسياً ودينياً على شبه جزيرة القرم المسلمة.
والروس يريدون الوصول إلى المياه الدافئة في الجنوب، وبين هذا وذاك هناك الكسب الأهم الذي كان بشمال القفقاس وهو: الممر الطبيعي للتجارة البرية بين الصين وأوربا وبين الهند وأوربا.
فجميع الطرق البرية تمر منها ومن حولها. والسيطرة عليها حسب مفاهيم عصرنا الحاضر؛ سيطرة على عقدة كبرى من عقد المواصلات العالمية.
وهكذا اتخذت كل من الدولتين؛ الدين وسيلة لهذه السيطرة لكن العثمانيين كانوا أكثر نجاحاً؛ لأن ثمة كتلة مسلمة واسعة تعمر المنطقة، ولانحياز رجال الإقطاع إليهم ودعاية رجال الدين من الشيوخ والقضاة في عروق الشعب، وتخلي الروس بعد سنة 1735م، وبعد موت القيصر بطرس الأكبر عن شمال القفقاس لفترة طويلة، ثم تخلِّي العثمانيين بدورهم، وقد بدأ الضعف ينخر بدولتهم، وبالمقابل كانت اتفاقية بلغراد مع روسيا سنة1739م؛ ثم ظهر الضعف فيهم أكثر فأكثر، فدمغوا عليه بخاتمهم في معاهدة كوتشوك قنيارجي عام 1774م، التي سلم فيها العثمانيون منطقة القرم للروس واعترفوا في الوقت نفسه باستقلال شمال القفقاس ( منطقة القبرطاي)، واحتل الروس سنة1873م القرم . وطوق الشركس من الشمال !! ولما كانت قمم القفقاس الثلجية من ورائهم فلم يبقَ لهم منفذ سوى شواطيء بحر قزوين المغلق، وشواطيء البحر الأسود وهم فهود البر
والصخر، أما البحر فمن ذا الذي يمسك مجاذيفه وسكانه؟
في السنوات الثمانين بين عامي 1783-1864 وضعت الخطط الروسية
وخلال هذه الفترة؛ شرِب الشراكسة من وعود الأتراك حتى الثمالة، ولكن
أبداً كان البريطانيون أيضا معهم !!وما شأن انكلترا الامبراطورية التي لا تغيب عن مستعمراتها الشمس (ومثلها فرنسا)، ولا تغيب أصابعها الدساسة عما تحت الشمس! وكان لها في كل عرس قرص وفي كل وادٍ أثر من ثعلبة مصالحها التجارية المتصلة في البر من الهند إلى أوروبا
أوصلتها إلى شمال القفقاس وإلى التظاهر بالصداقة للشركس!
كان همُّ العثمانيين أن يعززوا القوة العسكرية في جيوشهم بهذا الشعب المقاتل المتين للإسلام؛ لاسيما بعد أن توقفت الفتوحات تماماً، وانقطع تجنيد الانكشارية، وكانت تبذل لهم الوعود للانتقال إلى الأناضول وللتجنيد بالجيش والإعفاء من الضرائب وحماية كاملة من السلطان، وكان العثمانيون يحلمون بجعل الشركس جسراً إلى مسلمي تركستان، وإقامة قناة بين نهري الدون والفولغا فهي الطريق المباشر لذلك الحلم .
وكان هم بريطانيا منع روسيا من الاقتراب من طرقها التجارية الرئيسة في شمال القوقاز. بذلت في ذلك أعسل الوعود، فقد قال بالمرستون ذات يوم (لقد تركنا الشركس وحدهم أمام الروس مع أننا نحن الذين طلبنا مساعدتهم ضدهم. واسمحوا لي أن أقول: إننا استطعنا أن نستغل تضحياتهم هذه لمصالحنا على أفضل شكل وبدون أية خسارة من جانبنا).
أما همُّ الروس فقد كان احتلال القفقاس للتقدم نحو البحار الدافئة ومراقبة مضائق البوسفور والدردنيل والسيطرة على تجارة المرور.
كانوا يرسلون الجيش تلوى الجيش، ولكن إلى الفناء وأصبحت المنطقة مقبرة الجيش الروسي فربع هذا الجيش ارتمى أشلاء مبعثرة على تلك الصخور الثلجية فحوالي مليون جندي دفعهم القياصرة الى هناك ما بين تولي كاترين العرش سنة 1762 م، وحتى سنة 1864 ولم يعد منهم احداً.
ثار الشركس مرات ومرات بقيادة الإمام منصور الشيشان سنة 1783م، وكان أول من بدأ حركة المريد الصوفية المقاتلة، فوحد القبائل وقاوم بشراسة وطرد الروس من معظم الأقاليم، وساندته الدولة العثمانية التي أرسلت بطال باشا والياً، فتابع القتال إلى أن التمع له الذهب، فإذا به يتوقف قبل سحق الروس ليأخذ 800 كيلو من الذهب ويهرب إليهم، ولكن هذه الخيانة جاءت بعد أن أسر الروس الإمام منصور، وأصدرت الدولة العثمانية عفواً عاماً عن بطال باشا الذي عاد وعين والياً على طرابزون.
وتابعت المقاومة الشركسية مسيرتها بزعامة غازي محمد مولى ثم الإمام حمزات، وكانت شعارات المريدين المتصوفة شعارات حرب منها (من لا يحارب الروس فمصيره الى جهنم) –الجنة تحت ظلال السيوف – أمة محمد لا تعيش تحت ظل الكفرة – فأقام الروس مقابلها حركة الزاباروز التي حولت الحرب الى صراع ديني.
وهدأت الحرب شهوراً بسبب انشغال الروس بنابليون، وذلك في مطلع القرن التاسع عشر؛ لكن الروس عادوا عام 1822 واحتلوا أجزاء جديدة من القفقاس، وجاءت معاهدة 1829م؛ التي أنهت حرب الأفلاق فكان من بنودها تسليم القفقاس للروس أما العثمانيون، فقد تركوا القفقاس تقرر مصيرها استرضاءً للروس.
ظهر قائد جديد هو الشيخ شامل فقاد المقاومة وفي لبها حركة المريدين
كان عدد الشراكسة حوالي أربعة ملايين، وحشدت روسيا 125 ألف جندي لخنق الشركس في قراهم الجبلية، وهرعوا يناشدون الدولة العثمانية، إذ قالوا إن الدم الشركسي يملأ أوردة السلطان العثماني فأمه وزوجته شركسيتان ودماء الحاشية والوزراء والقادة وكثير من رجال الدولة.
فمنذ عام 1560م حتى عام 1908م، كان الشراكسة عصب الجيش العثماني فقد وصل 400 من رجالهم الى رتبة الباشوية فيه، وكان 12 منهم من الصدور العظام وحوالي 150 ضابطاً رتبة مارشال عدا المئات بعد المئات من الوزراء والقادة والولاة والسفراء.
وعبثاً كانت المناشدة والاستنجاد، فلم يكن شيء يحرك ذلك العملاق الخدر القابع تحت قباب طوبقبوسراي أوضولمة بفجه بل كان يفضل ألف مرة أن يسمع هذا الصوت الضئيل الضعيف البعيد من وراء البحر الأسود على أن يسمع هدير المدافع الروسية قرب البوسفور والدردنيل.
وما جرى للشركس سيجري اليوم للسوريين الذين استنجدوا بالأتراك وما أشبه اليوم بالبارحة.
حاول شامل لم شمل الشركس، فأرسل قائدين من عنده؛ هما محمد أمين وسليمان يمثلانه لدى بعض القبائل الشركسية الكبيرة سنة 1848 لأن قسم من الشركس القبرطاي تخاذلوا وتقاعسوا عن نصرة شامل، فهددهم بأنه سينقض عليهم كالغيوم السوداء التي تقدح شرراً وصواعق فتاكة ولكن تهديده ذهب أدراج الرياح.
إن الفارق بين عدد جيش روسيا، ورقعتها الجغرافية، ومواردها الاقتصادية، وسلاحها الحربي، وبين رقعة الشركس الجغرافية، ومواردها وسلاحها فرق شاسع واسع، فعندما بدأت حرب عام 1856 كانت قد بدأت المأساة الحقيقية للشركس، فقد حاربوا مع الخلفاء العثمانيون والإنكليز والفرنسيين وقاوموا مقاومة فتاكة، وحسبوا أنها فرصة العمر ليحصدوا من مؤتمر باريس ما يريدون ولكن وللأسف لم ينتبه لهم أحد ولو بكلمة واحدة! وخاصة الدولة العثمانية؛ وعندما سئل المندوب الإنكليزي عن حصة الشركس في ذلك المؤتمر أجاب: لا يمكن أن نكون مسلمين أكثر من المسلمين أنفسهم!
وهكذا تركت المنطقة الشركسية لمصيرها، فقد حشدت روسيا 280 ألف جندي لسحق المقاومة، فلم يجد شامل إمام المريدين إلا الإستسلام عام 1859م، ثم تبعه محمد أمين فاستسلم بدوره وانقلب الروس وحوشاً في جلود إنسانية. فكانت عملياتهم عمليات إبادة منظمة. إذ قال الجنرال كراندوك الحاكم العسكري العام للمنطقة (هذا الشعب الشركسي لا نريده في إطار روسيا فإما أن يسحق أو يهاجر). وظلت عمليات القتل والتعذيب والتمثيل بالجثث وحرقها وحرق الزروع وقصف الأكواخ وهدم المساجد وسحل الشيوخ مدة ثماني سنوات حتى عام 1864م، وأصبحت المنطقة روسية، وساد فيها السلم سلم القبور! بعد أن تم تسفير الشركس الى أبعد الأراضي العثمانية كانوا حوالي مليون و400 ألف شركسي، ولعب المكر العثماني التركي دوره في عملية الإسكان، فقد كانت البلقان بخاصة وبعض البلاد العربية في الفترة الحرجة التي تتحرك فيها لطلب الاستقلال عن الرجل المريض، إذ أسكن العثمانيون بعض الشركس في مدن الحدود المتاخمة لروسيا ليكونوا في فم الطوب والحربن فكأنهم نقلوا من جبهة الحرب إلى جبهة الحرب الأخرى. وكذلك في حدود بلغاريا وحول استانمبول لحمايتها ودرعاً لها، ورسموا بالشركس خطاً من السكان يفصل بين الأكراد والأرمن من جهة وبين الأتراك في الأناضول من جهة أخرى؛ اعتباراً من مدينة سينوب وسمسون حتى انطاكية واسكندرونة، وأرسلوا إلى قبرص ورودس ولبنان، وحين احتجت هذه البقاع ورفضت قبولهم استرضاهم العثمانيون بإحراق سفن المهاجرين في لارتقة!
أما مصير أهالي كريت المسلمين، فقد كان أفضل فيمابعد سنة 1899م، فقد اختاروا الهجرة إلى شام شريف لاعتقادهم أن دمشق لا يدخلها الكفار، وتوزعوا في منطقة المهاجرين التي اسمها الحقيقي (مهاجرين كريت)
ووزعوا أيضا على ماردين والحلة وكربلاء؛ ليقفوا ضد تحرك الاكراد والشيعة في هذا الخط وفي منبج وحلب وجنوب عمان والكرك والطفيلة إلى الجولان ليحموا سكة القطار الحجازية.
واستغلت روسيا حربها مع العثمانيين في البلقان سنة 1877 وثورة الحاج علي بك! ومن هو حاج علي بك (هو جد قدور بك القامشلي) بالشركس لتتكرر عمليات التدمير الشامل للمنطقة، وليساق عشرات الألوف من أبنائها الباقين إلى داخل روسيا ولتفرض على العثمانيين ترحيل 150 ألف مهاجر شركسي من البلقان، وسيق هؤلاء من جديد الى الأناضول وبلاد الشام فقد كان نصيب حلب ودمشق 15000 خمس عشرة ألف أسرة ونصيب أضنة خمسة آلاف. وكان الترحيل الثاني أقسى من الأول وأشد مرارة حتى صاح شركسي ضاعت صيحته بين الضجيج (هل نحن غنم؟).
________________________________
المصادر:
1-عشائر الشام، أحمد وصفي زكريا.
2-مجلة العربي، الدكتور شاكر مصفى.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password