تعرَّف على “هجين” المعقل الأخير والاستراتيجي لداعش شرق الفرات…

     لزكين إبراهيم

بعد تحرير قوات سوريا الديمقراطية كامل صحراء بادية الجزيرة؛ وما تتضمنه من قرى وبلدات ومدن في ريفي الحسكة الجنوبي ودير الزور الشمالي، ضمن حملة عاصفة الجزيرة والمقدرة بمساحة 71360 كم2 وطول 191كم، باتت أعين القوات تتجه صوب مدينة هجين أكبر وآخر معاقل داعش وأهمها على ضفاف نهر الفرات الشرقي. فما هي الأهمية الاستراتيجية لهجين ليتخذه داعش معقلاً أخيراً له، وما تاريخها، ومن يقطنها؟

بلدة هجين آخر معاقل داعش:

مع الإعلان عن “معركة دحر الإرهاب” آخر مراحل حملة عاصفة الجزيرة تتجه أنظار العالم أجمع إلى آخر جيوب ومعاقل مرتزقة داعش شرقي نهر الفرات، ومنها بلدة هجين التي تعتبر معقلاً استراتيجياً لتنظيم داعش شرقي الفرات في سوريا.

تتبع بلدة هجين لمنطقة البو كمال في دير الزور، بلغ عدد سكان الناحية 97,870 نسمة حسب احصائية عام 2004. تقع على الضفة اليسرى لنهر الفرات في سوريا، ويحيط النهر بها من ثلاث جهات حيث تنتشر مزارعها وبيوتها على سهل فيضي ذي تربة لحقية كونتها ترسبات النهر.

تاريخ هجين وتسميتها:

يعود تاريخ إعمار البلدة إلى ما يقارب 265 عاماً تقريباً، وتعود تسمية البلدة نسبة إلى سكانها الذين كانوا يمتازون بتربية الإبل سريعة العدو؛ والتي تسمى “بالهجن” لذلك أطلق عليهم اسم ” أهل الهجن ” ومنها جاءت تسمية (هجين).

الموقع الاستراتيجي:

تبعد بلدة هجين مسافة 110 كم من دير الزور وحوالي 35 كم عن مدينة البو كمال، تقدر مساحة البلدة بحوالي250 كم2 دون القسم الصحراوي منها في حين تشكل مساحتها مع القسم الصحراوي حوالي 1250كم2.

 تعتبر بلدة هجين مركز ناحية وتضم عدة قرى ومزارع وهي: “غرانيج الشرقي والغربي، الكشكية، أبو حمام، البحرة، حوامه، وأبو الخاطر، أبو الحسن، وتحتضن البلدة عدة أحياء منها “أحياء السوق، حي حوار، القلعة، العشرين، وترتبط بمدينة دير الزور بطريق يحاذي نهر الفرات وطريق آخر يربطها بمدينة البو كمال.

يعمل معظم أهالي البلدة بالزراعة وخاصة القطن والقمح والشوندر السكري والخضار والأشجار المثمرة ومنها النخيل، كما يعمل قسم من السكان بتربية المواشي كالأغنام والأبقار.

الحياة الطبيعية في هجين:

بلدة هجين تميزت بكثرة قطعان الغزلان والأرانب والحيوانات البرية فيها؛ كونها أرض خضراء وخصبة، ووفيرة المياه العذبة لوقوعها على الضفة الشمالية لنهر الفرات، وتكثر فيها الأشجار وخاصة أشجار الحور، والصفصاف والطرفة لذا تعتبر من المناطق ذات الكثافة السكانية.

من هم سكان بلدة هجين؟

يعيش في بلدة هجين أكبر عشيرة عربية وهي عشيرة البو حردان، يعود نسبهم إلى قبيلة العبيد، وهم سكان مدينة كركوك أصلاً جاؤوا إلى سوريا إثر خلافات عائلية بينهم وبين عمومتهم؛ حيث تنقسم هذه العشيرة إلى عدة أفخاذ منهم:

البوحردان؛ وهم فئة من قبيلة العبيد، جاؤوا من حويجة العبيد في العراق، إثر خلاف بينهم وبين أبناء عمومتهم، اضطرهم إلى ترك موطنهم حيث ساروا مع نهر الفرات وسكنوا هجين إلى يومهم هذا، ومن صفاتهم الكرم والشجاعة، ويشكلون حالياً 60% من مجموع السكان القاطنين في المدينة.

البوخاطر؛ يقال إنهم أبناء عمومة مع البو حردان كونهم أبناء قبيلة واحدة ويسكن هؤلاء أطراف الحي الأوسط من المدينة حالياً ويشكلون حوالي 13% من السكان. (ينتسبون إلي قبيلة طيء العربية).

قبيلة الدميم؛ ويختلف نسبهم عن نسب القبائل الباقية، حيث ينحدرون من قبائل كانت تقطن الجزيرة العربية، ويسكنون الحي الغربي من المدينة ويشكلون 17% من السكان.

 (قبيلة البوهيازع)؛ يسكنون الحي الشرقي وهم فخذ من قبيلة العبيد العراقية، معظمهم مهاجرون إلى دول الخليج، وتوجد نسبة كبيرة منهم في بلدة الرمادي، ويشكلون نحو 7% من نسبة السكان.

 (المختلطون)؛ ولا تتجاوز نسبتهم 3% من السكان وهم من غير العرب (الكرد – التركمان) وجماعة من قبيلة بني جحش وهي من أصل عربي.

ثقافة أبناء المنطقة:

يتميز أبناء بلدة الهجين بحصولهم على شهادات جامعية مختلفة لارتباطهم بالتعليم بشكل كبير مما جعل معظم أبناء المنطقة مثقفين وحاصلين على الشهادات الجامعية كالهندسة، والصيدلة والطب وغيرها من الشهادات العلمية.

وبعد سيطرة مرتزقة داعش عليها خرج معظم أبناء المنطقة الحاصلين على الشهادات الجامعية إلى الدول المجاورة كالخليج العربي والعراق.

هجين حديثاً:

كانت هجين عبارة عن قرية صغيرة تعتمد على الزراعة وتربية المواشي وتفتقر لأبسط الخدمات وخاصة الخدمات الأساسية. وبعد قيام عام 1963 أصبح في هجين جمعية فلاحية تعاونية ومستوصف وتم ربطها بمدينة دير الزور ومدينة البو كمال بطريق ترابي.

بقيت القرية على حالها حتى عام 1983 ثم أصبحت مدينة بموجب المرسوم السوري رقم 42 لعام 1991، وتم إعداد المخطط التنظيمي للمدينة، وشق الطرقات وإنارة المدينة بالكهرباء وتنفيذ شبكة الهاتف نصف الآلي ومحطة تصفية مياه الشرب ومركز الشرطة ومقر الناحية ومعمل السجاد اليدوي والمركز الصحي ومركز التوليد الطبيعي وبناء مركز الكهرباء ومركز العمران ومصلحة الزراعة ومركز هاتف حي البحرة ومركز للمستهلك وجمعية تعاونية استهلاكية، كما تم بناء المدارس في أنحاء المدينة والريف ثم تنفيذ شبكة المياه الحلوة والصرف الصحي في قسم كبير من أحياء المدينة وتم إنشاء فرن آلي والسوق التجاري وتم إنارة شوارع المدينة.

تم إنشاء مستشفى مجهز بأحدث الأجهزة التي يمكن ألا تتواجد في البلاد، كما تم اعتماد مركزين طبيين مستقلين ومركز طبي مدرسي للمدينة. ويوجد فيها مستشفىً خاص، وتم إنشاء فرع للمصرف الزراعي في المدينة، ومجمع تربوي تابع لوزارة التربية. ومركز إطــفائي مجهز بالكامل مع طواقمه، وتم إنشاء جسر القطار الذي يربط ضفتي نهر الفرات ويعد مشروعًا حيويًا للمدينة.

هجين والأزمة السورية:

في بداية الأزمة السورية سيطرت المجموعات المسلحة التي تسمي نفسها بالـ “الجيش الحر” على بلدة هجين بعد أن انسحبت منها قوات النظام السوري في أواخر عام 2013،  فقام الجيش الحر بتوريط الشبان والعوائل معهم من خلال إغرائهم بالمال الذي سرقوه من الشعب السوري، فبعد أشهر من السيطرة سلم ما يسمى بالجيش الحر البلدة إلى مرتزقة داعش وانسحبوا منها، ووصف بعض الأهالي العملية بتغيير الرايات والوجوه فقط، ومع تسليم المنطقة لداعش دون أي معارك قامت الأخيرة بارتكاب مجازر بحق الأهالي الذين ورطهم الجيش الحر بالانضمام إلى صفوفهم، وأجبرت الشباب على الانضمام إلى صفوف داعش هذه المرة.

داعش تستفيد من استراتيجية هجين:

 مدينة هجين تأتي استراتيجيتها كونها يحيط بها نهر الفرات من ثلاثة أطراف وتعتبر منطقة ضحلة وكثيرة المزارع حيث يستفيد منها داعش في تحركاتهم وتشكيل خطوطهم الدفاعية بحسب قياديين عسكريين مواكبين لحملة عاصفة الجزيرة، إلى جانب ذلك فهي تعتبر أكبر معقل لداعش في الضفة الشرقية للفرات ومركزاً لهم.

كما أن الآلاف من عناصر داعش الأجانب ومن قيادات داعش، جعلوا من المدينة مركزاً حصيناً لهم على مدى فترة حملة عاصفة الجزيرة وانسحابهم تدريجياً إلى هذه النقطة إلى جانب بلدتي الشعفة والسوس التابعتين لمنطقة البو كمال على ضفة الفرات الشرقية.

مناشدات أهالي هجين لتحريرهم من داعش:

بعد ازدياد ظلم وانتهاكات تنظيم داعش بحق أهالي البلدة وكثرة القتل والذبح والمجازر، والتهجير، ناشد أهالي بلدة الهجين التي يحتلها داعش، قوات سوريا الديمقراطية لتحرير بلدتهم عاجلاً من يد داعش، وذلك عبر رسالة كتابية وجهت إلى قيادات القوات، منوهين فيها إلى تعرضهم لممارسات لا أخلاقية من قبل داعش، وأكدوا أنهم على أهبة الاستعداد للمشاركة في عملية تحرير هجين لدى اقتراب الحملة من بلدتهم.

وجاء في الرسالة “نحن كشعب في بلدة هجين من الأناس الذين يعتمدون على أنفسهم وليسوا بحاجة لأحد، هناك قلة قليلة من أبناء المدينة ممن غرر بهم وانضموا إلى داعش”.

وقالوا:” نحن جميعاً مستعدون لنشارك في تحرير البلدة، وكل من يقول إن أهل هجين، لهم انضمام قوي في صفوف داعش، هذه الافتراءات غير صحيحة ونحن مستعدون لمواجهة هذه الافتراءات”.

وأوضح أبناء بلدة هجين إلى أنه وبعد هزيمة مرتزقة داعش في معركة الرقة صعدوا من اعتداءاتهم بحق أهالي هجين، بسبب قدوم عناصر غريبة إليها، ومارسوا أعمال لا أخلاقية بحقهم حتى داخل المساجد.

وطالب الأهالي من خلال الرسالة قيادة قوات سوريا الديمقراطية بالإسراع في عملية تحرير هجين، قائلين في الرسالة: “نناشدكم بأن تسرعوا بتحرير هجين حتى نعود إلى بيوتنا معززين مكرمين، لأننا نعلم أنه وبعد رجوعنا سنرى السلام والاستقرار في هجين”.

حملة عاصفة الجزيرة و”معركة دحر الإرهاب” الهادفة لتحرير هجين:

تمكنت قوات سوريا الديمقراطية خلال حملة عاصفة الجزيرة التي بدأت في الـ 9 من شهر أيلول عام 2017 من تحرير العشرات من القرى والمزارع في الضفة الشرقية من نهر الفرات، وتنظيف الحدود السورية العراقية من تنظيم داعش بشكل كامل. ومن ثم توجهت أنظار قوات سوريا الديمقراطية صوب بلدة هجين التي هي الآن آخر معاقل داعش في شمال وشرق سوريا؛ وآخر مرحلة من حملة عاصفة الجزيرة التي أطلقت عليها اسم “معركة دحر الإرهاب” لتحرير الريف الشرقي لمدينة دير الزور بشكل كامل، والتي أعلن عن انطلاقتها خلال مؤتمر صحفي لقوات سوريا الديمقراطية في بلدة الشدادي التابعة لمدينة الحسكة بتاريخ 11 أيلول 2018 الجاري.

الحملة تسير بحذر بهدف تحرير المدنيين والمختطفين لدى داعش:

ولدى الإعلان عن انطلاق المرحلة الأخيرة من معركة دحر الإرهاب وضعت قوات سوريا الديمقراطية وقوات التحالف الدولي في أولويات حملتهم كيفية تأمين خروج آمن للمدنيين العالقين في المدينة ممن تم خطفهم أو سبيهم على يد داعش من سوريا والعراق، والذين تستخدمهم تنظيم داعش كدروع بشرية في تحركاتهم وهجماتهم.

فخلال استئناف المرحلة الثانية من حملة عاصفة الجزيرة ألقت قوات التحالف الدولي مناشير على دفعتين فوق المدينة ليتمكن المدنيون من الابتعاد عن نقاط تمركز وتحرك داعش في المدينة قبل كل غارة أو عملية مباغتة لقوات سوريا الديمقراطية التي تطل بنقاطها مباشرة على المدينة حالياً.

وقد تمكنت القوات حتى الآن من فتح ممر آمن نزح عبره آلاف المدنيين الذين كانوا يعيشون حياة مليئة بالرعب في ظل حصار داعش لهم، وعدم إتاحة الفرصة للمدنيين للهروب نحو المناطق التي حررتها قوات سوريا الديمقراطية معتبرين إياها “ردة وكفر” وخروج عن الدين الإسلامي بحسب ما رواه النازحون أثناء وصولهم إلى المناطق المحررة.

إنشاء مخيم مؤقت وتقديم الإغاثة لأهالي هجين الناجين:

يعمل مجلس دير الزور المدني بالتنسيق مع مجلس سوريا الديمقراطية على تأمين احتياجات نازحي منطقة الهجين في مخيم تم إنشاؤه من قبل المجلس أطلق عليه اسم مخيم “الإيواء”.

مجلس دير الزور المدني وبالتنسيق مع مجلس سوريا الديمقراطية، يقدمون الاحتياجات الغذائية والصحية والسكنية للنازحين، حيث وزعوا أكثر من100 خيمة، لإيواء النازحين، كما وضعوا 15 خزاناً لمياه الشرب في المخيم.

كما تم توزيع سِلال غذائية وطبية بالإضافة إلى ألبسة أطفال، على الأهالي الفارين من داعش.

كما يعمل مجلس دير الزور المدني على توزيع مياه الشرب عبر الصهاريج على أهالي قريتي ذيبان وغرانيج شرقي اللتان تم تأمينهما.

ويبقى انتظار إعلان ساعة الصفر بيد ق س د لتقوم بعد تحرير الهجين بعمليات تمشيط وتنظيف واسعة لتأمين تلك البادية وفتح الباب أمام المدنيين للعودة بسلام وتنظيم أنفسهم ضمن مجالسهم لإزالة الظلام والسواد وإعادة الحياة مرة أخرى إلى البادية السورية.

أما الآن فتقترب قوات سوريا الديمقراطية والتحالف الدولي من إنهاء وجود داعش كجغرافية متكاملة في شمال شرقي سوريا بشكل نهائي.

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password