ثورة في روج آفا (الإدارة الذاتية الديمقراطية، وتحرير المرأة في الشرق الأوسط)…الجزء الثالث عشر.

 

تأليف: مايكل كناب، آنيا فلاخ، أرجان آي بوغا

التقديم: ديفيد جرايبر

الكلمة الختامية: آسيا عبد الله

الإعداد وترخيص النشر باللغة العربية: منتدى الفرات للدراسات.

الإدارة الذاتية الديمقراطية في روجآفا:

 

13- التحديات البيئية:

يواجه مجتمع روجآفا الراديكالي الجديد تحديات إيكولوجية كبيرة: في إنتاج واستهلاك النفط والغاز؛ وفي الزراعة والنقل، وفي التخلص من النفايات ومعالجة مياه الصرف الصحي وبناء المساكن. كانت الأولوية لنظام البعث استغلال العناصر الطبيعية مع أكبر قدر من الكفاءة لتقليل الإنتاج الزراعي على المدى الطويل، والحفاظ على الخدمات العامة الأساسية بأقل قدر. قلما كان التفكير بالعواقب البيئية. الآثار السلبية الناتجة هي إرث خطير، ومع ذلك تواجه روجآفا اليوم المزيد من التحديات نتيجة الحرب والحصار. وقد تم تجاوز بعض الآثار الإيجابية للثورة بشكل عام عن التراكمات السلبية.

بدأت حركة التحرر الكردية تحليل الأزمة البيئية المتفاقمة في التسعينيات من القرن الماضي، وترتبط مع الهياكل الهرمية والحداثة الرأسمالية، خصوصاً في النيوليبرالية. في هذا الصدد، وقفت الحركة من بين معظم الحركات اليسارية الأخرى في كردستان وتركيا. أخذ البعد البيئي مكانه في المفهوم السياسي للنظام الكونفيدر إلي الديمقراطي، وضعت في أعوام الـ 2000. أعلن عن النموذج (البراديغما) في عام 2005م، ومؤكداً أن البيئة هي بقدر الديمقراطية والمساواة بين الجنسين.

من خلال التركيز وخصوصاً الحفاظ على الأنواع وتغير المناخ، فإنها أدخلت الوعي البيئي في المجتمع الكردي لأول مرة. في حين كان الخطاب قبلها على البيئة ضحلاً، في السنوات القليلة الماضية، أُدرك الأسباب لتحويل الحياة بيئياً، ويناقشون الآن أنه مبادئ علم البيئة يجب أن تصبح أساسية في كل جانب من جوانب المجتمع الحر. جميع البشر هم جزءٌ من الطبيعة، ويمكنهم الاستفادة من بعض العناصر في الطبيعة، لكنهم ليسوا كائنات متفوقة. وانتقدت حركة حرية كردستان المستويات العالية من الاستهلاك العالمي من الطاقة والمواد، بحجة أنه يجب أن يكون أقل من ذلك بكثير وعلى قدم المساواة للجميع.

في روجآفا، لم يكن الوعي البيئي العام كبيراً في بداية الثورة كما كانت عليه في المجتمعات الأخرى في الشرق الأوسط. ويبقى محدوداً إلى حدٍ ما، وحتى نشطاء الحركة يسعون لتحويل المجتمع باستمرار مع الوعي الإيكولوجي.

 

تدمير التنوع البيولوجي:

في العصور القديمة، كان شمال سوريا عبارة عن غابات كثيفة، ولكن ثلاثة آلاف سنة من قطع الأشجار قد جردت المنطقة من الغالبية العظمى للأشجار. وخصوصاً منذ منتصف القرن التاسع عشر، والسكان المحليون الذين شهدوا نمواً سريعاً استخدموا الخشب على نطاق واسع. في عفرين، الغابات القديمة من السنديان والصنوبر لا تزال تغطي على الأقل الثلث من المنطقة عند خط سكة حديد برلين- بغداد، وتم العمل بها من 1904-1921، و بذلك أدى إلى قطع الأشجار بمساحات واسعة للحفاظ على تشغيل القاطرات البخارية. تم استبدال الغابات بمزارع الزيتون العملاقة، كان ذلك تضيّقٌ على التنوع البيولوجي. كانت في كوباني أيضاً غابات السنديان، لكنها كانت أقل كثافة من عفرين. اختفت كلها على حساب زراعة القمح بشكل أساسي وأيضاً الشعير والقطن والزيتون والعنب.

كانت الجزيرة أيضاً تمتلك غابات السنديان وبعض المستنقعات حتى تحولت أراضيها كلياً لإنتاج القمح. وحتى قبل ثمانين عاماً في خارج مدينة عامودا كان هناك غابة شهيرة مع مستنقعات، وكانت الغزلان متواجدة بكثرة. وعلى مدار التاريخ هذه الحيوانات كانت مطْمَعاً للجميع وتهالكت بفعل الصيد، وفي القرن العشرين أصبحت منقرضة. آخر “الأشجار الطبيعية” اختفت منذ نصف قرن، واختفت معظم الأنواع النباتية والحيوانية من المقاطعة. توقفت كل المناطق البرية باستثناء تلك التي تستخدم للتوطين والطرق والتعدين وتربية المواشي عن الزراعة.

في السبعينيات من القرن الماضي، ولضمان أن المزارعين المحليين سوف لن يزرعوا سوى القمح، نشرت الدولة السورية شائعات أن البندورة على الجانب التركي من الحدود قد أصابها المرض الذي يمكن أن ينتشر إلى مقاطعة الجزيرة، ويدمر جميع المحاصيل لسنوات قادمة. وليس فقط البندورة ولكن كل الفاكهة والخضروات تجنبوها بشكل طوعي. وتم تشجيع القرويين على عدم زراعة الأشجار لأن ذلك يعني مصادرة الأرض منهم، وأنه لن يتم تعويضهم. وقد نُسيت تجربة زراعة الأشجار.

تبدأ مناقشات يومنا هذا من منطلق؛ أن زراعة كردستان السورية يجب أن تكون متنوعة من أجل الاكتفاء الذاتي. وتنويع المحاصيل سيقوّي التربة؛ ويكون أفضل للنباتات والحيوانات بشكل عام. وتناقش مقترحات لنشر شبكة من الغابات الصغيرة؛ أو حتى الأراضي غير الزراعية، في موطن متصل، أو زراعة الأشجار على الأقل بين المزارع، ولكن للأسف أنها لا تزال في طور المناقشة. ليس لدى صناع القرار السياسي ولا القرويين الكثير من الوعي الإيكولوجي. الذاكرة التاريخية للأشجار كانت موجودة ولكنها انتهت. والحرب الجارية قد جلبت العديد من الاهتمامات الأخرى. إذ توجّب أن يتعزز التنوع البيولوجي على المدى الطويل، فعلى المنظمات السياسية أن تضع زراعة الشجرة والغابة على جدول الأعمال، لأن المزارعين لن يستطيعوا القيام بذلك بأنفسهم في المدى القريب. والجيد بالموضوع أنه في ربيع عام 2015م، زرع النظام السياسي الجديد أول “حديقة وطنية” التي تضم الأشجار المتنوعة بالقرب من مدينة ديريك.

في السبعينيات من القرن الماضي؛ بدأت الدولة السورية بتطبيق الأسمدة الكيماوية والمبيدات الحشرية على المحاصيل، والتي أضرت بلا شك نوعية التربة والمياه الجوفية. ولكن فرض الحصار أجبر معظم المزارعين إلى استخدام عدد أقل من المواد الكيميائية، وتطبيقها فقط على ربع أو ثلث مستوياتها السابقة. مالكو الأراضي الكبيرة استخدموا الكثير من المواد الكيميائية لأنهم ميسورون. وبعض المزارعين الصغار عادوا إلى الاستخدام التقليدي للسماد، ولكن في عام 2015 لم تكن كثيرة. استخدام المخلفات العضوية كسماد ساعد على حماية التربة والمياه والطبيعة حتى لو أنها خفضت الإنتاج. فمقاطعة الجزيرة ينمو فيها فائض من إنتاج القمح، فانخفاض المحصول إلى 50 في المئة لن يكون مشكلة خطيرة من وجهة نظر الغذائيين، وعلى الرغم من ذلك فلا بدّ من إيجاد وسيلة لتعويض المزارعين المتضررين.

في أواخر عام 2015. تشديد الحصار تسبب في ازدياد أسعار الأسمدة لأربعة أضعاف. ونتيجة لذلك، اختار العديد من المزارعين زراعة جزء من أراضيهم أولا شيء على الإطلاق. ومن المتوقع حدوث انخفاض شديد في الإنتاج الزراعي في عام 2016. وفي الوقت نفسه

 الخطط جارية للتغلّب على نقص الأسمدة الكيميائية من خلال إنشاء مرافق في عدة مناطق؛ لتصنيع السماد العضوي محلياً، وذلك باستخدام النفايات من المدن والمزارع. إن هذا التحول ليس من شأنه سوى جعل الاقتصاد أكثر اعتماداً على الذات مكتفية، بل من شأنه أن يحسّن نوعية المنتجات الزراعية والتربة، ومن شأنه أيضاً أن يعزز التنوع البيولوجي.

 أزمة المياه:

في 2012-2013 نقص المياه المتوقع منذ فترة طويلة أصبح حقيقة وواقعاً. نهر الخابور، الذي ينبع من شمال كردستان، والتي تغذيها الينابيع في سري كانيه ويتدفق نحو الحسكة ثم يصب في الفرات، يتدفق فقط لبضعة أشهر الشتاء. ما تبقى من الوقت، يكون جافاً. ما عدا ذلك جدول رومزيان؛ الذي يتدفق من منطقة ديريك باتجاه الحسكة، يجري فيه الماء في خمسة أو ستة أشهر من السنة فقط. إلا نهر جقجق الذي ينبع من جبال ماردين في شمال كردستان، ويتدفق بالقرب من نصيبين وقامشلو يجري فيها المياه على مدار السنة تقريباً.

في الجزيرة وكوباني، متوسط منسوب المياه في الأنهار آخذ في الانخفاض، مما يعوق قدرة الأنهار لنقل مياه الصرف الصحي إلى المصب. وعلاوة على ذلك فإن نوعية مياه نهر الجقجق هي مفزعة، حيث أن 100 ألف نسمة من سكان نصيبين يفرغون مياههم الصرف الصحي غير المعالجة إلى النهر. وأي شخص يسبح فيه سيمرض بلا شكّ. وما زال القليل من المزارعين يستخدمون المياه من النهر لري حقولهم، وعلينا أن نتخيل بسهولة العواقب الصحية الناتجة من ذلك.

محطات معالجة مياه الصرف الصحي في قامشلو وسري كانيه؛ هما حالياً خارج الخدمة، لذلك يتم توجيه مياه الصرف الصحي الآن مباشرة من قنوات الصرف الصحي إلى الأنهار دون معالجتها. وقد خططت نصيبين لبناء منشأة جديدة لمعالجة المياه، ولكن تم وقف البناء بسبب صعوبات مالية، ومؤخراً أيضاً بسبب التدمير الذي طال المدينة من قبل الجيش التركي في ربيع عام 2016م.

وعندما تحدثنا مع مسؤولي بلدية قامشلو في عام 2014م، ويبدو أنهم يدركون تماماً المشكلة، ولكن بسبب قلة الوسائل المالية والتقنية، تكون الإمكانيات لتنظيف النهر قليلة. ومع ذلك، فهم عازمون على الأقل تنظيف الأوساخ الملقاة على ضفتي النهر داخل المدينة. لا يزال الناس يرمون القمامة من على الجسور والطرقات على ضفتي النهر أو مباشرةً في مجرى النهر، وإن كان أقل مما كانت عليه في الماضي. وبالعمل مع السكان القريبين، وخاصة أصحاب المحلات والمدارس تستعد بلدية قامشلو بالقيام بحملة لإزالة تلك الأوساخ، وفي أماكن أخرى حيث ما زالت مرافق الصرف الصحي والموظفون المسؤولون على معالجة المياه يفتقرون إلى المعرفة التقنية اللازمة، لذلك يلجؤون إلى الصيانة كحدٍ أدنى.

في فصل الصيف، عندما يحدث نقصاً في المياه في قامشلو، لحسن الحظ يمكن للمياه أن تُنقل عبر خط أنابيب من ديريك، حيث بنيّ سدٌّ قبل عدة سنوات وله بحيرة مليئة بالماء حتى الآن. ولا تزال مياه الشرب متاحةٌ بالقرب من الحدود مع شمال كردستان، كما هو الحال في سري كانية. ويتم استخراج المياه في مدينة سري كانية بواسطة خط أنابيب وهي تحت سيطرة YPG.

المياه الجوفية:

لعدة قرون كان شعب روجآفا يستخرجون مياه الشرب من الآبار الجوفية. ونوعيتها كانت جيدة، حتى من دون تصفية. عفرين ومنطقة ديريك لديهما أكبر احتياطيات المياه الجوفية.

لكن مستويات المياه الجوفية انخفضت. قبل بضعة عقود؛ كان حفر 10 أو 20 متراً كافياً لاستخراج المياه. ووفقاً لبعض الناس الذين حاورناهم؛ الآن يكون الحفر بين 100-200 متراً. وعلى مرور الزمن أصبحت مضخات المياه والأنابيب قديمة، والذي يسبب في فقدان الماء ويقلل من جودته. وفي ظل الحصار، لا تستطيع روجآفا تأمين قطع الغيار لهم.

الأزمة الشديدة للمياه الجوفية هي في مدينة الحسكة والمناطق الجنوبية الأخرى. تاريخياً كانت الحسكة (300 ألف نسمة) تستخرج مياه الشرب من باطن الأرض، ولكن في العقود الأخيرة، وذلك بسبب الزراعة الصناعية، انخفضت نوعية المياه الجوفية بشكل كبير. والسبب هو أن جميع الأنهار والجداول في الجزيرة تلتقي في مدينة الحسكة، حيث يحملون معهم بقايا المنطقة بأسرها من الأسمدة الكيماوية، والمبيدات الحشرية ومبيدات الأعشاب. على كل بناية توجد خزانات ماء في الحسكة. وتُجلب مياه الشرب من الآبار في منطقة سري كانيه، وتوزع في الحسكة مرة واحدة كل ثلاثة أيام ولمدة ست ساعات فقط.

دور تركيا:

تسيطر تركيا على نهر الفرات، الذي يصب في الكانتونات الثلاثة، عن طريق وضع نظام شامل للسدود. من خلال مشروع جنوب شرق الأناضول الجاري (GAP) وقد بنت 24 سداً و 17 محطة كهرومائية على نهر الفرات. هدف واحد من السدود هو بناء خزانات مائية لأجل الري.

إذا وقفتَ على تلة على حدود روجآفا مع تركيا، سوف ترى بلمحة واحدة أن الحقول أكثر خضاراً على الجانب شمالي كردستان مما هو عليه على جانب روجآفا.  والسبب هو أن التدفق المائي قد تراجع لسنوات نتيجة لهذه السدود.  كما حوّلت تركيا مياه الري من الأنهار مباشرة. وقد قلّل هذا الري الصناعي في نوعية المياه التي تتدفق إلى روجآفا.

كما تشترك روجافا بمخزون المياه الجوفية مع تركيا، ولكن على مدى السنوات ال 15 الماضية، جعلت محركات ذات أسعار رخيصة وفعّالة لتركيا أسهل بكثير أن تضخ المياه بها. لم تضع الدولة التركية أي ضوابط على الآبار التي يتم استخراج المياه الجوفية منها لأغراض الري. وهكذا تم تخفيض منسوب المياه الجوفية بشكل كبير، ومع عواقب كارثية محتملة لروجافا. حتى ولو كانت بعض المياه المستخدمة في الري تتسرب مرة أخرى إلى الأرض، ولكن فقدان الماء لهو أمر مهم.

إضافة إلى السياسة المائية التركية، فإن تغير المناخ يساهم أيضا في ندرة المياه. منذ نهاية التسعينيات من القرن الماضي شهدت منطقة مستجمع مياه نهري الفرات ودجلة (أي شمال كردستان وروجآفا وسط شرق سوريا والعراق، وغرب إيران) نسب أقل من 8 إلى 10في المئة هطول مطري، والتي تستنزف المزيد من مياه الأنهار.

مقارنة بشمال كردستان، تستخدم روجآفا كميات أقل من المياه للدونم الواحد؛ تدير الدولة السورية الماء بشكل أفضل مما تفعله تركيا في إدارة الماء، ولكن كميات المياه المستخرجة لا تزال كبيرة وغير مستدامة على المدى الطويل. وهنا الكثير من سياسات المياه قد قلّلت المياه الجوفية. وعلى مدى عقود، لطالما حصلت الجزيرة على المياه من أجل الري من حوالي ثلاثة آلاف بئر. بعد الثورة، تم رفع الرقابة عن الآبار، وفي الوقت الحاضر عدد الآبار غير معروف، كان ناشطو TEV-DEM الذين تحدثوا إلينا مدركين أن مستويات المياه الجوفية آخذة في الانخفاض، ولكن لم يكن لديهم خطط تنفيذية مفصّلة لإدارة استخدام المياه الجوفية بشكل مناسب.

في أيار2016م، قرّر مجلس الزراعة في كانتون كوباني الحدّ من عدد من الآبار لحماية المخزون. ويجب أن يتكرّر هذا القرار الصائب، ولا سيما في مقاطعة الجزيرة، ويجب تطبيق وضع الحدود بحذافيرها لذلك ورصدها أيضاً.

حتى لو كانت تركيا وروجآفا تنويان تنفيذ سياسات مائية ممتازة، وحتى لو كانت كمية الأمطار سترتفع فجأة، فإن تجديد المياه الجوفية لتقريبها للمستويات السابقة تستغرق عقوداً. لكن تركيا لن تتبنى السياسة المائية الاجتماعية الإيكولوجية بسهولة؛ لأن ذلك سوف يتطلّب تحولاً سياسياً كبيراً.  يمكن لروجآفا أن تُسهم قليلاً بحد ذاتها، لأن معظم مياهها الجوفية تأتي من شمال كردستان. ومع ذلك، يمكن للإدارة الذاتية الديمقراطية في روجآفا اتخاذ بعض التدابير للتّخفيف من آثار المشكلة، مثل تنظيم عدد وسِعة الآبار.

إضافة إلى إدخال هكذا ضوابط، وقوانين ولوائح يجب على روجآفا رفع مستوى الوعي.  إن تثقيف الناس بأن عليهم استخدام كميات أقل من المياه واستخدامها بشكل أكثر كفاءة سوف يكون له تاثيرٌ أكبر بكثير من التهديد بمعاقبة أولئك الذين يرتكبون المخالفات. كما أن المناقشات والندوات مع المزارعين والجهات الفاعلة الأخرى يمكن أن تكون مفيدة للنجاح على المدى الطويل.

يجب على روجآفا أيضاً النظر فيما إذا كان يجب إخراج بعض الأراضي الصالحة للزراعة من الري، وخاصة لزراعة القمح. في الواقع، يجب ألّا يعوّق خفض إمدادات المياه عملية تنويع المحاصيل، والمحاصيل الجديدة التي يتم إدخالها يجب أن تكون تلك التي تتطلب القليل من الري أو لا تتطلبها بالأصل. يجب أيضاً أن تتم مناقشة تقنيات وأساليب ريّ فعّالة أكثر، حتى لو كان الحصار يقف حائلاً في تنفيذها في المدى القريب.

  التخلص من النفايات:

إحدى المشاكل البيئية الخطيرة الأخرى هي: الصرف الصحي والتخلص من النفايات، والتي تعد أيضاً من قضايا الصحة. بعد التحرير، توقف نظام التخلص من النفايات في روجآفا، والتي تمت صيانتها من قبل إدارات البلدية، في عدة مدن. في كوباني وعفرين وديريك وتربسبية، استمرت عملية تجميع القمامة دون انقطاع ملحوظ كما بعد أن استلم مجلس MGRK الإدارات، وبقي أفراد البلدية في أماكنهم، ولكن في قامشلو استمرت المشاكل لعدة أشهر. انسحب إداريو الدولة السورية إلى الأحياء التي تسيطر عليها الدولة، ونتيجة لذلك في خريف-شتاء 2012- 2013 لم يتم تجميع القمامة في معظم أحياء قامشلو. ولكن بعد أسابيع قليلة، نظمت الشبيبة الثورية حملة لجمع القمامة. شارك اتحاد ستار في الحملة، والتي ساهمت في زيادة الوعي وتسريع عملية إنشاء إدارة بلدية جديدة في قامشلو وفي أماكن أخرى.

وبحلول عام 2014م، تم العمل في خدمات جمع القمامة والتخلص منها في كل مكان في روجافا. كما تم إعادة توظيف الشاحنات الصغيرة والشاحنات الخفيفة، والجرافات كشاحنات قمامة. في أيار عام 2014، كان لدى إدارة البلدية في قامشلو سبع سيارات متوفرة، لكنها لم توفِ بالغرض وكانت بحاجة إلى تصليحات. إذ أن الحرب والحصار جعلا من الصعب الحصول على شاحنات ومعدات القمامة.  وبعبارة أخرى، لم يتغير الكثير في نظام جمع النفايات والتخلص منها.

تُجلب القمامة التي تتم جمعها إلى حفر، وتُودع هناك وتُحرق في الغالب. تقريباً كل الحفر المستخدمة حالياً قد تم حفرها قبل عام 2012م. تُشكل هذه المكبّات غير المنظمة مشكلة صحية وبيئية خطيرة. إذ يمكن للنفايات تلويث المياه الجوفية، كما المكبّات التي تقع قرب الأماكن السكنية تشكل خطراً على صحة الناس والحيوانات عبر تطاير القمامة والروائح الضارة. في قامشلو شاهدنا آبار مياه الشرب تقع على بعد أقل من واحد كيلومتر من المكب؛ والذي يشكل أكبر مكب في الجزيرة، والذي يستقبل أيضاً النفايات من بعض القرى المحيطة بها، هناك خطر كبير على إمدادات المياه في قامشلو. وقد أخبرنا أطباء من مجلس الصحة: أن الأطفال يتأثرون في المدينة بالأمراض المنقولة عن طريق المياه بنسب أعلى من البقية. تم حفر حفرة القمامة في عام 1999م، على الرغم من أن الخطر المحتمل كان معروفاً. وتم استخدام آبار مياه الشرب لأكثر من ثلاثين عاماً.

تناقش إدارة البلدية العديد من الحلول. وأبسطها هي حفر حفرة جديدة جنوب المدينة، بعيداً عن آبار مياه الشرب. لقد حدّدوا المكان المناسب، ولكن من المحتمل أن تضر بقريتين بشكل مباشر.

ومن شأن حلٍ مكلِف ولكن معقول في الوقت نفسه أن يُنهي جزئياً مصنعاً لحرق النفايات التي شيدت بجوار مكب القمامة الحالية. لكن الحرب في سوريا أوقف هذا المشروع، ومع ذلك يمكن الآن إنجاز 75 في المئة من المشروع، هكذا أخبرنا خبراء الصرف الصحي. وحتى لو تمّ إيجاد شركة أو فريق البناء الصحيح، بالطبع، فإن الحصار من شأنه أن يمنع دخول المعدات اللازمة إلى الكانتونات. لكنّه من غير المعلوم ما هي المعدات والآلات اللازمة. كما أنه من المحتمل أن يكون المهنيّون اللازمون لإدارة المصنع غير متوفرون في روجافا.

لكن هناك جانب واحد إيجابي للسؤال عن النفايات: منذ التحرير، قلّل الحصار تدفق السلع إلى روجافا، من تركيا وجنوب كردستان، لذلك تم تقليل تيار النفايات إلى حد كبير. وعلاوة على ذلك؛ وبسبب ندرة الاقتصاد، أعاد الناس استخدام وتوظيف البضائع، والتعبئة والتغليف والآلات والكابلات والخشب والمعدات وكل شيء. ولكن لا تزال الكثير من البضائع تدخل روجافا أو لا تُعاد توظيفها، وخاصة الأكياس البلاستيكية. في الكثير من أطراف المدينة، تنتشر مئات وآلاف أكياس البلاستيك في الخلاء، تقذف بها الرياح هنا وهناك. هكذا كان الحال عند الدخول إلى الحسكة بالسيارة.

  تلوث الهواء:

في الجزيرة يتم تكرير واستهلاك الكثير من وقود الديزل، وبالتالي فإن نوعية الهواء في المدن غالباً ما تكون قذرة. تعمل السيارات والحافلات الآن على الديزل، ولأنه متوفر، فإن عدد السيارات والمركبات الأخرى بالكاد تنخفض منذ قيام الثورة. وعلاوة على ذلك، لم تعد تقنية تكرير النفط الخام في نفس المستوى الذي كان عليه قبل الثورة، ومساهماً في زيادة تلوث الهواء. لا تزال هناك إشكاليات كثيرة كمولدات الديزل التي تستخدم في المحلات التجارية والمنازل لتوفير ثماني ساعات من الطاقة.  ويمكن رؤية وسماع ذلك في الشوارع، مساهماً بشكل كبير في تلوث الهواء وخلق الضوضاء. وكلاهما يمكن أن يؤديا إلى مشاكل صحية خطيرة. كلما استمر هذا الوضع لوقت اطول، كلما كانت العواقب أخطر.

 

إنتاج النفط:

تقع آبار النفط الخاصة بالجزيرة بين مدينتي تربسبية وديريك، بالقرب من مدينة رميلان. كما في أماكن أخرى. اقتصاد النفط في روجافا له آثار بيئية كبيرة.  يسبب استثمار ونقل وتكرير وتوزيع النفط الخام في تلوث التربة والأراضي الزراعية. حتى عام 2011م؛ كان يتم تكرير البترول المستخرج من الجزيرة خارج روجافا، في حمص. أعطت الثورة للجزيرة الفرصة للتكرير، ولكنها فعلت ذلك باستخدام وسائل بسيطة، وبالكاد تستوفي المعايير البيئية، لذلك تم تلويث التربة من جديد. يتم التخلص من مياه الصرف الصحي الملوثة في رافد رومزيان؛ على الأقل إنها سيئة. الكمية ليست كبيرة، ولكنها تكفي لتلويث جدول كامل. يتدفق الجدول الآن من رميلان إلى الحسكة تقريباً من دون أسماك أو أي أنواع أخرى من المخلوقات. ولعشرات الأميال، لا يمكن استخدام المياه في ري الحقول. كما أن الأطفال معرضون للخطر عندما يلعبون في مياهها.

يعلم المجتمع عن هذه التهديدات والتحديات. ويؤكد مراراً وتكراراً أنه سيتم القيام بالمزيد إذا كانت الوسائل والقدرات التقنية متاحة. يحاول وزير البيئة لكانتون الجزيرة، لقمان أحمي، جعل الجمهور على دراية بالخطر.

عموماً يواجه شعب الجزيرة معضلة. إذ يمكن أن يستمروا في تكرير النفط، وبالتالي توفير الطاقة والتنقل لأنفسهم ومن أجل الدفاع، لكن بهذه الطريقة يتم تعريض البيئة وصحة الناس للخطر. أو يمكنهم التخلى عن الطاقة، والمركبات، والتدمير البيئي الشديد والدفاع. في المستقبل المتنبأ به، لن نحسر التناقض، ولكن يمكن أن تقل الآثار السلبية على المدى القصير، ويمكن تبليغ العامة بالمخاطر. كما يمكن اتخاذ تدابير مناسبة حتى مع وسائل صغيرة فقط ومع القليل من المال.

 

 نظرة عامة:

على الرغم من كل التحديات التي تواجهها روجافا، إلا أن الناس يمكنهم الحصول على أساسيات الحياة. لا أحد يتأثر بالجوع، والجميع لديه المياه (ولكن ليست ذات النوعية الجيدة في كل الاحيان). الخبز والزيت رخيص. إنهم يتمتعون بالحقوق الأساسية. يسود التضامن، بحيث يستفيد الجميع.  يوظف الناس الإبداع الهائل في التغلب على التحديات، بما في ذلك التنوع الزراعي.

ولكن قدرات الكوادر والقدرات الفنية المحدودة للكانتونات الثلاثة تحمل بلا شك آثاراً بيئية سلبية خطيرة. يستخدم بعض الناس مولدات الديزل لإنتاج الكهرباء، والذي له آثار بيئية وصحية جسيمة، ولكن من المستحيل منعها حتى تتوفر كهرباء نظيفة كافية من مصدر آخر. تقوم الأسر اليوم والكومينات بتنظيم الجهود التعليمية للحد من استخدامها. الحرب نفسها هي مصدر الدمار البيئي؛ وحتى الحرب الدفاعية سوف تسبب ضرراً للطبيعة.

بعض التحديات ليس لها حلول قصيرة الأمد. إن مواجهة تحديات بيئية على المدى البعيد، بما في ذلك التغيرات الحاسمة في الإنتاج والاستهلاك، يتطلب جهوداً تعليمية في المدارس والتعاونيات والبلديات ومجالس الشعب. وقد تم اتخاذ خطوات نحو المزيد من الإجراءات الشاملة، مما أدى إلى العديد من المشاريع الصغيرة والندوات حول روجافا. في عام 2015 تأسست الأكاديمية الايكولوجية الإولى لنشر الوعي البيئي في كانتون الجزيرة.

ولكن يمكن اعتبار الظروف الصعبة فرصة لتغيير الإنتاج والاستهلاك والنقل وغيرها من جوانب المجتمع بطريقة بيئية. لا ينبغي أن ينظر إلى مشروع تصنيع الأسمدة العضوية كوسيلة للتأقلم مع فترة الحصار بل يجب أن يتم التخطيط له على المدى الطويل. إن الحدائق الصغيرة في باحات المنازل وحول المباني المدرسية أساسية لتطوير السيادة الغذائية. يجب اعتبار الرقابة العامة على الأراضي الزراعية فرصة لزيادة التنوع البيولوجي. كما أن الاستخدام المقلل للبلاستيك في الحياة اليومية وللنفايات بشكل عام لهو أمرٌ إيجابي، بعد الحرب والحصار، ينبغي الحفاظ على هذا المستوى. فإذا اعتاد الناس على القليل وعلى الاستهلاك الصحي، يمكن تحقيق هذا الهدف.

سوف لن تتمتع روجآفا بكميات الماء الطبيعية التي اعتادت عليه قبل عشرين أو ثلاثين عاماً. يجب أن تتعلم من أزمات المياه. وحتى لو كانت الدولة التركية بطريقة أو بأخرى تسعى إلى إزالة كل السدود والقضاء على الري على نطاق واسع، يجب على الناس في الكانتونات الثلاثة استخدام كميات أقل من المياه بشكل عام. يعيش الملايين من الناس على جانبي الأنهار. إن تأسيس الأساليب الزراعية التي تستخدم كميات أقل من المياه تعزّز من الاكتفاء الذاتي لروجآفا، وتعزّز الاقتصاد المحلي الخاص بها. وصلت الثورة الى مرحلة حيث يمكن اتخاذ قرارات حاسمة لخلق مجتمع بيئي في إطار أيديولوجي للكونفيدرالية الديمقراطية.

 

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password