تطور العصور في بلاد ما بين النهرين   

        جاسم العبيد

كثيرون هم الذين اشتغلوا في كتابة الأحداث التاريخية لبلاد ما بين النهرين، أو في وصف ملامح من الحضارة التي قامت في هذه البلاد، وقد تناولت هذه الدراسات شؤوناً عديدة من مختلف عصور التاريخ، فهناك دراسات وافية عن السومريين والأكاديين والبابليين والآشوريين والكلدان والعموريين والآراميين؛ أما الميديون فهم أقل متناولة وما السبب لا أدري؟

إن لكل قوم من هذه الأقوام حضارة لها طابع مميز ومختلف عن غيره!

لقد قامت الدولة السومرية المشتركة مع الأكاديين، ووصلت الى البحر المتوسط والتي قادها ساركون الأكادي ومن بعده نارام سن.

ثم انتقلت السيادة الى البابليين؛ وكانت بلاد ما بين النهرين مسرحاً لنشاطهم العسكري والسياسي والثقافي.

لقد كانت الحياة قبل تسلم هذه الأقوام جغرافية بلاد ما بين النهرين وتطور حضارتها بدائيةً، ومرّت بعصور منها العصر الحجري واكتشاف النار وتعلم اللغة إلى العصر الوسيط الميزوليتي، وإلى تدجين الحيوان وبدء الزراعة التي شكلت انقلاباً عظيماً في تطور الحضارة في تلك البلاد. وأصبح الإنسان يقيم في أكواخٍ مبنية من الطين أو بيوت من اللبن، وكان من النتائج الهامة لحياة الاستقرار وتوفر نوع من الأمن الغذائي؛ تحرر جزءٍ كبيرٍ من جهد الإنسان، وتخصيص قدر ممكن من اهتمامه إلى التأمل والتفكير وإيجاد مناخٍ للتفاهم الجماعي وأشكال التعاون الاجتماعي.

هذا الوضع ساعد على تطور اللغة في تلك العصور؛ كما ساعد على تطور المعتقدات الدينية إلى الاعتقاد بمجموعة من الآلهة، وظهور فكرة أولية عن نوع من حياة ثانية بعد الموت.

ومرت الإنسانية بالعصر الحجري الحديث (النيوليتي) من 6000 ق.م، وقد حصل فيه تقدم ملحوظ في الزراعة وتربية الحيوان واستعمال الأدوات الحجرية المصقولة والحياة المستقرة.

ولعل أقدم التجمعات السكنية المستقرة أو القرى التي تعود الى هذا العصر قرية (مريبط)؛ تحديداً على الفرات قرب مسكنة على أعالي الفرات، وقد دلّت الحفريات التي قامت بها مديرية الآثار العراقية في منطقة حسونة جنوب مدينة الموصل على وجود قرية تعود إلى هذا العصر أيضاً.

ويبدو أن سكانها الأول كانوا يستعملون الصوان لإيقاد النار، ويستعملون أسلحة وأدوات حجرية وفخاراً خشناً يماثل سائر أشكال فخار هذا العصر المكتشفة في مناطق أخرى، كما يبدو أنهم بعد فترة من الزمن أخذوا يستعملون فخاراً مزيناً بخطوط أو رسوم ملونة. وقد وجدت آثار مشابهة في موقع نينوى وتتألف من بقايا بيوت بنيت من الخشب ومن بقايا فخار بعضه لا يحمل نقوشاً، وبعضه الآخر مزين بخطوط أو نقط.

وجميع هذه القرى المكتشفة فيما بين النهرين تمثل حضارة العصر الحجري الحديث.

صنع الانسان الفخار من الطين المشوي، ثم تطورت هذه الصناعة إلى الأواني الخزفية التي حلت محل الأواني المصنوعة من اليقطين، وتسمى في اليمن (الدبة) أو الجلد أو الخشب المحفور، وبهذا استطاع الإنسان شرب الماء ونقله عبر هذه الأواني الحديثة من الخزف، كما صار يطبخ طعامه بواسطتها، وهي ملائمة لجسم الإنسان وصحية بشكل عجيب (وقد استعملتُها شخصياً عام 1981م في بلاد اليمن، ومازال اليمنيون يطبخون طعام (السلتة) في الأواني الفخارية الحديثة ومنها الخزفية الى اليوم).

وقد شهد القسم الأخير من الألف الخامس، والقسم الأول من الألف الرابع أرفع مرحلة في تاريخ الفن الزخرفي القديم، وكانت منطقة ما بين النهرين مركز هذه المرحلة، ويمكن تسمية هذه الحضارة بحضارة تل حلف التي نقب بها الألماني ماكس فون أوبنهايم، وحمل منها مايملأ قطاراً من التحف والأشكال الخزفية مازالت موجودة في متاحف ألمانيا وأوروبا.

يصف ف.البرايت (لم يجاوزها شيء في جمالها في أي عصر من عصور التاريخ).

أعقب العصر الحجري الحديث عصر يدعى عصر النحاس أو عصر المعادن، والنحاس أول مكتشف للإنسان من المعادن، وكان يستعمل في الأوساط الراقية بينما كان الصوان لايزال يشكل دون منازع المادة الرئيسية للاستعمال.

إن الحضارة القديمة الهامة الأولى التي قامت في القسم الشمالي من سورية وبلاد ما بين النهرين، ويسمى عصرها (الكالكوليتيك)؛ نسبة للموقع الذي اكتشف فيه بقاياها الكثيرة؛ وهو موقع تل حلف شمال الخابور أحد روافد الفرات العظيم مع أن بقاياها اكتشفت أيضا في كركميش – جرابلس –على مسافة مئة ميلٍ إلى الغرب من تل حلف، وفي تل جاغر بازار على بعد خمسين ميلاً إلى الشرق وفي (تب غورة)  و(تل عريجية) على بعد مئة وخمسة وسبعين ميلاً إلى الشرق .

إن المكتشفات التي تعود الى العصر النحاسي الحجري؛ تظهر لنا بوضوح أنه كان بدوره مفصلاً حضارياً هاماً، بل حركة انقلابية أدت إلى رفع مستوى الحضارة من العصر الحجري إلى مستوى العصر النحاسي المعدني، وقد أصبح الإنسان بعد اكتشاف المعدن وإدراك خواصه على عتبة عصر جديد.

واستخدم النحاس ثم مزيجه البرونز لأجل صناعة الأسلحة وتطويرها، وتطورٍ شاملٍ في بقية الفنون والعمارة.

وفي أوروك تظهر مؤثرات حضارية جديدة مستمدة من الشمال، فقد وُجد في أوروك رصيفاً صغيراً مبنياً من قطع من الحجارة، ويعتبر أقدم بناء حجري مكتشف فيما بين النهرين، كما اكتشفت هناك أقدم زقورة وهي القمة المرتفعة وعلى رأسها معبد.

إن أبرز ما وصل إليه ذلك العصر في منطقة أوروك؛ هو الأختام الاسطوانية والكتابة التصويرية، فقد وُجد في المعبد لوحَان صغيرَان مربعان من الجبس، وعليهما طبعات أختام اسطوانية، ونظراً لأن هذين اللوحين هما أول الألواح المكتشفة من هذا النوع لذلك قال العلماء ومالوا إلى أن اختراع الأختام الاسطوانية يعود إلى هذه الفترة.

وبعد ظهور المعدن يلاحظ تقدم الفن بوضوح فتكثر الأختام والحلي والأواني النحاسية، ويظهر اعتناء خاص بالنحت، وقد اكتشفت رسوم بشرية وحيوانية على حجارة مرصوفة في طبقات العصر النحاسي الحجري الأخير في مجدو.

وقد أدى تطور صنع المعادن والخزف؛ الذي يتصف به أواخر العصر النحاسي إلى ظهور حرف مختلفة وزيادة في العلاقات التجارية بين القرى والمدن، ونتج عن ذلك اختصاص أكثر في العمل، وازدهرت مدن آهلة بالسكان في السهول والأودية، وفي أماكن لم تكن مأهولة حتى ذلك الوقت.

وبدأت التجارة تتخذ شكلاً دولياً، وكان توسع الاتصالات التجارية والثقافية بين كافة المناطق السورية فيما بينها من جهة، وبين سورية ومصر من جهة أخرى عاملاً أساسياً في حياة هذه البلاد في العصور التالية، وقد نشطت الحياة في جميع مظاهرها في الشرق الأدنى نشاطاً عظيماً.

ولم يبقَ سوى اختراع عظيم واحد حتى يظهر ضوء عصر التاريخ ذلك الاختراع هو الكتابة. وقد أتت أول الوثائق المكتوبة المكتشفة حتى الآن من سومر حوالي سنة 3500 ق.م، وانتشرت الكتابة من جنوب ما بين النهرين إلى الشمال، وأصبحت متقدمة تماماً في أوائل الألف الثالثة وبالكتابة يبدأ التاريخ.

____________________________________________________________________

 

المصادر:

1-سوريا وتاريخها الحضاري – بدري حجل.

2-تاريخ سوريا – فيليب.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password