ثورة في روج آفا (الإدارة الذاتية الديمقراطية، وتحرير المرأة في الشرق الأوسط)…الجزء الخامس عشر.

تأليف: مايكل كناب، آنيا فلاخ، أرجان آي بوغا

التقديم: ديفيد جرايبر

الكلمة الختامية: آسيا عبد الله

الإعداد وترخيص النشر باللغة العربية: منتدى الفرات للدراسات.

الإدارة الذاتية الديمقراطية في روجآفا:

 

15-الآفاق المستقبلية:

  روجآفا والقوى المهيمنة:

إن الشرق الأوسط هو المكان الذي تتعارض فيه مصالح القوى المهيمنة العالمية المختلفة. وتضطر القوى المحلية والإقليمية لخدمة إحدى هذه القوى الدولية كقوات تابعة أو حتى بشكل مباشر كخدم لها.

أصبحت سوريا ساحة حيث تقوم دول حلف الشمال الأطلسي وحلفاؤها من السنّة، من جهة، وروسيا والصين وإيران وحلفاؤها الشيعة من جهة أخرى، بالقتال من أجل الهيمنة. لخّصت لنا إلهام أحمد عام 2014 وقالت: ” كل دولة قوية لديها خططها الخاصة لأجل سوريا، نحن لا نتحدث فقط هنا عن انتفاضة شعب أو حرب أهلية. فالقوى الخارجية تلعب دوراً هاماً. الحرب لها جبهة روسية وجبهة أوروبية. كل من هذه القوى تحاول تثبيت النظام الذي يناسب تصوراتها السابقة، وإنها جميعاً خائفة من فقدان نفوذها في سوريا.  لأنها إذا خسرت سوريا، فسوف تفقد نفوذها في الشرق الأوسط كله، لذلك فهم لا يريدون خسارة أي قطعة من الكعك التي ربما قد يحصلون عليها بطريقة أخرى. إن تشكل الكتل الطائفية؛ لهو من أعراض تاريخ الشرق الأوسط المأساوي. تتم الصراعات الجيوسياسية على مستويات طائفية عرقية ودينية، كما حفزت وألهبت مختلف الشعوب للقتال ضد بعضها البعض. وتسمي نيلوفر كوج الرئيسة المشتركة للمؤتمر الوطني الكردستاني الحرب الأهلية الراهنة في سوريا بـ”صراعٍ تام على السلطة…. حيث يخوض تنظيم القاعدة وجبهة النصرة وما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية وحماس وحزب الله حرباً بالوكالة باسم القوى الكبرى.”

منذ أوائل الثمانينات من القرن الماضي قد اختارت حركة الحرية الكردستانية طريقها عبر حقل الألغام هذا بمهارة فائقة، دون أن تسمح لنفسها بأن تُستعمل كأداة من قبل أي من القوى المهيمنة المتحاربة. تعمل الحركة الكردية خطوة بخطوة على تحقيق هدفها المتمثل في مجتمع كوميني اقتصادي راديكالي ديمقراطي بيئي متحرر جنسياً. وتستفيد من كل زمان ومكان لتوسيع هياكلها. على الرغم من أن YPG / YPJ هي في ذروة فعاليتها، إلا أن حركة الحرية الكردستانية مستعدة للتوصل إلى حل سلمي عادل.  سوف تحارب القوى التابعة الدولة التركية فقط دفاعاً عن النفس. وتطالب الحركة بصبرٍ كبير بحقوق الكرد وتحارب لصالحهم وتتوسع من أجلهم.

يشكك بعض اليساريين في صعود الأحزاب البرلمانية الموالية للكرد في تركيا، ولكننا نعتقد أنها ذات أهمية كبيرة.  ووفقاً للدكتور كاميران متين من جامعة سوسكس، هذه الأحزاب، ” جنباً إلى جنب مع براعة حزب العمال الكردستاني العسكرية والكفاءة التنظيمية وسيطرتها على أجزاء من جبال قنديل قد سمحت لحركة الحرية الكردستانية في تركيا إلى الشروع في دبلوماسية معقدة ذات مستوىً عالٍ التي تستخدم التناقضات الدولية والإقليمية بشكل يفيد أهدافها التقدمية والاجتماعية والسياسية الخاصة. وكانت النتائج مثيرة للإعجاب. أجبرت الدولة مع ثاني أكبر جيش في حلف الشمال الأطلسي إلى سلام أو عملية “الحل”، حيث وجودها يشكل إنجازاً ديمقراطياً غير مسبوق في السياسة. “

وعلى الرغم من نتائج الانتخابات المخيبة للآمال في 1 تشرين الثاني 2015، تلقى اليساريون في HDP والمؤيدون للكرد ما يقرب من 11 في المئة من الأصوات، تعتبر الحركة الآن الدبلوماسية والحل السلمي لتكون أهدافها الأساسية. إن الأهمية الاجتماعية لـ HDP أنها تقرب وتجمع الناس من ثقافات مختلفة، وكذلك من مختلف الأطراف اليسارية معاً في تحالف يساعد على التغلب على العنصرية والنظام الذكوري.  فشلت أجزاء من اليسار في تركيا وأوروبا في فهم هذا النهج، وتعتبر جهود حركة التحرر الكردستانية المتكررة لتحقيق السلام بأنها “خيانة” من المثل العليا للثورة. هذا النظرة التقليدية والمركزية الأوروبية والقومية أخطأت الحرب لأجل الثورة، والاستراتيجية للتكتيكات. فإنه سيُدين الحركة التي تتمثل أهدافها الرئيسية في حماية حياة جميع الناس في هذه المنطقة.

ظهر نقاش آخر بين اليساريين في تشرين الأول عام 2014، عندما أجبر الرأي العام التحالف الذي يقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش للتعاون في الدفاع عن كوباني بشكل محدود. رحّب الناس في روجآفا بهذا التطور. إن دعم الولايات المتحدة؛ لهو حقيقة إيجابية للنضال ضد تنظيم داعش، لكنه يحمل أيضاً مخاطر لحركة التحرر الكردستانية، لأن قوى الحداثة الرأسمالية ستحاول امتصاصها. لا تزال، فرص التحالفات المشاركة والتكتيكية موجودة. فـYPG وYPJ لكانتونات الإدارة الذاتية الثلاثة يمثل أقوى القوى على الأرض ضد تنظيم داعش، وقوات سوريا الديمقراطية (SDF) المرتبطة مع النظام الاتحادي لروجآفا / شمال كردستان، أصبحت عاملاً في العملية السورية الواسعة في آذار 2016. لا أحد من القوى الإقليمية والدولية يمكن الآن أن تتجاهل روجافا.

حالما شاركت روسيا في الحرب السورية، أعتقد البعض أنه على روجآفا الاختيار بينها وبين الولايات المتحدة، ولكن هنا أيضاً أخذت روجآفا طريقاً ثالثاً خاصاً بها. وبالتالي لن يتم استخدامها كأداة من قبل المصالح الأجنبية في المعركة الفعلية ضد تنظيم داعش. كما قال رئيس KCK جميل بايك لبي بي سي التركية: ” لسنا تابعين لا لروسيا ولا للولايات المتحدة …  لن يقبلنا أي أحد، كما أننا لن نقبل أي أحد منهم.  لا أحد باستطاعته أن يشكل تحالفاً تكتيكياً مع الكرد بعد الآن.  فتلك الأيام قد ولت.  ربما لا يزال البعض يقول: “دعونا نستخدم الكرد، إنهم محاربون جيدون، دعوهم يقاتلون من أجل تحقيق مصالحنا الاقتصادية والعسكرية ” – هؤلاء على خطأ. لم يعد الكرد اليوم كما كانوا في الماضي. فقد قرر الكرد مصيرهم بأيديهم. الآن كل من يبني علاقات استراتيجية معنا يمكنه النصر.”

بالتأكيد إن هذا الرفض يمكن أن يعقّد الوضع في روجآفا. صحيح أن أطراف من التحالف الدولي تعمل مع SDF ضد تنظيم داعش، ولكنها تبقى صامتة على الهجمات اليومية التي تشنها تركيا على روجافا. ومع ذلك، من وجهة نظرنا، فإن روجآفا هي مشروعٌ مناهض للفاشية الثورية كما لا تقل أهمية ولا بأي شكل من الأشكال من مشروع الجمهورية الإسبانية في الثلاثينيات من القرن الماضي.  دول الغرب الرأسمالي تخلت عن الناس في إسبانيا، وبالتالي ساعدت على سيادة فاشية فرانكو. واعتبروا فرانكو أكثر قبولاً من الثورة الإسبانية، وبالتالي ساهم هذا الشي في تدمير الثورة وساعد الفاشية على تحقيق النصر.

دعونا نتأمل النقاش الدائر حالياً حول الدعم العسكري لـYPG / YPJ في ضوء هذا التاريخ.  كان من المرجح أن يحتج عدد قليل لو أرسل الأمريكيون الأسلحة إلى الجمهورية الإسبانية.  ما لم يحدث في إسبانيا، حدث في روجافا، والذي يبدو في البداية متناقضاً. في كوباني واجه المشروع اليساري احتمال الإبادة من قبل داعش الفاشي، والذي حُظي بدعم دولي كبير. اليوم كما في 1936-1937، يتحتم على كل إنسان الضغط على حكوماتهم، وخاصة الحكومات التي تفضّل رؤية روجآفا مدمرة، وذلك من أجل دعم روجآفا وسحب دعمهم من تنظيم داعش وحلفائه، إن جهود الولايات المتحدة والبيشمركة باسم كوباني هي وحدها نتيجة الدفاع القوي والمستميت لـYPG / YPJ في كوباني والضغط الدولي من قبل وسائل الإعلام والناس المحتجون في أوروبا وتركيا وجميع أنحاء العالم والاعتبارات البعيدة المدى الأخرى للولايات المتحدة. و كما يقول جميل بايك ” إن تنظيم داعش تم إنشاؤه من قبل أولئك الذين يقدمون له المساعدة الآن.”

يوضح كاميران متين معنى روجآفا لليساريين الغربيين: ” بالنظر إلى مقاومة الحكومة التركية و المكشوفة و الخبيثة المناهضة لليساريين  وتردد التحالف الذي يقوده الولايات المتحدة للوقوف مع YPG / YPJ   لا يمكن التغلب عليه إلا عن طريق ضغط الرأي العام المؤيد للكرد في أوروبا- و نجاح اليسار الغربي في الضغط على قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة لتقديم الدعم غير المشروط للمدافعين عن كوباني ومع المساعدات العسكرية واللوجستية، كان في الواقع انتصاراً تكتيكياً مهماً لاستراتيجية اليسار الشاملة المناهضة للامبريالية. لذلك لا ينبغي على اليسار، كما لا يمكن أن تسمح لنفسها أن تستبعد كلياً المساعدات العسكرية الغربية للمدافعين عن كوباني. ينبغي أن تركّز بدلاً من ذلك على الظروف الملموسة لهكذا دعم وعلى دعم المشروع السياسي الأكبر والحركة التي تمثل كوباني، كما ينبغي عليها أن تدرس وبعناية الآثار المحتملة لنشر هكذا مساعدات محدودة لمشروع ديمقراطيٍ يساريٍ في المنطقة التي تقوض أهداف هؤلاء المساعدين.”

أن تحظى مقاطعات الإدارة الذاتية بالاعتراف الدولي سيكون أمراً بالغ الأهمية. تحافظ الحكومة الانتقالية لروجافا في هذه الأثناء على الاتصالات الدبلوماسية المختلفة، ولكن لا يزال منع منظمات الإغاثة الدولية عن تقديم الدعم للاجئين في روجآفا قائماً بشكل رسمي. تحتاج المنظمات الإنسانية إلى موافقة الدولة السورية لكي تستطيع إدخال جميع المساعدات، ولكن هكذا موافقة مستحيلة بالنسبة لروجآفا، على الرغم من أنها تسعى لإدارة ذاتية ضمن سوريا ديمقراطية وليس إنشاء دولة قومية خاصة بهم أو لإلحاقها بجنوب كردستان. في حزيران 2014 وفي أبريل 2016 عندما أجريت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية السورية، قام أنصار النظام الذين يعيشون في أحياء قامشلو بالإدلاء بأصواتهم، ولكن قاطعت الإدارة الذاتية لروجآفا الانتخابات على أساس أن المقاطعات لا تعترف بالنظام طالما أن النظام لم يعترف بالمقاطعات.

وكان من شروط مماثلة يمكن ملاحظتها في المفاوضات حول المشاركة في مؤتمر جنيف الثاني في كانون الثاني 2014 وجنيف الثالثة في كانون الثاني عام 2016. كان هدفهم هو الجمع بين الائتلاف الوطني السوري القومي، وتحالف المعارضة الإسلامية الجهادية والحكومة السورية للتوصل إلى حل للحرب الأهلية الدائرة في البلاد. سعت الحكومة الانتقالية لروجافا للمشاركة، ولكن تمسّكت تركيا بصفها المناهض للكرد الذين طالبوا بالانضمام إلى صف “المعارضة”. وهذا الطلب لم يجدي نفعاً سوى إدامة سياسة تركيا وسوريا في الانصهار القسري بحق الكرد، وهذا ما ينطبق أيضاً على السريان والمكونات الاجتماعية الأخرى.

كما لاحظ صبري أوك، من المجلس التنفيذي لـ KCK:” يقولون يمكن للكرد الذهاب إلى جنيف ولكن بلا هوية. وهذا بحدّ ذاته ظلم وإهانة للكرد. لن يكون هناك أي حل في سوريا من دون الكرد وبدون الكرد قد يُحكم على محادثات جنيف المبشرة بالفشل قبل البدء بها. لقد أوضح الغرب أنهم من حق “المعارضة” فقط المشاركة في المناقشات، وعلى الرغم أن الولايات المتحدة دعمت موقف تركيا في عام 2014 وفي عام 2016 بقيت حياديةً، نظراً لتعاونها العسكري والتكتيكي مع YPG / YPJ ودور تركيا الخطير في الحرب السورية.

يأتي الدعم العسكري الأمريكي لروجافا من حقيقة أن تنظيم داعش أصبح يشكل تهديداً للعالم. في حين كان كل من تركيا والمملكة العربية السعودية تدعمان داعش، إلا أن الولايات المتحدة بقيت صامتة، وسيكون من السذاجة الاعتقاد أنها لم تكن تتوقع التهديد القادم. في صيف عام 2014 تغير الرأي وذلك بأنه يجب إيقاف تنظيم داعش.

إن سلطة سياسية مهيمنة كالولايات المتحدة تعتقد أنه؛ إذا كان من غير الممكن تهميش أو تجريم أو تدمير أية حركة بديلة، إذن فالتعاون على مستوىً معين أو في وقت حاسم قد يكون مفيداً، لجعل هذه الحركة تابعة ولتغيير السياق الثوري / التحرري. التقينا العديد من نشطاء روجافا الذين كانوا على بيّنة من هذا الخطر، وذكروا أن بإمكانهم الحفاظ على أنفسهم بنجاح في وضع الاستقلال.

لنجاح الثورة، يوضح ألدار خليل – عضو المجلس التنفيذي في مجلس  TEV-DEM ، يجب على روجآفا ألا تعتمد على القوى الأجنبية ولكن يجب أن تبقى متأصلة في الشعب قائلاً: “إن النظام والمعارضة وحتى القوى الدولية يمكن أن يقوموا بدعمك اليوم عندما يصب الأمر في مصلحتهم، ولكن غداً عندما تتغير موازين القوى، فإنهم قد يغيروا رأيهم. لذلك نحن نعتمد فقط على دعم الشعب لنا. مع الشعب ومع قواتهم، سوف نبني مستقبلنا.”

 

 حلول داخل سوريا:

إن حركة الحرية الكردية في روجآفا، كما رأينا، لديها أفكارها الخاصة حول مستقبل سوريا، بعد أن دعت إلى حل سلمي وديمقراطي من أي وقت مضى منذ إنشاء لجنة التنسيق الوطنية  NCC في صيف عام 2011. وفي شباط 2014 أعلنت الكانتونات الثلاثة العقد الاجتماعي، والذي ينص على أنهم جزءٌ من سوريا الديمقراطية؛ وينطبق الشيء نفسه على النظام الاتحادي لروجافا / شمال سوريا، المعلن في آذار 2016. لم يتم ذكر مسألة تحقيق دولة مستقلة في أي مكان في العقد الاجتماعي الحديث، لا كهدف طويل الأجل أو حتى كخيار. بدلاً من ذلك، بعد مفهوم نظام الكونفيدرالية الديمقراطية، تحاول الحركة الكردية إيجاد حل سياسي ديمقراطي شامل داخل الحدود الموجودة في سوريا، دون قبول الدول القومية القائمة والنظام الذكوري.

ومن ثم بعد شهر شباط عام 2014، كانت إحدى المهام الرئيسية للإدارات الذاتية الديموقراطية هي الاعتراف بالنموذج الاجتماعي لروجافا في جميع أنحاء سوريا. طالبوا بالحوار مع معظم القوى داخل سوريا باستثناء جبهة النصرة وتنظيم داعش وغيرهم من المتطرفين السياسيين. ورداً على ذلك، بقي كلٌ من نظام الأسد والمعارضة الإسلامية القومية صامتين بشكل جلي، وحتى التقليل من إنجازات روجآفا. لكن بعد الدفاع عن كوباني بنجاح في خريف عام 2014، بدأ الوضع يتغير. في عام 2015 اتخذت روجآفا خطوات كبيرة إلى الأمام في حين كان الوضع في باقي سوريا متدهوراً. في الواقع، فتح النصر في كوباني صفحة جديدة. تعاون العرب والسريان والتركمان والكرد في تحرير كري سبي وغيرها من المناطق. وهنا لأن روجآفا صمدت، بدأت القوات السياسية بالتحدث إلى الإدارات الذاتية الديمقراطية بشكل أكثر. إن تشكيل قوات سوريا الديمقراطية SDF في تشرين الأول تشرين عام 2015 ومجلس سوريا الديمقراطية (MDS) في كانون الأول 2015 هو منارة أمل للمنطقة كلها. الآن هناك مدن بعيدة عن روجآفا تتبنى الإدارة الذاتية الديمقراطية: في أيلول  2015  أعلنت مدينة السويداء الدرزية في جنوب سورية الإدارة الذاتية الديمقراطية الخاصة بها، كما سافرت وفود من السويداء إلى روجآفا لتبادل الدعم والمعلومات. إن نموذج الإدارة الذاتية الديمقراطية في طريقها إلى النضوج والكمال.

على الرغم من أن العديد من الأحزاب والمنظمات انضمت إلى مجلس سوريا الديمقراطي MSD إلا إنه هناك العديد من القوى التي لديها أفكار تتوافق مع الإدارة الذاتية الديمقراطية مثل لجان التنسيق المحلية. على الرغم من تعرضها للقمع في الحرب الدموية؛ إلا أنها تظل شريكاً استراتيجياً كامناً لروجافا. كما يمكن أن تكون مبادرة المرأة السورية التي تأسست عام 2013 شريكاً محتملاً آخر وتضم المرأة الكردية والعربية والسريانية، لكنه لن يكون من السهل على هذه المبادرة أن تجد موطئ قدم لها خارج روجآفا. في الواقع، فإن الإدارة الذاتية في روجآفا سوف لن تقبل شيئاً سوى إدارة لا مركزية بقوة وديمقراطية ومتعددة الثقافات لنفسها. وتحث روجآفا أن يتم قبول حرياتها وإنجازاتها على نطاق أوسع وتكسب الشرعية القانونية في سوريا ككل.

إذا اخذنا الحرب الجارية الوحشية وملايين اللاجئين داخل وخارج البلاد بعين الاعتبار، فإن معظم الناس يعتبرون أن الحل السياسي الديمقراطي غير واقعي. ولكن إذا استقرت روجآفا عسكرياً وسياسياً واجتماعياً، وإذا تمّ إلحاق الهزيمة بداعش مجدداً بشكل ملحوظ، وإذا ظل نظام البعث والقوى الإسلامية الجهادية الأخرى ضعيفة، فإن ذلك يمكن أن يتغير. عندما يتم التعرف على أهمية روجآفا وعندما تصبح القوى الديمقراطية الأخرى في سوريا أقوى وتصبح الأطراف المتحاربة وأنصارها الدولية منهكةً من الحرب أو يصبح صراعها مكلفاً للغاية، فإن الحلول السياسية السلمية قد تجد أخيراً طريقها على جدول الأعمال. ربما 2016 هو وقت مبكر جداً، ولكننا في الشرق الأوسط حيث أن التطورات في ظل ظروف معينة قد تتغير سريعاً.

ولكن في عام 2016 لا تلوح بوادر السلام في الأفق. إن استبعاد حزب الاتحاد الديمقراطي والإدارة الذاتية من جنيف 3 جعل من الوضع بارزاً. فقد تمّ الإعلان عن وقف إطلاق النار ومن الواضح أنه لم يُطبق على مناطق الإدارة الذاتية، حيث تعرض لهجوم منظم من الائتلاف الوطني والنظام السوري. بعد الاستبعاد من جنيف 3، قدّم إعلان النظام الفيدرالي في روجافا / شمال سوريا بعداً جديداً لبناء سوريا ديمقراطية متعددة الأعراق والهويات. إن تحرير الممر ما بين كوباني وعفرين من شأنه أن يقويّ سكان المنطقة. وستكون هناك مساحة حرية أكثر للإدارة الذاتية، وسوف لن يكون عن طريق الضم، لأن نموذج الإدارة الذاتية الديمقراطية يعمل من خلال الإقناع وأنه طوعي، على نقيض من قوى الحداثة الرأسمالية والدولة القومية.

فكما أن تحرير الممر بين الجزيرة وكوباني، وكسر شوكة تنظيم داعش هناك، قد خلّص المنطقة المحاصرة، وكذلك فإن عفرين بحاجة إلى الإغاثة. فقد وصل الآلاف من اللاجئين من حلب وإعزاز وأماكن أخرى إلى عفرين. سوف يتم تحرير هذه المنطقة بالتنسيق مع الناس المحلييّن هناك.

ولكن ردّت جميع الأطراف المتحاربة كتركيا والحكومة السورية والمعارضة السورية سلباً على إعلان النظام الاتحادي. هذا لأنه كما حدودية الدول القومية مهددةٌ من قبل النموذج الجديد، حتى الأعداء أيضاً، فإنهم يمكن أن يعملوا ضد روجآفا معاً.

 

  التضامن الدولي:

كلما سألنا الناشطين في روجآفا ما هو أفضل شكل من أشكال التضامن، فإن الجواب الأكثر شيوعاً الذي تلقيناه كان “بناء حركة ثورية قوية في بلدانكم ” إن هذا الردّ جعلنا نعيد النظر في مفهوم التضامن. في تاريخ اليسار الغربي، غالباً ما يساوي التضامن لعلاقة الفاعل والمفعول، حيث يرتبط “مفعول” التضامن بحنين واحتياج المدن الكبرى لحركات تحررية قوية. ولكن هذا الشكل من أشكال التضامن يستنسخ ويعيد إحداث المنظور الاستعماري على دول الجنوب غير الصناعية تقليدياً والمستغلة تاريخياً. يرى اليساريون في البلدان الكبرى أنفسهم في بعض الأحيان كمساعدين “للفقراء” في هذه المناطق، ولكن “المساعدة” التي يقدمونها هي تخدمهم بمثابة شاشة عرض. وبما أن التوقعات لم تتحقق، فكلا جانبي التضامن يبادلان خيبة الأمل في نهاية المطاف.

نشأت هذه المشكلة في معظم حركات التضامن في العقد الماضي. ولكن التضامن – كما يقول النشطاء في روجآفا، يعني بناء حركات تضامنية معاً، الحركات التي يمكن أن تتعلم من بعضها البعض وتدعم بعضها البعض. كان الانتصار على تنظيم داعش في كوباني انتصاراً لمشروع روجآفا، وبالتالي من شأنه أن يشكّل بديلاً يسارياً قوياً في منطقة مهمة. و جعل كفاح كوباني من روجآفا تصّدر شاشات التلفزة الغربية، كما زاد التضامن الدولي بسرعة. دفعت رغبة الحكومات الغربية في سقوط كوباني الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم إلى الخروج في مظاهرات عارمة وجعلت من عدم التدخل مستحيلاً.

ولكن بالنسبة للكثيرين، كانت المسألة ذات الأهمية الأكبر لا أن تتدخل الدولة فحسب، بل أيضاً الدفاع عن الثورة؛ انضم متطوعون من أستراليا وألمانيا إلى المعركة ضد داعش – بعضهم فقدوا حياتهم وبعضهم لا يزالون يقاتلون، وبدأ أخرون بحملات لإعادة إعمار روجآفا، ولتوفير المساعدات الطبية ومشاريع البنية التحتية. إن هؤلاء الناس في مرمى أولئك الذين يريدون قطع الدعم عن روجافا، كما فعلوا بالاشتراكيين الشباب الأربعة والثلاثين الذين قتلوا جراء انفجار انتحاري في سروج، بينما كانوا يستعدون لبناء منزل للأيتام في كوباني. هذا الاعتداء الوحشي، إضافة إلى سياسة الحصار، أظهر أنه في حين كان من الممكن إسقاط القنابل على تنظيم داعش، لكن إسقاط الأغذية والأدوية إلى كوباني كان مستحيلاً.  من منظور الحداثة الرأسمالية، إن البديل الثوري في منطقة الشرق الأوسط سيفاجىء الأنظمة الحاكمة وسيكون له عواقب غير متوقعة في أوروبا وبقية العالم. وحتى نظامي البعث وأردوغان وعلى الرغم من خلافاتهما العميقة، فهم يتحدون من أجل ل اشيء إلا عندما يتعلق الأمر بمنع أو فشل مشروع روجآفا.

بالنسبة لليساريين، التضامن مع روجآفا ليست مسألة عمل خيري أو كرم منهم إنما هي ضرورة. حتى هذه اللحظة، تحتاج روجآفا ليس فقط للدعم المادي ولكن أيضاً للمهنيين من كافة الاختصاصات. فإنها بحاجة إلى الأطباء والمهندسين والمحامين والحرفيين والمهندسين الزراعيين والناس الذين هم على استعداد للعمل لبناء الإدارة الذاتية الديمقراطية. يجب على المهتمين تثقيف أنفسهم بداية عن المضمون السياسي الذي يكمن وراء نموذج روجآفا. ويمكن ذلك أن يحول الصخب الحالي إلى حركة طويلة الأمد حيث تطور الديمقراطية الراديكالية والتحرر بين الجنسين والبيئة والاقتصاد التعاوني، عن طريق الإدارة الذاتية الديمقراطية، وكبديل للحداثة الرأسمالية.

منذ خريف عام 2014، ارتفعت نداءات الطوارئ إلى أوروبا للمطالبة بالتبرعات، وخاصة بالنسبة للمساعدات الطبية والإنسانية. فبدلاً من المشاركة في حملات التبرع للجمعيات الخيرية الموجهة للدولة والبرجوازية، يفضّل البعض العمل مع المؤسسات التي تتضامن بشكل فعّال مع روجآفا. لكن حملات التبرع الهامة في دعم المؤسسات والجمعيات التعاونية النسائية جارية. كما إن حملات لجمع “الأسلحة لكوباني” للحفاظ على استقلالية  YPG / YPJ من الدعم العسكري الغربي هي بنفس القدر من الأهمية. إن الدفاع عن كوباني قد ألهم عدداً لا بأس به من المبادرات لإعادة إعمار المدينة وغيرها من المشاريع.

ومنذ شهر كانون الأول عام 2015، عاد أكثر من 187000 شخص من أصل 450000 شخص من سكان كوباني السابقين إلى ديارهم. بذل الناس جهودهم لتنظيف المدينة: تم إزالة 1,4 مليون طن من الأنقاض بآليات قليلة جداً. ولكن نظراً للحصار، فعملية إعادة الإعمار لا تسير بالسرعة الكافية لتزويد جميع العائدين. وقد أوضحت بيريتان، وهي ناشطة من كوباني لنا قائلةً: “لقد منحنا التضامن الدولي الكثير من الثقة، وعاد العديد من الناس إلى منازلهم. كانت لدينا آمال كبيرة لإعادة الإعمار. ولكن فصل الشتاء على الأبواب، ولم يحدث أي شيء حتى الآن. لذا سيضطّر الآلاف من الناس إلى العيش في الخيام.”

لا ينبغي أن يفهم التضامن كمفهوم تقني فقط. بالنسبة للمدافعين عن كوباني، لقد كان شيئاً في بالغ الأهمية  عندما تدفق الناس إلى الشوارع في 1 تشرين الثاني 2014 -من برلين إلى ملبورن و من طهران الى كابول كلهم  باسم روجافا. إن حركة التضامن مع روجافا يجب ألا يهمل السياق الدولي، وبالتالي يجب انتقاد سياسات ألمانيا وحلف شمال الأطلسي وقوى دولية أخرى. يجب أن تكون إحدى المطالب الأساسية رفع الحظر الألماني على حزب العمال الكردستاني، وإزالة حزب العمال الكردستاني من قوائم “المنظمات الإرهابية ” التي تحتفظ بها كلٌ من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة؛ ووضع حدّ لتصدير الأسلحة إلى تركيا والسعودية وقطر ودول أخرى في الشرق الأوسط.

 

  النظام الكومونالي أو البربري:

كتبت آسيا عبدالله – الرئيسة المشتركة لـ PYD : “نعلم  بأن كل يوم  سيكون أفضل قليلاً، وسيستمر مجتمعنا في المقاومة بقناعة راسخة  بأنه يجب أن يملك قدره بيده. فكلما استمرت المقاومة، كلما ازددنا خبرة في هذا الصراع. حالياً يشهد الشعب السوري صعوبات كبيرة، لكننا ننظر إلى تلك الصعوبات كثمن للحرية.”

لا تنتهِ الثورات في اليوم الذي تقوم فيه قوة تقدمية بالسيطرة على مساحة معينة من الأرض.  بل إنها تبدأ في ذلك اليوم. وتفشل الثورات عندما يقوم حزب ثوري ما بممارسة السلطة ويستبعد السكان من عملية صنع القرار، وبالتالي يفتح هوة بينه وبينهم. وعلى مدى سنوات عديدة من المناقشات، انتقدت الحركة الديمقراطية في روجافا وMGRK وTEV-DEM وحزبهم الناشئ الرئيسي حزب الاتحاد الديمقراطي PYD اشتراكية الدولة وناقشوا كيفية تجنب تكرار أخطائها.

في روجآفا، يتم التعبير عن إرادة المجالس ليس فقط عن طريق الأحزاب ولكن عن طريق نشطاء يعملون على نطاق واسع وعلى مستويات أعلى عن طريق ممثلين منتخبين مباشرة من قبل الشعب. تحاول الحركة تنظيم جميع السكان من القاعدة ودمج الجميع في عمليات صنع القرار الديمقراطي المباشر. وتعريف الكومين على أنها الوحدة الأساسية للمجلس والديمقراطية القاعدية والذي ينقل العلاقات الاجتماعية لصالح المرأة ويجعل الدولة ملتزمة بها. يمكن رؤية الجهود البيئية في كل مكان الآن، مع نقدهم للعلاقات الاقتصادية الموجودة.

بالطبع لا تزال العديد من المشاكل والتحديات التي تواجه روجآفا موجودة، وذلك لأن الدكتاتورية البعثية قد أبقت الناس عديمي الخبرة السياسية لعقود طويلة، ولأن الهيكلية الاجتماعية المحافظة قد تعمقت. حتى النشطاء الأكثر نشاطاً يرتكبون الأخطاء؛ وسوف لن يتم التغلب على طرق التفكير التي ارتكزت وترسخت في النظام القديم في يوم واحد أو حتى سنة. وسوف تستغرق العملية سنوات عديدة أو حتى عقود. ولكن الميزة العظيمة في شعب روجافا هي أنهم حتى قبل الثورة، كانوا قد اكتسبوا بالفعل عقوداً من التجارب في كيفية تنظيم الشعب والمرأة. ولو لم يتواجد حزب الاتحاد الديمقراطي PYD وYPG  بالفعل، لربما  لم يحدث أي تحرير. ولكانت منظمات المرآة التقدمية والمنظمات الديمقراطية تتنحى جانباً كما كان الحال في مصر واليمن وتونس ومصر وليبيا. ولاستولى على سلطة روجآفا الإسلاميون أو قوة رجعية مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني.

وقد تفشل الثورات أيضاً بسبب الهجمات الخارجية.واليوم يحاول الإسلاميون المموّلون بالسلاح والمال من دول الخليج وتركيا سحق الثورة السلمية. الناس يموتون كل يوم وهم يدافعون عن قراهم ومدنهم ضد هؤلاء الإسلاميين. هذا وغير المشاكل الاقتصادية الهائلة. ففي منطقة صغيرة كـ (روجآفا) مقسمة إلى ثلاثة أجزاء غير متجاورة، يكاد يكون من المستحيل تنظيم اكتفاء ذاتي كامل. ولاسيما فقدان الغذاء أصبح باهظ الثمن، وإلى جانب النقص الحاد في الكهرباء والمياه الجارية.

ولكن الإرادة قوية في حل هذه المشاكل. كل يوم يتم دفع القوى الرجعية والفاشية إلى الوراء شيئاً فشيئاً. فالناس في روجآفا لن يتخلوا عن وطنهم أو قيمهم التي اكتسبوها بشق الأنفس. ومن خلال بناء مؤسسات قوية ومن خلال شرح رؤيتهم لحياة أفضل وباستخدام تنظيماتهم لوضع أفكارهم في موضع التنفيذ، كما أن النساء وغيرهن من مكونات المجتمع المدني قرأن المرحلة بشكل جيد لضمان عدم اضطهادهن في المستقبل. وأيضاً تأكيدهن الحاسم من أن الثورة سوف تنتصر والتي سوف تلهم كل من سوريا والشرق الأوسط وغيرهم. ويدافع الكثير من الناس في روجآفا بقناعة أن إنجازات ثورتهم ستكون نموذجاً للمنطقة كلها.

وما يحفزهم هو المعرفة أنه لا يوجد بديل موضوعي لمنطقة الشرق الأوسط، وهي منطقة غير متجانسة إلى حد كبير. أو بعبارة أخرى: الكومونالية أو الهمجية. تتعافى حركة الحرية الكردية مراراً وتكراراً من النكسات وتتقدم بنحو أفضل. على الرغم من أن شمال كردستان قد عانى من خلال موجات القمع المتكررة، والناس هنا قد روّجوا ودعموا الإدارة الذاتية الديمقراطية هناك، كما يحدث الآن في مخيم مخمور ومناطق دفاع ميديا في جنوب كردستان. إن الثورة هي القوة التي من شأنها كسب عقول وقلوب الناس. فكما قال أحد مؤسسي حزب العمال الكردستاني –مظلوم دوغان- ذات مرة: “نحن نحب الحياة كثيراً لدرجة أننا على استعداد للموت من أجلها”. في روجافا، يجب على الناس الآن أن يعيدوا تكوين أنفسهم. المدارس والإدارات والمحاكم والإنتاج الاقتصادي وغيره في اضطراب وفي حالة ثوران، ويجب إعادة تنظيمهم بشكل جذري، مثلما دفاع المجتمع عن نفسه عسكرياً. يحتاج مشروع روجآفا الثوري والتحرري تضامننا المطلق. فبقاء ثورتها هو أيضاً بقاء الأمل لحياة مجتمعية حرة ومجتمعٍ بيئيٍ محرر جنسياً. المجتمع الأوروبي والذي نحن منه يمكن أن ينظروا إلى روجآفا من أجل إعادة النظر في حياة مجتمعاتنا ويولوها الحب.

 

 

 

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password