نظام الأسد زائل بانتهاء الحرب السورية وإيران وتركيا في وجه العاصفة؟…

 

      لزكين إبراهيم

يشهد الملف السوري تطورات متسارعة من الناحيتين العسكرية والسياسية، ويتم الحديث عن حلول مستقبلية ودستور جديد وشكل جديد للحكم، فهل تتجه سوريا نحو انتهاء الحرب والبدء بالحل السياسي؟ وهل سيخرج النظام ورئيسه الأسد من هذه المعركة الدامية بانتصار أم سيواجهان ما لم يكن بالحسبان؟ ولماذا تستمر المماطلة بمعركة إدلب؟ وما هو مصير تركيا وإيران ودورهما في الملف السوري في حال توافقت القوى المهيمنة على إنهاء الحرب والبدء بالحل السياسي؟ أسئلة سنجيب عليها في هذا الملف اعتماداً على المعطيات الأخيرة حول الملف السوري.

تسارعت تطورات الأحداث الميدانية والسياسية في سوريا خلال العام الجاري، وجلبت معها الكثير من العقد التي تزيد من تعقيد الحل للوضع السوري نتيجة تضارب المصالح للدول المهيمنة على الملف السوري، ولكن هناك أمور ظاهرة وأخرى مخفية سياسياً وعسكرياً أسدلت ستاراً ضبابياً على المشهد المستقبلي للأزمة السورية وطرق الحل، وأحياناً تُظهر للناظر إلى الوضع من الوهلة الأولى سراباً يوهم بأن النظام أو الأسد على وجه التحديد يتجه إلى انتصار كبير وإعادة سوريا لما قبل الأزمة، وأنه بمجرد الانتهاء من إدلب سيخرج الأسد معلناً الانتصار النهائي، لكن لو تعمقنا في حقيقة ما آلت إليه سوريا جراء تحولها لبؤرة توتر عالمية واستلام أقطاب الصراع العالمي لملفها، سنرى أن الخاسر الأول بعد الانتهاء من المعارضة والمتطرفين سيكون النظام نفسه؛ وأن الأسد قد يبقى في الحكم عدة أعوام أخرى ولكن سيجرد من كل شيء ما عدى صفة الرئاسة التي لن تسمن ولا تغني من جوع. وذلك بعد توافق تلك الجهات على الصيغة النهاية لتقاسم النفوذ والجغرافية وملفات إعادة الإعمار في سوريا.

 والسبب وراء قولنا أن النظام سينتهي دوره بمجرد زوال المعارضة وكافة المجموعات الجهادية والإرهابية، هو أن انتهاء تلك المجموعات مرهون بتوافق مصالح الدول المهيمنة على سوريا، لأن القضاء على تلك المجموعات لن يتم بالحسم العسكري من قبل النظام، ومرتبط بمدى توافقات أطراف الصراع الدولية والإقليمية، لأن النظام أصلاً بات يعيش أضعف حالاته وليس كما يتم التصوير له على أنه بات قوياً؛ لأنه أعاد السيطرة على مساحات واسعة من سوريا، فالنظام أساسا بات مجرداً من الإرادة والسيادة بشكل شبه كامل خاصة بما يتعلق في مواضيع الحرب والسلم والحل المستقبلي، فهذه المهام باتت بيد روسيا ومن بعدها إيران، والأمر الآخر أن كل تلك المجاميع التي جمعت في إدلب تم تشكيلها بأيادي الدول العالمية والإقليمية وهذه الأخيرة تملك العصا السحرية التي يمكن من خلالها إخفاءهم جميعاً بلحظة إن أرادوا ذلك، وما جرى في الجنوب السوري ودرعا خير مثال على ذلك، فبعد أكثر من 7 أعوام من وجود كل تلك المجموعات في الجنوب لم يتمكن النظام من القضاء عليهم عسكرياً، ولكن بعد أن جرت التوافقات بين أمريكا وروسيا تبخروا بلمح البصر.

وما يجعلنا نتنبأ بأن مصير النظام السوري ورئيسها سيكون بهذا الشكل، أي التجرد من الهيمنة والصلاحيات المطلقة، ما جاء في “إعلان مبادئ” ورقة المجموعة المصغرة من أجل سوريا والتي تضم كلاً من (فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية والأردن)؛ التي طرحت كرؤية من أجل حل الوضع السوري، ومن بين بنود تلك المبادئ المطروحة التي من شأنها إفراغ النظام الحالي من مضمونه وجعله مع الرئيس بدون صلاحيات، البنود القائلة:

  1. ينبغي تعديل صلاحيات الرئيس لتحقيق توازن أكبر بين السلطات من جهة، وضمانات استقلال مؤسسات الحكومة المركزية والإقليمية من جهة أخرى.
  2. ينبغي أن تقود الحكومة رئيس وزراء ذي سلطات قوية مع تحديد واضح للصلاحيات بين رئيس الوزراء والرئيس. رئيس الوزراء والحكومة يجب تعيينهما بطريقة لا تعتمد على موافقة الرئيس.
  3. يجب تنفيذ إشراف مدني على القطاع الأمني بعد إصلاحه، مع صلاحيات محددة بوضوح.
  4. ينبغي، وبشكل واضح، تخويل السلطات وجعلها غير مركزية، بما في ذلك على أساس مناطقي”.

فهذه البنود والمبادئ المطروحة في حال تم تنفيذها في سوريا بعد اتفاق الأطراف الراعية للملف السوري، فهذا يعني سقوط النظام بشكله السلطوي الديكتاتوري، ولن يبقى للأسد سوى منصب رئاسي فخري بدون أية صلاحيات تمكنه التفرد بحكم البلاد، وسيتم كبح جماح الأجهزة الأمنية للنظام، ومشاركة جميع الأطياف في إدارة البلاد.

كما تضمن الإعلان شروطاً لإعادة فتح العلاقات الدولية مع النظام والاعتراف به من جديد، ومن أهمها والتي من شأنها نسف سلطة النظام الحالي وشلّ سياساته الداخلية والخارجية، هو الشرط القائل: ” يجب أن يقطع النظام علاقاته مع النظام الإيراني ووكلائه العسكريين”. ولا يخفى أن الدعم الإيراني هو أحد أهم الركائز لبقاء النظام ورئيسه الأسد في حكم سوريا، وقطع علاقة النظام مع إيران يعني بطبيعة الحال تلاشي قوة النظام بقطع أهم شريان مغذي له في الهيمنة على سوريا.

ويبدو من التطورات الميدانية الأخيرة في سوريا أن هناك سيناريوهات جديدة يتم رسمها لمستقبل سوريا من قبل القوى المهيمنة، ومنها انطلاق المرحلة الأخيرة لحملة عاصفة الجزيرة الهادفة للقضاء على آخر معاقل داعش شرقي نهر الفرات، بالإضافة إلى حصر كافة المجموعات الجهادية والإرهابية والمعارضة في إدلب والنقاشات حول كيفية إنهائها، وكل هذه التغيرات تجري وسط مساعٍ أمريكا وروسيا تحجيم الدور الإيراني والتركي بشكل تدريجي في الملف السوري. أي أن هناك خطوط عريضة حول مستقبل سوريا متفق عليها ولكن يبقى الاختلاف في التفاصيل.

ولو قارنا بين أهداف تركيا وإيران اللتين دخلتا في الأزمة السورية من أوسع أبوابها منذ البداية، وما آل إليه وضع الدولتين في الوقت الحالي، ودورها في الملف السوري سندرك مدى التراجع وتحجيم دورهما من قبل المحورين الرئيسيين الروسي والأمريكي، فتركيا أجبرت عن التخلي عن الطموح العثماني واحتلال سوريا والعراق بعد انهيار داعش، أما إيران لم تعد قادرة على تحقيق هدفها في إنشاء الهلال الشيعي بعد تحرير قوات سوريا الديمقراطية لمنطقة شرقي الفرات، وبعد الاتفاقات الروسية والأمريكية ومن ورائها الإسرائيلية، وإبعادها 80 كيلو متراً من الحدود الإسرائيلية بعد صفقة الجنوب، والساعية لإنهاء الوجود الإيراني في كامل الأراضي السوريا التي لاتزال عقبة أمام التوافقات الدولية.

ويظهر بوضوح أن دور الدولتين “تركيا وإيران” تتقلصان مع تقلص المجموعات الإرهابية والمرتزقة في سوريا، وكلاهما بات يتخبط لإطالة عمره في سوريا والسعي لإطالة عمر المجموعات المرتزقة معها، إذ ليس من مصلحة الاثنين القضاء على الإرهاب وباقي المجموعات المسلحة في سوريا لأن انتهاء الحرب يعني العد العكسي لانتهاء دورهما ووقوفهما وجهاً لوجه أمام العاصفة الأمريكية الروسية المتصارعين على توزيع الثروة والنفوذ في سوريا والذين لن يهمها حينها سوى مصالحهما في المنطقة.

وإطالة عمر داعش وباقي المجموعات المرتزقة حتى الآن؛ مرتبطة بعدم توصل الأطراف المهيمنة على صيغة نهائية توافقية للحل في سوريا، وبمجرد الوصول إلى تفاهم سينتهي كل شيء، والمماطلة في حسم معركة إدلب جاءت من هذا المنطلق أيضاً، إذ أن الضغوطات الغربية والأمريكية هي من أجبرت روسيا على تأجيل المعركة وليست السياسات التركية، لأن روسيا تستخدم تركيا كأداة لإزالة المجموعات المتطرفة والمسلحة بشكل تدريجي وبأقل الخسائر، ولا تنظر إلى تركيا كقوة يمكنها المواجهة خاصة في ظل ما تعانيه تركيا من أزمة داخلية وخارجية جراء السياسات الحمقاء لأردوغان.

ويمكن قراءة نتائج قمة سوتشي الأخيرة التي جمعت الرئيسين التركي والروسي وخرجت باتفاق على إقامة منطقة منزوعة السلاح في إدلب وتأجيل حسم المعركة من هذا المنطلق، أي الضغوطات التي واجهتها روسيا من الغرب جراء عدم التوافق على صيغة الحل في سوريا، بالإضافة إلى رغبة روسيا شراء بعض الوقت لإثبات أن تركيا لن تسطيع الوفاء بعهودها، وأن نزع السلاح مهمة مستحيلة والطريقة الوحيدة ستكون في نهاية المطاف هي الحرب، وما يؤكد تلك النظرة الروسية لهذه التسوية، تشديد بوتين في أكثر من مرة خلال كلمته في المؤتمر الصحفي المشترك عقب القمة على أن هذه الخطوات جاءت باقتراح من أردوغان، وهو ما يعني تحميله مسؤولية الفشل في تحقيق مهمة تبدو مستحيلة.

أما استبعاد إيران من هذا الاتفاق كان لاسترضاء تركيا أولاً؛ لأن الإيرانيين يدركون أن لديهم خيارات قليلة أمام السياسة الأميركية الجديدة في المنطقة، لذلك يريدون التمركز في سوريا أكثر ونتائج معركة إدلب ستكون حاسمة بالنسبة إليهم، كما أنه يهدف إلى تخفيف الضغط الغربي المكثف الذي تمت ممارسته على بوتين بسبب الدور الإيراني ثانياً. وقبول بوتين هذا الحل الوسط مع أردوغان ربما يكون مناورة بمنطقة منزوعة السلاح إلى حين إعادة التفاوض على بنود جديدة، وفي وضع سياسي دولي أفضل.

بالمحصلة يمكننا القول أن انتهاء داعش وباقي المجموعات المسلحة المرتبطة بتركيا رهن اتفاقات دولية، وبمجرد حصول ذلك الاتفاق الذي يبدو من المعطيات الحالية أنها باتت قريبة ستعيد رسم الخارطة السياسية والجغرافية للمنطقة والتي لن يكون لتركيا وإيران ونظام الأسد الدور الفعال فيه، وما يدعم رأينا هو عدم تمسك روسيا بحليفيها النظامين السوري والإيراني إلا على مدى تحقيق مصالحه عن طريقهما وإلا لما رأينا هذا السكوت الروسي عن كافة الضربات التي توجهها اسرائيل لهما داخل الأراضي السورية بين الحين والآخر، أما تركيا فهي في وضع لا تحسد عليه جراء تدهور علاقاتها مع أمريكا واخلالها بالتزاماتها مع حلف الناتو بتوجهها للقطب الروسي؛ والإصرار على شراء أنظمة صواريخ إس 400 الروسية الأمر الذي يخالف بنود اتفاقية حلف الناتو، وسيسهل تخلي أمريكا عنها، أما النظام السوري لن يتمكن من العيش كما سابق عهده وسيضطر للتنازل عن الكثير من الصلاحيات ليحافظ على ماء وجهه وبقائه ولو شكلياً على سدة الحكم بعد سحب الإرادة منه وتطليقه من إيران. 

 

 

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password