تل عجاجة (شاديكاني)… آثار تأبى الغياب؟؟؟

الآثاري: ياسر شوحان

إلى الجنوب من مدينة الحسكة، وعلى بعد مسافة 30 كم منها تقوم آثار شاديكاني أو ما يسمى محلياً بتل عجاجة؛ والذي يعود باستيطانه إلى نهايات الألف الثاني قبل الميلاد.  وبداية الألف الأول قبل الميلاد.

يقع تل عجاجة على الضفة اليمنى لنهر الخابور، وهو تل ذو شكل يشبه المعين تقريباً، حيث تبلغ أبعاده 500 متر تقريباً في كل من جهاته الشمالية والشرقية والغربية، في حين أن طول جهته الجنوبية حوالي 150 متر، يحيط بالتل الأثري سهول الخابور، حيث يرتفع الموقع عنها بحدود 15 متر لا أكثر، وتجدر الإشارة إلى أن هذا الموقع واحد من خمسة تلال أثرية كانت تضم فيما مضى ما تبقى من مدينة عربان، والتي كانت تعد واحدة من أعظم المدن التي قامت على نهر الخابور.

عفريت تأبير النخيل

تاريخ التل الأثري:

لقد أشارت الحوليات الآشورية (سجلات الملوك الآشوريين) إلى موقع شاديكاني، حيث ذُكرت فيما ذكره الملوك الآشوريين مثل حدد نيراري 911 ـ 932 قبل الميلاد، وتيكولتي نينورتا الثاني 890 ـ 884 قبل الميلاد، وآشور ناصر بال الثاني 883 ـ 859 قبل الميلاد، حيث اعتمدت دراسات الآثاريين على تحديد الموقع والتسمية بشكل دقيق، إذ استطاع العالم الآثاري ج.سميث بتحديد التسمية وذلك من خلال الرُقم المسمارية المكتشفة في التل الأثري. كما يشير آثاريون آخرون بأن هذا التل هو الموقع الوحيد في منطقة الخابور الذي استطاع الآثاريون تحديد اسمه على وجه الدقة.  وتعتبر شاديكاني إحدى أهم وأقوى المدن في الريف الآشوري، فبعد تأسيس الإمبراطورية الآشورية في القرن الثالث عشر قبل الميلاد أصبحت الإمبراطورية الأقوى في منتصف وشمال بلاد الرافدين.

لاماسو حارس مدخل القصر محفوظ في المتحف الوطني بدير الزور

التنقيبات الأثرية:

في ربيع عام 1850 قام الباحث الإنكليزي أوستن هنري لا يارد بالبدء بحملة تنقيب في تل عجاجة، حيث كان يعمل في تلك الفترة في موقع نمرود الأثري في العراق، وبعد أن أجرى تنقيباته في سبرين أثريين عثر خلالهما على بقايا لقصر آشوري وعلى العديد من التماثيل الحجرية المنحوتة من الصخر الرسوبي مثل الثيران المجنحة (لاماسو) وبعض النُصب الحجرية والمنحوتة أيضاً على الصخر الرسوبي والتي تحمل مواضيعاً مختلفة.

واستكمالاً لما بدأه لا يارد من تنقيبات أثرية في منتصف القرن التاسع عشر قامت بعثة أثرية سورية ألمانية مشتركة برئاسة الآثاري أسعد المحمود وهارتموت كيونه منذ عام 1982 وحتى عام 1990 بالتنقيب في الموقع الأثري، وكشفت خلال هذه السنوات عن ستراتيغرافيا وكرونولوجيا الموقع (الطبقات والسويات الأثرية)، حيث دلت التحريات الأثرية على أن هذا الموقع مر بمراحل ثلاث احتوت / 19 / طبقة أثرية ساعدت الكسر الفخارية في تأريخها:

1 ـ المرحلة الأولى: وهي المرحلة التي تتضمن الطبقات العائدة لفترة الحضارة الإسلامية، حيث تتضمن هذه المرحلة ثمانية طبقات تبدأ من سطح التل الأثري، ويذكر المؤرخون أن نور الدين زنكي قد أقام جسراً على نهر الخابور يصل إلى الموقع.

2 ـ المرحلة الثانية: وتعود الطبقات الأثرية لهذه المرحلة إلى الفترة البيزنطية، حيث تتضمن أيضاً ثمانية طبقات، كما تشهد طبقات هذه الفترة من هذه المرحلة نشاطاً للموقع، غير أن الصفة الغالبة عليه هو أساس التل حيث الفترة الآشورية.

3 ـ المرحلة الثالثة: وهي المرحلة العائدة للقرن التاسع قبل الميلاد، أي أنها تعود للفترة الآشورية الحديثة، حيث عثر على طبقتين فقط تعودان لهذه الفترة.

وعلى الرغم من أن امتداد التل الواسع إلا أن الاكتشافات الأثرية استطاعت أن تكشف عن مبنى شبيه بالقصر مع ممرات مزينة بالمنحوتات الحجرية وغرفاً مبنية باللِبن وبأرضيات مبلطة بالآجر.

نصب من شاديكاني موجود في المتحف الوطني بدير الزور

سر الثور المجنح (لاماسو):

يشير عبد المسيح بغدو أن أجزاء الثور المجنح والذي عثر عليه في تل عجاجة يطلق عليه لاماسو،  وهي كلمة آشورية قديمة تعود أصولها للغة السومرية،  حيث تُشير إلى أنثى الجن والتي هي تقوم بحماية القصور والمعابد والمدن، وتنتشر بشكل كبير في مناطق انتشار الآشوريين في بلاد الرافدين والجزيرة السورية، وذلك خلال فترة الألف الثاني قبل الميلاد، وهو مزيج من عناصر القوة لدى الكائنات الحية، فرأس الإنسان رمز للحكمة والمعرفة وجسد الثور للقوة والشدة وجناحا النسر للمجد والسيطرة، والقدمان للثبات والرسوخ، وتشير جميع هذه الأجزاء التي تجتمع لتشكل هذه الرائعة الفنية في تمثال واحد،  حيث يكون في مداخل القصور يبعث الرهبة في نفوس الداخلين إليها.

عفريت تأبير النخل، الأصل موجود في المتحف الوطني بدير الزور

الآثار تحت معاول الجهل:

في مطلع عام 2014 شهد ريف الحسكة الجنوبي انتشاراً واسعاً لتنظيم الدولة الذي أخذ بالاستيلاء والاتساع والسيطرة، وكان موقع تل عجاجة من بين المواقع التي سيطروا عليها، لكن الآثار شأنها شأن كل ثمين لا تسلم من الحماقات، فما يحتاج لأعمال التنقيب المنهجي في عملية تسجيل وتدوين التاريخ قد يحتاج إلى عشرات السنين للكشف والتدقيق والبحث في حين أنه لا يستغرق سوى دقائق فقط لدى أصحاب الجهل لإزالة أجزاء كبيرة من البنية الأثرية.

وفي شباط عام 2016 تمكنت قوات سورية الديمقراطية بالسيطرة على موقع تل عجاجة الأثري، لكن بعد أن تُرك الموقع أثراً بعد عين. فبعد أن سيطرت فصال صراع مختلفة قبل تنظيم داعش على الموقع لم يُترك سليماً أيضاً، إذ تناوب على نهب هذا المكان المتصارعين إلى أن سيطرت قوات سورية الديمقراطية عليه لتجعل للموقع حماية وحراسة حتى ولوبشكل مؤقت، ومن الجدير بالذكر أن تنظيم الدولة الإسلامية استخدموا كافة الوسائل في محاولاتهم للكشف عن الآثار وتهريبها، فقد استخدموا الجرّافات الصغيرة (بوبكات) والكبيرة أيضاً عدا عن مواد الحفر اليدوية التي قاموا بها في محيط التل الأثري.

ولم تكتف داعش بعملية النهب أيضاً بل تعداه إلى حفر الخنادق للتخندق والتمترس في محيط التل لصد الهجمات.  لكن ما أثر وبشكل سلبي جداً على جسم التل الأثري هو تخريب الطبقات الأثرية نتيجة الحفر مما أضاع قسماً كبيراً من السويات الأثرية والتاريخية التي من الممكن أن تشكل إضافة هامة جداً للتاريخ الآشوري في تلك المنطقة.  وعلى الرغم من هذا فقد اكتُشف أن التنظيم قد استخرج تماثيلاً مختلفة الأحجام والصفات مع العديد من الأعمدة التي كانت تشكل مظهراً تزيينياً لمداخل القصور والمعابد.

وحسبما ذكر الأهالي فإن عناصر داعش كانوا شبه مقيمين في الموقع الأثري وذلك من حرصهم على استنزاف كل الطبقات الأثرية فيه، كما قاموا بالتعامل مع تجار آثار خارج البلاد لشراء اللقى الأثرية التي كانوا يحصلون عليها من الموقع، وكل هذه الأعمال كانت تتم بسرية بالغة وفي ليالٍ يلفها الغموض والكتمان مع منع الكثيرين من الاقتراب من التل الأثري أو المساس به.

إن أكثر ما أضر بالتل الأثري هو حفر الأنفاق والتي وصلت أطوالها إلى 25 متر أحياناً، كما أن هذه الأنفاق من شأنها أن تُحدث ضرراً كبيراً في بنية التل الأثري نتيجة تخريب طبقاته الأثرية، وقد قدّر آثاريون نسبة التخريب التي لحقت بالتل الأثري لتصل إلى 40 % من مساحة التل، وإن كان هذا صحيحاً فأنا أقدِّر نسبة التخريب تتجاوز 65 % وذلك بسبب أن التخريب لم يحصل على مساحة أفقية من جسم التل فقط وإنما يتعدى ذلك أيضاً إلى عمق الطبقات التي حصل فيها التخريب وربما أكثر من هذا التقدير بقليل أيضاً.

 

 

 

 

 

 

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password