آلهة بابل…

جاسم العبيد

البابليون امتزاج بين سلالتين الأكادية والسومرية، وقد تأسست مدينة بابل لتكون حاضرة الجزيرة السفلى وبلاد ما بين النهرين دجلة والفرات، وتطل علينا شخصية حمورابي الفاتح المشرع الذي حكم ثلاث وأربعين سنة  وما من أحد ينظر الآن إلى موقع مدينة بابل القديمة ثم يخطر بباله أن هذه البطاح الموحشة ذات الحرارة العالية اللافحة الممتدة على نهر الفرات العظيم كانت من قبل موطن حضارة غنية قوية كادت تكون هي الخالقة لعلم الفلك، وكان لها الفضل الكبير في تقدم الطب وأنشأت علم اللغة وأعدت أول كتب القانون الكبرى .

وعلمت اليونان مبادىء الحساب وعلم الطبيعة والفلسفة، وأمدت اليهود بالأساطير القديمة التي أورثوها للعالم. ونقلت إلى العرب بعض المعارف العلمية والمعمارية أيقظوا بها روح أوروبا من سباتها في العصر الوسيط،

وعندما يتأمل الإنسان نهري الفرات ودجلة الساكنين، فإنه يتعذر عليه أن يعتقد أنهما النهران اللذان أرويا سومر وأكاد، وغذيا حدائق بابل المعلقة

إنهما النهران العظيمان القديمان اللذان اختلطا بمجرى واحد بعد أن يفيضا في نيسان ليملآ الدنيا صراخاً، ولولا فيضانهما لكانت أرض الجزيرة جرداء كما هو حالها اليوم لكن بابل كانت بفضل النهرين جنة الساميين وحديقة بلاد آسية القديمة وما حولها.

وبلاد بابل تعني بالأكادية (بوابة الإله)، وكان الفرس يطلقون عليها        (بابروش)؛أي دولة ما بين النهرين القديمة وظهرت الحضارة البابلية ما بين القرنين الثامن عشر والسادس قبل الميلاد ومركز هذه الحضارة مدينة بابل، وكانت بلاد بابل تقوم على الزراعة وليس الصناعة وبابل دولة مؤسسها حمورابي عام 1763 قبل الميلاد، وأصدر شريعته وقوانينه المعروفة حوالي 282 مادة. وفي عام 1603 استولى ملك الحثيين مارسيليس على بابل وبعد أربعمئة سنة؛ استولى الآشوريون على بابل حوالي عام 1240 قبل الميلاد بمعاونة العيلاميين، وظهر نبوخذ نصر كملك لبابل عام 1145قبل الميلاد، ثم دخلها الكلدانيون عام 721قبل الميلاد، ثم دمر الآشوريون بابل للمرة الثانية عام 652 قبل الميلاد في عام 689قبل الميلاد إلا أن البابليين قاموا بثورة ضد الأشوريين عام 652قبل الميلاد، وقاموا بغزو آشور عام 612قبل الميلاد واستولى نبوخذ نصر على القدس أورشليم عام 587 قبل الميلاد وسبى اليهود عام 586قبل الميلاد وهزم نبوخذ نصر الفينيقيين عام 585قبل الميلاد، وبنى حدائق بابل المعلقة، ثم استولى الامبراطور الفارسي قورش على بابل عام 538قبل الميلاد في زمن الملك الكلداني بلشاصر وضمها لامبراطوريته.

والحضارة البابلية من أعظم الحضارات القديمة وقد حققت انجازات عظيمة في مجال الطب والهندسة والرياضيات والموسيقى.

لقد نشأ الجنس البابلي من تزاوج السلالتين السومرية والأكادية وتطل علينا شخصية قوية هي حمورابي عام 2081ق.م الفاتح المشرع والذي قيل أن شريعته  منزلة من السماء فترى الملك على أحد أوجه الأسطوانة التي كتبت عليها الشريعة العظيمة يتلقى القوانين من شمش إله الشمس نفسه وتقول مقدمة القوانين: ولما عهد (أنو)الأعلى ملك الأنوناكي وبل رب السماء والأرض الذي يقرر مصير العالم، ولما أن نطقا باسم بابل الأعلى واذاعا شهرتها في جميع أنحاء العالم، وأقاما في وسطه مملكة خالدة أبد الدهر قواعدها ثابتة ثبات السماء والأرض في ذلك الوقت ناداني (أنو وبل) أنا حمورابي عابد الآلهة لكي أنشر العدالة في العالم وأقضي على الأشرار والآثمين وأمنع الأقوياء أن يظلموا الضعفاء .. وأنشر النور في الأرض وأرعى مصالح الخلق –أنا حمورابي أنا الذي اختاره بل – حاكماً، والذي جاء بالخير والوفرة والذي أتم كل شيء – لنبوردو ريلو –.. والذي وهب الحياة لمدينة أورك .. والذي أمد سكانها بالماء الكثير ..والذي جمل مدينة بارسيا — والذي خزن الحب لأوراش العظيم .. والذي أعان شعبه في وقت المحنة وأمن الناس على أملاكهم في بابل حاكم الشعب –الخادم الذي تسر أعماله –أنونيت ( وهي الآن في متحف اللوفر بباريس ) .

هذه شريعة حمورابي التي تفتتح بتحية الإله وهي تمزج أرقى القوانين وأعظمها استنارة بأقصى العقوبات وأشدها وحشية وتضع قانون النفس بالنفس والتحكيم الإلهي إلى جانب الإجراءات القضائية المحكمة والعمل يقول حمورابي ( لما وهب لي –انو ونليل إلهاً أورك ونبور – بلاد سومر ووضعا في يدي هذا الصولجان –حفرت قناة حمورابي – نخوش –نيشي (حمورابي المفيض على الشعب) الذي يحمل الماء الغزير لأرض سومر وأكد –وبلغ من حذق حمورابي أن خلع على سلطانه خلعة من رضاء الآلهة بالرغم من أن قوانينه كانت تمتاز بصبغتها غير الدينية من ذلك شاد المعابد كما شاد القلاع واسترضى الكهنة بأن أقام لمردوك وزوجته (إلهي البلد القوميين) في مدينة بابل هيكلاً ضخماً ومخزناً واسعاً ليخزن فيه القمح للإلهين وللكهنة.

وكان على الحدود الشرقية لهذه الدولة الجديدة قبيلة قوية من أهل الجبال (الأكراد) هي قبيلة الكاشيين ولم يمضِ على موت حمورابي سوى ثمان سنين حتى اجتاح الكاشيون بابل وعاثوا في أرضها الفساد ثم ارتدوا عنها، لكنهم كانوا يشنون الغارة عليها تلو الغارة، ثم استقروا بها فاتحين حاكمين يقول ول ديورانت في كتابه قصة الحضارة الجزء الأول (ولم يكن هؤلاء الفاتحون من نسل الساميين ولعلهم كانوا من نسل المهاجرين الأوروبيين جاؤوا إلى موطنهم الأول في العصر الحجري الحديث)، ومن رسائل تل العمارنة لدينا صورة واضحة عن هذا الاضطراب الخانق، والتي يستغيث فيها أقيال بابل وسوريا بمصر التي كانوا يؤدون إليها خراجاً متواضعاً بعد انتصارات تحوتمس الثالث ويتوسلون أن تمد إليهم يدها لتعينهم على الثوار والغزاة وأخرج الكاشيون من أرض بابل بعد أن حكموها ما يقرب من 6قرون اضطربت فيها أحوال البلاد كما مصر أيام الهيكسوس.

ولما قامت دولة الميديين وضعف الآشوريين استعان نبولو لصر بالدولة الناشئة على تحرير بابل من حكم الآشوريين وأقام فيها أسرة حاكمة مستقلة ولما مات خلفه في حكم الدولة البابلية الثانية ابنه نبوخذ نصر الثاني الذي يسميه الكتاب دانيال بالرجل الوغد حقداً عليه وانتقاماً منه وفي وسعنا استشفاف من خطبة نبوخذ نصر الافتتاحية لمردك كبير آلهة بابل مرامي الملك الشرقي وأخلاقه.

(ليت البيت الذي شدته يدوم إلى الأبد أيها الإله الرحيم ولعلي أشبع ببهائه وجلاله وأبلغ فيه الشيخوخة ويكثر ولدي وتأتي إلي فيه الجزية من ملوك الأرض كلها ومن بني الإنسان أجمعين).

عاش هذا الملك حتى كاد يبلغ السن التي يطمع فيها. وكان أقوى ملوك الشرق الادنى في زمانه وقد كان أمياً ولم يكن يخلو عقله من الخبال وكانت بابل أكبر عواصم العالم القديم وأعظمها أبهة وفخامة.

وبنى الصرح العظيم الشامخ الذي يعلوه برج مدرج من سبع طبقات ويبلغ ارتفاعه 650 قدماً فوقه ضريح يحتوي على مائدة من الذهب المصمت وعلى سرير مزخرف تنام عليه كل ليلة إحدى النساء بانتظار مشيئة الله،

لم تكن سلطة الملك يقيدها القانون وحده ولا الأعيان وحدهم بل كان يقيدها أيضاً الكهنة ذلك من الوجهة القانونية لم يكن الملك إلا وكيلاً للإله في المدينة، ولهذا كانت الضرائب تفرض باسم الآلهة وكانت تتخذ سبيلها إلى خزينة الهياكل إما مباشرة أو بشتى الأساليب والحيل. ولم يكن الملك يعد ملكاً بحق في أعين الشعب إلا إذا خلع عليه الكهنة سلطته الملكية وأخذ بيد بل واخترق شوارع المدينة في موكب مهيب ممسكاً صورة مردك، وكان الملك في هذه الاحتفالات يلبس زي الكاهن، وكان هذا رمزاً إلى اتحاد الدين والدولة ولعله كان أيضاً يرمز إلى أصل الملكية الكهنوتي، وكانت تحيط بعرشه جميع مظاهر خوارق الطبيعة ومن شان هذه كلها أن تجعل القيام عليه كفراً ليس بعده كفر ولا يجزى من يجرؤ عليه بضياع رقبته فحسب، بل يجزى أيضاً بخسران روحه وحتى حمورابي العظيم تلقى قوانينه من الإله وهكذا بقيت بابل على مر الزمان دولة دينية خاضعة لأمر الكهنة على الدوام وزادت ثروة الهياكل جيلاً بعد جيل كلما اقتسم الأثرياء المذنبون أرباحهم مع الآلهة، وكان الملوك يشعرون بشدة حاجتهم إلى غفران الآلهة، فشادوا لهم الهياكل وأمدوها بالطعام والأثاث والعبيد ووقفوا عليها مساحات واسعة من الأرض وخصصوها بقسط من إيراد الدولة يؤدونه إليها في كل عام، فإذا غنم الجيش واقعة حربية كان أول سهم من الغنائم ومن الأسرى من نصيب الهياكل وإذا أصاب الملك مغنماً قدمت الهدايا العظيمة للآلهة وكان يفرض على بعض الأراضي أن تؤدي للهياكل ضريبة سنوية من التمر والحب والفاكهة، فاذا لم تؤدها نزعت الهياكل ملكيتها وانتقلت هذه الملكية للكهنة أنفسهم في غالب الأحيان وكان الفقراء والأغنياء على السواء يخصصون للهياكل من مكاسبهم الدنيوية القدر الذي يظنون أنه يتفق ومصلحتهم الخاصة، وبذلك تكدس في خزائن الهياكل الذهب والفضة والنحاس واللازورد والجواهر والأخشاب النفيسة .

كان للبابليين آلهتهم الخاصة يرأسها إله مدينة بابل مردوخ؛ الإله الخالق الحامي للأفراد وإله الحرب كذلك وهو ابن الإله أيا إله الحكمة، وله ابن يدعى نبو حامي الكتبة والمتعلمين. وكانت الآلهة عشتار آلهة كوكب الزهرة وآلهة الخصب والحرب معاً وسين، آله القمر وشمش إله الشمس والحق والعدالة كما بقية الآلهة السومرية ولكن بأسماء بابلية ولكثير من الآلهة مدينة رئيسة يقوم فيها المعبد الرئيس لعبادة الآلهة ولكن عبادته تنتشر في كل المدن وأرجاء الدولة فمركز رئيس مجمع الآلهة السومرية –البابلية

ان/ انو – في مدينة آوروك –الوركاء – ومقره السماء والإله السومري إنليل وجد معبده الرئيس في مدينة أريدو ولعشتار معبد رئيس في مدينة أوروك أيضاً والإله نبو في مدينة بورسيبا وعيد أكيتو رأس السنة البابلية أهم الأعياد البابلية وتمتد الاحتفالات به عدة أيام ويتم في فصل الخريف ثم تحول إلى الربيع، وكانت تنقل فيه تماثيل الآلهة في موكب مهيب إلى بيت خاص والاحتفال يتم عادة خارج نطاق سور المدينة حيث تتلى الصلوات والأناشيد الدينية على شرف الإله مردوخ الذي كان معبده البرجي –زقورته – في بابل أضخم نماذج تلك المعابد.

إنها كثيرة العدد لأن السكان كان لهم في خلقها خيال واسع لا ينضب معينه ولم يكن ثمة حد للخدمات التي يمكن أن تؤديها لهم آلهتهم وقد أحصي عدد الآلهة إحصاءً رسمياً في القرن التاسع قبل الميلاد فكانوا حوالي 65 ذلك أن كل مدينة كان لها رب يحميها، وكان يحدث في بابل ودينها ما يحدث عندنا اليوم وفي الديانات الموجودة جميعاً، فقد كان للمقاطعات والقرى آلهة صغرى تعبدها وتخلص لها وإن كانت تخضع رسمياً للإله الأعظم فقد أقيمت في لارسا الهياكل الكثيرة لشمش ولإشتار في أروك ولننار في أور ذلك أن الآلهة السومرية لم ينقض عهدها بانقضاء عهد دولة سومر، ولم يكن الآلهة بمنأى عن الأهلين، فقد كان معظمهم يعيشون على الأرض في الهياكل؛ يأكلون الطعام بشهية قوية ويزورون الصالحات من النساء في الليل فيستولدوهن أولاداً لم يكن أهل بابل العاملون المجدون يتوقعون أن يولدوا لهم .

وأقدم الآلهة كلهم آلهة السماء وما فيها ( أنو السماء الثابتة –وشمش –الشمس –وننار القمر –وبل أو بعل الأرض –التي يعود كل البابليين إلى صدرها بعد مماتهم وكان لكل أسرة آلهتها المنزلية تقام إليها الصلاة وتصب إليها الخمور في كل صباح ومساء وكان لكل فرد رب يحميه (أو ملك يحرسه كما نقول نحن بلغة هذه الأيام ) يرد عنه الأذى والشرور وكان جن الخصب يحومون فوق الحقول ليباركوها، ولعل اليهود قد صاغوا ملائكتهم من هذا الحشد العظيم من الأرواح .ولسنا نجد لدى البابليين شواهد على التوحيد كالتي ظهرت في عهد اخناتون وعهد اشعيا الثاني على أن قوتين من القوى قد قربتاهم من هذا التوحيد أولاهما اتساع رقعة دولتهم عقب الحروب، وهذا الاتساع أخضع آلهتهم المحلية لسلطان إله واحد والقوة الثانية أن كثيراً من المدن كانت تخلع على إلهها الخاص المحبب لها السلطان الأعلى والقدرة على كل شيء من ذلك قول – نبو مثلا

(آمن بنبو ولا تؤمن بغيره من الآلهة) ولا يختلف هذا القول كثيراً عن الوصية الأولى من وصايا اليهود.

وقل عدد الآلهة شيئا فشيئا بعد أن فسرت الآلهة الصغرى بأنها صور أو صفات للآلهة الكبرى وعلى هذا النحو أصبح مردك إله بابل، وكان في باديء الأمر من آلهة الشمس كبير الآلهة البابلية، ومن ثم لقب بل مردك أي مردك الإله واليه وإلى إشتار كان البابليون يوجهون أحر صلواتهم وأبلغ دعواتهم. وليست أهمية إشتار (وهي إستارثي عند اليونان وعشتروت عند اليهود ) لدينا مقصورة على أنها شبيهة بإيزيس آلهة المصريين وعلى أنها النموذج الذي صاغ اليونان على مثاله آلهتهم أفروديتي والرومان فينوس بل إنها تهمنا فوق ذلك لأنها تبارك عادة من أغرب العادات البابلية فقد كانت هي دمتر وأفروديت معاً؛ أي أنها لم تكن آلهة جمال الجسم والحب فحسب؛ بل كانت فوق هذه الآلهة الرحيمة التي تعطف على الأمومة الولود والموحية الخفية بخصب الأرض والعنصر الخلاق في كل مكان، ويستحيل علينا نحن أبناء هذه الأيام أن ننظر إلى صفات إشتار ووظائفها بمنظار هذا الزمن فإننا نجد بينها كثيراً من التناسق فهي كانت آلهة الحرب والحب وآلهة العهر والأم، وكانت تسمي نفسها المحظية الرحيمة وكانت تتصور لنا بإمرأة عارية تقدم ثدييها للرضاع وكثيراً ماناداها عبادها بقولهم –العذراء – والعذراء المقدسة والأم العذراء وهذا يعني أنها بعيدة عن دنس الزواج وقد رفض جلجامش أن يتزوج بها حين عرضت عليه الزواج وحجته أنه لا يثق بها ألم تحب يوماً أسداً وأغوته وقتلته

ومن أدعيتهم ( أتوسل إليك يا سيدة السيدات يا ربة الربات يا إشتار يا ملكة المدائن كلها ويا هادية كل الرجال أنت نور الدنيا أنت نور السماء يا ابنة سن العظيم –إله القمر – ألا ما أعظم قدرتك وما أعظم مقامك فوق الآلهة أجمعين – واتخذ البابليون هذه الآلهة شخصيات نسجوا حولها أساطيرهم التي وصل إلينا معظمها عن طريق اليهود وأضحت جزءاً من قصصنا الدينية، ومنها قصة الخليقة وأن مردك فتق السماء والأرض ووضعهما في مكانيهما وشرع يعجن الأرض بدمائه ويصنع الناس لخدمة الآلهة وكذلك قصة الطوفان المخرب أسطورة إشتار وتموز وكان تموز حسب نص القصة السومري أخاً أصغر لإشتار أما في النص البابلي فهو أحيانا حبيبها وأحياناً ابنها ويلوح أن كلا النصين قد سرى الى أسطورة فينوس –الزهرة – وأدونيس  وأسطورة دمتر وبرستون وإلى عشرات القصص الأخرى التي تتحدث عن الموت والبعث وتموز هذا ابن الإله أي راع يرعى غنمه تحت أريد الشجرة العظيمة التي تغطي الأرض كلها بظلها واختارته زوجاً لها في شبابها ولكن خنزيراً برياً يطعن تموز طعنة قاتلة فيهوى كما يهوى جميع الموتى إلى الجحيم المظلم تحت الأرض واسمه أرالو عند البابليين  تحكمه أرشكجال أخت إشتار التي كانت تغار منها وتحسدها وتحزن إشتار ويبرح بها الحزن فتعتزم النزول إلى أرالو لتعيد الحياة إلى تموز، وذلك بأن تغسل جروحه في مياه إحدى العيون الشافية وسرعان ما تظهر عند باب الجحيم في جمالها الرائع، وتطلب أن يؤذن لها بالدخول إن عقيدة الخلود لم يكن فيها ما يبهج البابلي ذلك أن دينه كان ديناً ارضياً عملياً فإذا صلى لم يكن يطلب في صلاته ثواباً في الجنة بل كان يطلب متسعاً في الأرض ولم يكن يثق بآلهته بعد أن يوارى في قبره وعلى الرغم من أن نصاً من نصوصهم يصف أن مردك بأنه هو الذي يحيي الموتى وأن قصة الطوفان تقول: أن من نجوا منه قد عاش أبد الدهر ولكن فكرة البابليين عن الحياة الآخرة كانت في جملتها شبيهة بفكرة اليونان فكرة أموات فيهم قديسين وأنذال وفيهم عباقرة وبلهاء يذهبون كلهم إلى مكان مظلم في جوف الأرض ولا يرى الضوء من بعد ذلك أحد منهم وكانت هناك جنة ولكنها اختصت بالآلهة أما أرالو التي يهبط إليها جميع الناس؛ فكانت دارا للعقاب في معظم الأحوال ولم تكن قط دار نعيم تقيد فيها أيدي الموتى وأرجلهم أبد  وترتجف فيها أجسامهم من البرد يجوعون فيها ويظمأون إلا إذا وضع أبناؤهم لهم الطعام في قبورهم في أوقات معينة وكانت أكثر أجسام الموتى تدفن في قباب، ومنها ما كان يحرق وهو قليل ثم تحفظ بقاياها في قوارير ولم تكن الجثث تحنط ولكن – نادبين – محترفين يغسلون الجثة ويلبسونها ثياباً حسنة ويصبغون خديها ويسودون جفونها ويلبسونها خواتم في أصابعها ويضعون معها بديلاً من الملابس الداخلية التي يلبسها وإذا كانت الجثة لامرأة وضعت معها قوارير العطور والأمشاط وأقلام الدهان وكحل العينين وذلك كي تحتفظ بطيب رائحتها وجمال وجهها  في الدار الآخرة

وكانوا يعتقدون أن الميت إذا لم يدفن على خير وجه عذب الأحياء وإذا لم يدفن قط حامت روحه حول البالوعات والميازيب تطلب الطعام، وكان الطعام والشراب أكثر ما يقرب من القرابين وكثيراً من الضأن يضحى به على المذابح البابلية وهناك وثيقة –رقية بابلية هي سابقة عجيبة لكبش الفداء عند اليهود والمسيحيين الكبش فداء الإنسان الكبش الذي يفتدى به حياته وكان أهم ما يجب أن يعمله البابلي التقي المستمسك بدينه أن يشترك في المواكب الطويلة المهيبة كالمواكب التي كان الكهنة ينقلون فيها صورة مردك من هيكل إلى هيكل ويمثلون فيها مسرحية موته وبعثه المقدسة أو أن يحضر هذه الاحتفالات وهو خاشع وأن يطلي الأصنام بالزيوت العطرة ويحرق البخور بين يديها ويلبسها أحسن الثياب وأغلاها أو يزينها بالجواهر وأن يقدم عرض ابنته العذراء في احتفال إشتار العظيم وأن يقدم الطعام والشراب للآلهة وأن يكون كريماً مضيافاً للكهنة.

كانت كلمة دين عند البابليين تعني مسألة قانونية –حكم قانوني –والقاضي يدعى ديان والمسؤول عن حماية القانون والعدالة جميع الآلهة وفي مقدمتها إله الشمس –شمش – الذي يوصف بأنه يرى كل شيء أما الملك فهو الذي يتولى السلطة ومسؤولية تطبيق القرار على الأرض وهو القاضي الأكبر. وقد عرفت بابل تشريعات سومرية تعود أقدمها إلى الملك –أورنامو – عام 1994 قبل الميلاد، ثم تبعتها تشريعات الملك – لبيت عشتار – ملك أيسن – عام 1924قبل الميلاد ثم أصدر ملك أشنونة بعدها تشريعاً كتب باللغة البابلية ولكن أبرزها كان قانون حمورابي الشهير وتشريعاته العظيمة 282 مادة والتي تعالج أموراً كثيرة تتعلق بشؤون الأسرة والعبيد والأراضي والتجارة والزراعة

إن الآداب الباقية لنا من عهد البابليين لتكثر فيها الترانيم التي تفيض بالتذلل الحار الذي يحاول السامي أن يسيطر به على كبريائه ويخفيه عن الأنظار وأكثر هذه الترانيم في صورة أناشيد توبة ومن هذه الأناشيد:

أنا خادمك أضرع إليك وقلبي مفعم بالحسرات

إنك لتقبل الدعاء الحار الصادر ممن أثقلته الذنوب

فانظر إليّ بعطف حق وتقبل دعائي

متى يا إلهي يتجه وجهك اليّ؟

وهذه الأناشيد وأمثالها كان ينشدها الكهنة أحياناً والمصلون تارة وأخرى ينشدونها معاً، وهم يتمايلون ذات الشمال وذات اليمين ولعل ما في أغرب هذه الترانيم والأناشيد –ككل آداب بابل الدينية كتبت باللغة السومرية القديمة. وكانت فكرة الخطيئة عند البابليين مما جعل هذه التصرفات تصدر عن إخلاص حق شديد ذلك أن الخطيئة لم تكن مجرد حالة معنوية من حالات النفس بل كانت كالمرض تنشأ من سيطرة شيطان على الجسم في مقدوره أن يهلكه، وكانت الصلاة عندهم بمثابة رقية تخرج العفريت الذي أقبل من طوائف القوى السحرية التي كان الشرق القديم يعيش فيها ويخوض عبابها، وكان البابليون يعتقدون أن هذه الشياطين المعادية للناس تترصدهم في كل مكان.

كانت أكثر الكتابات البابلية التي وجدت في مكتبة آشور بانيبال هي الكتابات المحتوية على صيغ سحرية لطرد الشياطين واتقاء أذاها والتنبؤ بالغيب ومن الألواح التي وجدت كتب في التنجيم، ومنها ما هو قوائم في الفأل السماوي منه والأرضي؛ ومنها بحوث في تفسير الأحلام لا تقل براعة وبعداً عن المعقول عن أرقى ما أخرجته بحوث علم النفس الحديث، وكان من أساليب التنبؤ الشائعة عند البابليين ملاحظة كيد الحيوان، ولابد من الاستعانة بالكهنة بكل هذه الأمور وليس في الحضارات القديمة كلها أغنى في الخرافات من الحضارة البابلية فكل حالة ولادة أو وفاة كان لها عند الشعوب شرح أو تأويل وكثيراً ما كان لها تفسير رسمي أو ديني يصاغ في عبارات سحرية أو خارجة على السنن الطبيعية، وكان في كل حركة من حركات النهرين وكل منظر من مناظر النجوم وكل حلم وكل عمل غير مألوف يأتيه إنسان أو حيوان شاهد يكشف عن المستقبل البابلي الخبير  العارف ببواطن الأمور، فمصير الملك يمكن التنبؤ به بملاحظة حركات كلب كما نتنبأ نحن بطول الشتاء بالتجسس على المرموط، وقد تبدو خرافات البابليين  سخيفة في نظرنا لأنها تختلف في ظاهرها عن خرافاتنا نحن والحق أنه لا يكاد توجد سخافة في الماضي إلا وهي منتشرة في كل مكان كما في الوقت الحاضر وأن تحت كل حضارة بحراً من السحر والتخريف والشعوذة. ومن أسماء الآلهة البابلية:

1- أدد- إله الطقس والعواصف.

2- أرا- إله الغلة والمحاصيل.

3- الأنوناكي – إله السماء.

4- أوتو- إله الشمس.

5- إنليل – إله الهواء.

6- آنو – إله السماء الرئيس.

7- إيكيكي –آلهة السماء العظام.

8- إينكي –إله الماء.

9- تشباك –إله السلالة.

10-شمش- إله الشمس.

11- دكان – إله سادت عبادته في منطقة الفرات الأوسط.

13- شارا –الإله الرئيس لمدينة أوما.

14- سين – والد إله الشمس.

15- ننورتا –إله الحرب والصيد.

_______________________________

 

المصادر:

1- قصة الحضارة – ول ديورانت.

2- تاريخ بابل القديم –أحمد داود.

3- تاريخ الشرق – فيليب حتي.

 

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password