كيف تحولت إدلب الخضراء إلى بؤرة للإرهاب وعقدة الملف السوري؟

      لزكين إبراهيم

تحوّلت محافظة إدلب السورية التي كانت تعرف باسم “المدينة الخضراء” في الآونة الأخيرة إلى بؤرة لتجمع المجموعات والفصائل المسلحة والإرهابية والمتشددة المدعومة من تركيا، وبات ملفها معقداً وتعتبر عقدة رئيسية في إيجاد حل لمستقبل سوريا، فما هي أهمية إدلب استراتيجياً واقتصادياً، وما تاريخها، وما التطورات والتغيرات التي شهدتها إبان انطلاقة الثورة السورية، وماهي الفصائل المسلحة المتواجدة فيها، وماهي آخر تطورات ملفها في الاجتماعات الدولية؟

إدلب.. الموقع والأهمية الاستراتيجية:

تقع مدينة إدلب على البوابة الشمالية لسوريا التي تطل منها على تركيا وأوروبا تقدر مساحتها بـ 6100 كم2، يحدها من الشمال لواء اسكندرون وتركيا بطول 129 كم، ومن الشرق حلب بطول 159 كم، ومدينة حماة من الجنوب بطول 158 كم، وغرباً اللاذقية بطول 29 كم. تبعد عن مدينة حلب 60 كم وعن اللاذقية 132 كم، وعن العاصمة السورية دمشق 330 كم، كما تقع المدينة على البوابة الشمالية لسوريا وتطل منها على تركيا؛ وتُقسّم إدارياً إلى خمس مناطق إدارية أساسية وهي إدلب، أريحا، معرة النعمان، جسر الشغور، وحارم.

وتمتاز إدلب بموقعها ضمن غابة من الزيتون وعلى الطريق الممتد من أنطاكية إلى معرة النعمان فـحماة ودمشق، والطريق الواصل بين حلب واللاذقية.

وهي تحتل المرتبة الثامنة على مستوى سورية من حيث المساحة، وكذلك تحتل المرتبة الخامسة من حيث الكثافة السكانية، وتحتل موقعاً متميزاً وهاماً على طريق الحرير قديماً وتعد معبراً للجيوش الغازية وطريقاً مهماً للقوافل التجارية القادمة من أوروبا إلى الشرق أو بالعكس عبر معبر باب الهوى الحدودي.

كانت إدلب قرية صغيرة تدعى على الأرجح (وادي لب) وتتألف من قسمين: إدلب الكبرى الواقعة شمال طريق معرة مصرين الحالي وهي قرية “دارسة”، وإدلب الصغرى إلى الجنوب من الأولى على بعد حوالي ثلاثة كيلومترات وهي العامرة اليوم.

إدلب عبر التاريخ:

موقعها الاستراتيجي هو امتداد لموقعها عبر التاريخ حيث كانت ملتقى القوافل التجارية القادمة من أنطاكية فأفاميا وحلب وآفس وسهل العمق ومنذ الألف الثالث قبل الميلاد شكلت مملكة إيبلا صلة الوصل بين عالم البحر المتوسط وعالم الشرق الأقصى حيث تختزن ثلث ما في سوريا من أوابد ومواقع أثرية.

وكانت قرية إدلب تتبع سرمين فيما مضى، ثم بدأت أهميتها بالظهور بعد أن اهتم بها الصدر الأعظم محمد باشا الكوبرلي (1583-1661)، أعفاها من الرسوم والضرائب وأقام فيها مباني ما تزال قائمة إلى اليوم فقصدها الناس من جسر الشغور وسرمين والقرى المجاورة، فاتسعت وازدهرت على حساب إدلب الكبرى.

في النصف الثاني من القرن الثامن عشر غدت إدلب تتبع جسر الشغور ثم أتبعت بـأريحا ثم صارت مركز قضاء عام 1812م، ثم مركز محافظة في عام 1960م.

عانت إدلب ما عانته بقية المدن السورية في أوائل القرن العشرين من المجاعة بسبب الحرب العالمية الأولى وأصابها الدمار وسيق رجالها إلى الجندية الإجبارية؛ وصودرت أرزاقها وغلاّتها باسم الإعانة والإعاشة، كما عانت مرة أخرى من الانتداب الفرنسي عندما اتخذها إبراهيم هنانو معقلاً لثورته على فرنسا فقصفتها القوات الفرنسية بالمدفعية في 20 كانون الثاني1920.

نظم محمد باشا الكوبرلي مدينة إدلب وفق مخطط عمراني اختاره بنفسه فبنى فيها الخانات كخان الشحادين وخان الرز ونظم أسواقها فجعل لكل حرفة فيها سوقاً خاصة، ورصف شوارعها بالحجر، ويتألف المخطط العام للمدينة من نواة بيضوية قديمة مكتظة بالسكان، وأحياء جديدة تنتشر حلقات حول النواة وتخترقها شوارع عريضة مستقيمة ومنتظمة.

سكان إدلب:

يبلغ عدد سكان المدينة مع القرى التابعة لها بحسب الإحصاء السكاني في عام 2010 مليونين نسمة من مكونات مختلفة عرب، كرد والسريان، ويشار إلى انتماء أكثر السكان إلى الطائفة السنية، كما ويوجد نسبة من المسيحيين، والدروز، وأقليات دينية أخرى.

أكثر ما تشتهر به إدلب:

تشتهر إدلب المتاخمة لعفرين بمنتوجها من محصول الزيتون وهو محصولها الأول، وفي إدلب صناعات قديمة مختلفة، كعصر الزيتون؛ كان في المدينة زمن الاحتلال العثماني 200 معصرة زيتون تحت الأرض اندثرت كلها، وصناعة الصابون (حصرت هذه الصناعة بها في عهد محمد باشا الكوبرلي، فكان فيها ست وثلاثون مصبنة، وصناعة الدبس والحلاوة والطحينة والأحذية).

ويحتل القطاع الزراعي موقع الريادة لتواجد السدود وشبكات الري والتي أكسبت المدينة لقب المدينة الخضراء، ففي حين تبلغ المساحة المستثمرة 347570 هكتاراً أي بنسبة 56.5%، وتتميز بخصوبة اراضيها وغزارة أمطارها وتعدد مواسمها الزراعية وكثافة أراضي الأحراج والغابات فيها؛ حيث تحتل مساحة قدرها 18211 هكتاراً أي بنسبة 13.5% وكذلك تنوع الأشجار المثمرة فيها وفي مقدمتها الزيتون كما ذكرنا والتي يبلغ عددها حوالي 15 مليون شجرة يقدر متوسط انتاجها السنوي بحوالي 160 الف طن.

معالم إدلب الاثرية:

يحيط بمدينة إدلب عدد كبير من المناطق الأثرية كـالبارا ورويحة وقلب لوزة وقصر البنات وغيرها، وهي لا تبعد أكثر من 15كم عن جبل الأربعين أفضل مصايف الشمال، إلى جانب العشرات من المواقع الأثرية الأخرى.

إدلب والثورة السورية:

مدينة إدلب كانت من أوائل المحافظات السورية التي تظاهرت ضد حكم النظام السوري في عام 2011 كان أكثر الاحتجاجات والتظاهرات في جسر الشغور ومعرة النعمان وجبل الزاوية وسراقب، والتحقت إدلب بالثورة السورية وقتها وكانت أول المدن التي انتقلت إلى حمل السلاح ضد النظام أواخر العام ذاته، وفي مطلع عام 2012 خرجت عدة قرى وبلدات من سيطرة النظام تحت سيطرة ما يسمى “بالجيش الحر” التابع للمعارضة السورية.

تشكلت في المدينة العديد من القوى والفصائل المسلحة ما بين 2012 وعام 2015 حيث تشكل في البداية فصيل باسم “جيش الفتح” دعمته الدولة التركية وقطر، كان يضم ما يسمى” جيش الفتح” عدة فصائل وهي “أحرار الشام، جبهة النصرة، جند الأقصى، جيش السنة، فيلق الشام، لواء الحق، وأجناد الشام”، وبعد أشهر من الاشتباكات تمكنت الفصائل المدعومة من تركيا وقطر بفرض سيطرتها بشكل كامل على المدينة.

الإحصائية الأخيرة للمجموعات المسلحة في إدلب:

يتمركز في محافظة إدلب عدد كبير من الفصائل المسلحة وتزايدت أعدادهم وخاصة بعد عملية الإجلاء التي جرت في المناطق السورية عبر اتفاقيات بين الطرفين الروسي والتركي وبحسب الإحصائيات الأخيرة للفصائل المتواجدة في محافظة إدلب السورية هي كالتالي:

حركة أحرار الشام الإسلامية: يبلغ عدد مقاتليها 15 ألف مقاتل، معظمهم سوريون، ولها عدة مكاتب: سياسي، وإعلامي وخدمي، وتشرف على معبر باب الهوى. وتعتبر “حركة أحرار الشام” إحدى الفصائل المعارضة التي نشأت إبان الثورة السورية وذلك باتحاد أربع فصائل إسلامية وهي “كتائب أحرار الشام” و”حركة الفجر الإسلامية” و”جماعة الطليعة الإسلامية” و”كتائب الإيمان المقاتلة”.

فيلق الشام: يبلغ تعدادهم  8 آلاف مقاتل وله مكتب سياسي إعلامي، ويتبع بشكل جزئي لفصائل “الجيش الحر” وتحمل رايته إلى جانب رايتها، هو تحالف يضم جماعات إسلامية معارضة تشكلت من أجل تعزيز قوة الإسلاميين في الصراع المسلح في سوريا. تم تشكيل التحالف من 19 مجموعة مختلفة، كان بعضها ينتسب سابقاً لـ”جماعة الإخوان المسلمين” السورية و”هيئة دروع الثورة”.

جيش المجاهدين: عددهم التقريبي ألف مقاتل وله مكتب إعلامي فقط، ويحمل راية “الجيش الحر” إلى جانب رايته، وهو ائتلاف يضم مجموعات إسلامية تم تشكيلها لمحاربة تنظيم داعش. واتهمت الجماعة الدولة الإسلامية بإخلال “الأمن والاستقرار” في المناطق المحررة من قبضة النظام السوري.

فرسان الحق: تنظيم تشكل عام 2012 ويقدر عدد مقاتليه بحوالي ألفي مقاتل، وهو فصيل من “الجيش الحر”، ومتواجد في كفرنبل.

فصيل تجمع فاستقم كما أمرت: يضم ألفي مقاتل، ويحمل راية “الجيش الحر” بالإضافة لرايته.

صقور الشام: بحدود 6 آلاف مقاتل، يقاتل هذا الفصيل إلى جانب “الجيش الحر”.

جيش السنة: يبلغ عدد المقاتلين في هذا الفصيل ألفي مقاتل، متواجدون في بريف حلب الغربي وبريف إدلب.

تنظيم  فتح الشام: الاسم الجديد لمرتزقة جبهة النصرة سابقاً،  ويبلغ تعداد مقاتليه 6 آلاف مقاتل، بعضهم أجانب من جنسيات غربية وعربية.

لواء الحق: فصيل يضم حوالي ألفي مقاتل متواجدين في سراقب بريف إدلب، وهو مقرب من تنظيم “فتح الشام”.

فصيل جند الأقصى: يضم ألف مقاتل، انضم مؤخراً لتنظيم “فتح الشام”، وهو مقرب من مرتزقة داعش.

المجلس الإسلامي السوري: يضم المجلس الإسلامي قرابة 40 هيئة ورابطة إسلامية من “أهل السنة والجماعة” في الداخل والخارج، ومن ضمنها الهيئات الشرعية لأكبر الفصائل الإسلامية في سوريا، ويترأسه أسامة الرفاعي.

الجبهة الوطنية للتحرير والجيش الوطني: بعد أن روج النظام السوري لخوض معركة ضد المجموعات المرتزقة لتحرير ادلب، سعت المجموعات المرتزقة والتي تضم مرتزقة جيش الفتح” النصرة سابقاً” وهيئة تحرير الشام إلى تمويه وجودها وأعلنوا عن تشكيل جبهة تضم المجموعات المرتزقة باسم “الجبهة الوطنية للتحرير”، والجيش الوطني فيما بعد.

تشكلت الجبهة والجيش الوطني في رواية كتبها الاحتلال التركي لبسط نفوذه في سوريا وذلك عبر دعم وجمع المجموعات المرتزقة من حولها وضمها في مسمّيات مختلفة، غير أن تركيا ترى بأن إدلب هي عبارة عن مناطق نفوذ لها نظراً لتواجد بقايا القاعدة ومرتزقة داعش والمجموعات المرتزقة الأخرى فيها.

معارك بين الفصائل المسلحة في إدلب:

بعد سيطرة الفصائل على المدينة، اندلعت العديد من المعارك ضد جيش الفتح وجبهة فتح الشام والنصرة مما اضطر العديد من الفصائل التابعة لها للانضمام إلى فصائل “حركة أحرار الشام”، وانسحب فصيل ” جند الأقصى” من جيش الفتح بعد أن اتهموا بانتمائهم لتنظيم داعش، حينها أغلقت كافة المعابر أمام “جند الأقصى” وتم استئصاله في إدلب، والسماح لبقية مسلحيه بالذهاب إلى المناطق التي كانت تسيطر عليها داعش.

فيما شهدت في الفترة التي أعقبت خروج المعارضة من شرق حلب، تفكك أقوى فصائل المعارضة، وهي “حركة أحرار الشام”، عندما انشقت قوة ضاربة فيها منضوية تحت اسم “جيش الأحرار” وانضمت إلى “هيئة تحرير الشام” التي شكلتها جبهة فتح الشام. ومؤخراً حسمت العديد من الفصائل في المحافظة وأبرزها “فيلق الشام؛ الفرقة الساحلية الأولى؛ جيش النخبة؛ جيش إدلب الحر؛ جيش النصر؛ جيش الأحرار” ، أمرها لتتفق على الاندماج تحت اسم “الجبهة الوطنية للتحرير” بطلب من الاستخبارات التركية طبعاً.

التدخل التركي في الشأن السوري واتفاقياتها مع روسيا غير مسار الثورة في إدلب:

دعمت تركيا المجموعات الإرهابية المتواجدة في مدينة إدلب تحت مسميات مختلفة ومن خلال استعمال المعابر الحدودية بالأسلحة والذخيرة، فيما شكلت تركيا فصائل مسلحة في مناطق جرابلس والباب، لتطلق أول عملية لمجموعات “درع الفرات” بتاريخ 24أغسطس/ آب2016، احتلت تركيا على إثرها مدينة جرابلس وريفها، لتنتزع لاحقاً المنطقة الواقعة بين مدينتي أعزاز والراعي، وفي 17 اكتوبر/تشرين الأول 2016 دخلت الفصائل المدعومة من قبل تركيا مدينة “دابق” ومن ثم توجهت إلى مدينة الباب لتتمكن من احتلالها خلال أيام قليلة.

بعد أن احتلت تركيا بعض المناطق السورية بدأت بتقديم الدعم لفصائل الجيش الحر في المناطق السورية كي تستخدمها لمصالحها الشخصية في المناطق السورية لأن طموحاتها لم تكن جرابلس والباب فقط إنما امتدت طموحاتها إلى عفرين وحلب وباقي المناطق السورية.

لم تتمكن الدولة التركية من التقدم في أطراف حلب والاقتراب من عفرين بسبب التواجد الروسي فلجأت تركيا لإبرام صفقات لإرضاء الطرف الروسي وعلى إثرها اجتمعت كل من روسيا إيران وتركيا في قمة أستانا ليتفاوضوا حول تقاسم المناطق السورية، وبموجب تلك الاتفاقيات سمحت روسيا لتركيا بشن هجوم على عفرين واحتلالها.

اجتمعت الدول الضامنة لمسار أستانا روسيا، تركيا وإيران في 15 سبتمبر/أيلول 2017 وخلال الاجتماع توصلت الأطراف إلى اتفاق على إنشاء منطقة خفض توتر في محافظة إدلب، وفقا لاتفاق مايو/أيار 2017. وجرى الاتفاق في ختام الجولة السادسة من مفاوضات أستانا بشأن الأزمة السورية.

واتفقت الدول الثلاث على نشر مراقبين في إدلب لضمان احترام وقف إطلاق النار بين المعارضة وقوات النظام. بعد اتفاق أستانا بأيام عززت الدولة التركية قواتها قرب الحدود مع سوريا، والإعلان عن وصول رتل عسكري يتكون من نحو ثمانين ناقلة جند مدرعة تابعة للاحتلال التركي إلى الحدود مع سوريا، تمركزت القوات التركية في منطقة “المخيم القديم” القريب من مدينة الريحانية الواقعة على الجهة المقابلة لمعبر باب الهوى في ريف إدلب الشمالي.

فيما أدخلت الدولة التركية قواتها إلى نقاط مراقبة توزعت في مناطق ريف إدلب، سبقها إنشاء نقاط مماثلة توزعت في ريف حلب الغربي وفق ما يلي:

  • النقطة الأولى: في صلوة بريف حلب الغربي قرب أطمة تطل على عفرين.
  • النقطة الثانية: جبل الشيخ بركة في مدينة دارة عزة بريف حلب الغربي.
  • النقطة الثالثة: الشيخ عقيل في سمعان بريف حلب الغربي.
  • النقطة الرابعة: تلة العيس بريف حلب الجنوبي.
  • النقطة الخامسة: تل الطوقان غرب بلدة أبو الظهور بريف إدلب الشرقي.
  • النقطة السادسة: صوامع الصرمان بريف معرة النعمان الشرقي بريف إدلب الجنوبي.

أبرز المناطق السورية التي توجهت فصائلها العسكرية إلى إدلب بموجب الصفقات التركية الروسية:

في مايو/ أيار 2014، وافقت فصائل ما تسمى بالـ “معارضة” على مغادرة معقلهم في البلدة القديمة في حمص (وسط)، ثالث أكبر المدن السورية التي كانت توصف بـ”عاصمة الثورة”، بعد حصار استمر عامين، وكان هذا الاتفاق الأول من نوعه بين النظام ومقاتلي المعارضة منذ بداية النزاع في مارس/آذار 2011، وبين منتصف مارس ومايو 2017، خرج الآلاف من المدنيين من حي الوعر، الذي يعتبر آخر مناطق سيطرة فصائل المعارضة في حمص، ما أفسح المجال لقوات النظام لاستعادة السيطرة الكاملة على المدينة.

في أغسطس/آب 2016، غادرت فصائل المعارضة داريا في محافظة دمشق بموجب اتفاق أنهى أربعة أعوام من القصف والحصار الذي فرضه النظام على المدينة. وتم نقل مقاتلي المعارضة وعائلاتهم إلى محافظة إدلب في شمال غربي سوريا بينما سيطر الجيش على داريا.

بعد حصار خانق وقصف مكثف بالبراميل المتفجرة والصواريخ والغارات الجوية التي أثارت ردود فعل دولية غاضبة ودمرت شرق المدينة، سيطر جيش النظام السوري في ديسمبر/ كانون الأول 2016 بالكامل على مدينة حلب، ثاني أكبر المدن السورية، وحصل ذلك بعدما تم إجلاء عشرات الآلاف من مقاتلي المعارضة والمدنيين بموجب اتفاق رعته كل من إيران وروسيا وتركيا.

في الغوطة الشرقية وبعد عملية عسكرية استمرت أسابيعاً، بدأ النظام السوري وحليفته روسيا بإبرام اتفاقات إجلاء لإخراج فصائل المعارضة. ووصل أكثر من 46 ألف شخص ربعهم من المقاتلين إلى إدلب، وفق أرقام رسمية، وتم نقل آلاف آخرين بينهم عناصر من جيش الإسلام ومدنيين من دوما إلى محافظة حلب الشمالية.

في مايو 2017، أبرم النظام اتفاق “مصالحة” في أحياء برزة والقابون وتشرين الخاضعة لسيطرة المعارضة في دمشق. وخرج بموجبه آلاف المدنيين والمقاتلين متجهين نحو إدلب ما سمح للنظام بالسيطرة على الأحياء الثلاثة بشكل كامل.

في 15 يوليو/ تموز 2018 أجلت الفصائل مئات من المقاتلين والمدنيين من مدينة درعا الجنوبية إلى شمال سوريا أي إلى مدينة إدلب حيث توصّلت المعارضة السورية لاتفاق في محادثات مع الجانب الروسي حول درعا، يتضمن بدء تسليم السلاح على مراحل، ونشر أفراد من الشرطة العسكرية الروسية قرب الحدود مع الأردن، وبموجب الاتفاق سرت الهدنة في الجنوب السوري.

عقدة إدلب في مضمون الاجتماعات بين روسيا وتركيا واتفاقية سوتشي الأخيرة:

هذا ولا تزال سيناريوهات مستقبل إدلب غير واضحة، خاصة في ظل عدم بدء أي عمليات عسكرية ضد أي طرف حتى الآن، فيما تتوارد الأنباء عن خلافات بين روسيا وتركيا حول مصير مدينة إدلب السورية، فروسيا التي دخلت على مسار الثورة السورية والتي ساندت النظام السوري جواً وبراً في المناطق السورية للقضاء على المجموعات والفصائل الإرهابية كادت أن تصل إلى أهدافها الأخيرة وتستعد لعملية عسكرية كبيرة للقضاء على كافة المجموعات التي جمعتها من كافة أنحاء سوريا عبر اتفاقيات في محافظة إدلب.

أما الاحتلال التركي ومجموعاته المسلحة التي استغنت عن العديد من المناطق السورية خلال اتفاقيات مع الروس تحاول أن تحافظ على المناطق التي تحتلها في الوقت الحالي، فيما يحاول الاحتلال التركي من خلال تواجده في محافظة إدلب الامتداد إلى ريف حلب الذي استغنى عنه في وقت سابق.

فيما توصل الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان بتاريخ 17 أيلول 2018 في ختام لقاء جمعهما في منتجع سوتشي، إلى اتفاق يقضي بإقامة منطقة منزوعة السلاح بمحافظة إدلب في 15 تشرين الأول/أكتوبر الجاري.

وتهدف المنطقة منزوعة السلاح، التي ستدخل حيز التنفيذ في 15 أكتوبر إلى إنشاء حد فاصل بين القوات السورية الحكومية من جهة وفصائل المعارضة المسلحة من جهة أخرى. ويتراوح عرض المنطقة بين 15 و20 كيلومترا على طول خط التماس بين القوات الحكومية والفصائل المسلحة.

وبحسب مذكرة التفاهم، سيتعين على فصائل المعارضة المسلحة بما فيها جبهة النصرة الانسحاب من المنطقة.

وستقوم دوريات مشتركة من القوات الروسية والتركية بمراقبة المنطقة لضمان عدم وجود خروقات.

وتأتي مذكرة التفاهم الروسية التركية، في غياب إيراني واضح، في إشارة إلى عدم موافقة طهران، التي تدعم بقوة شن عملية عسكرية على إدلب.

بات مصير محافظة إدلب التي أصبحت مركزاً للصراعات في الشمال السوري بيد روسيا وتركيا، فبعد الانتهاء من إخلاء محافظة درعا من الفصائل المسلحة سيتوجه النظام السوري إلى آخر أكبر معاقل تواجد الفصائل المسلحة الإرهابية في سوريا، وفي حال لم تصل تركيا وروسيا لاتفاقات مستقبلية لعودة إدلب إلى سيطرة النظام السوري، وإن لم تسحب تركيا قواتها من مدينة إدلب قد تشهد المنطقة عمليات عسكرية كبيرة تؤدي إلى نهاية العلاقات الروسية التركية.

فالتواجد التركي على غرار تواجد الدول الخارجية في سوريا لن يخدم بأي طريقة في وضع حل سياسي وسلمي يرضي كافة الاطراف السورية، حيث إن التواجد التركي سيسعى إلى نشر بذرة الإرهاب والمرتزقة في المناطق الأخرى، وحال إدلب سيعقد الأزمة بشكل مضاعف.

 

 

 

 

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password