الآلهة والحكومة الأخلاقية للعالم …

ترجمة : ياسر شوحان

                                                                                                   تأليف: صاموئيل هوك.

    يبدو أن معظم ما يتعلق بالديانة البابلية والآشورية يتألف أساساً في الأداء الميكانيكي من نظام محكم الطقوس يتشكّل ويوجِّه الفرد من المهد إلى اللحد، وفي الأساطير القديمة فإن الآلهة تتصرف مثل الرجال يأكلون ويشربون، ويتشاجرون ويخدعون، ويشعرون بالغيرة من بعضهم البعض، ولا يمكن أن يقال أن الآلهة تمتلك معاييراً أخلاقية. ومع ذلك فإن الحكم يحتاج إلى بعض التوضيح. في شريعة حمورابي يُمثل الملك العظيم قائلاً: ” في ذلك الوقت، دعاني آنو وبيل، حمورابي، الأمير الممجد، الذي يخشى الآلهة، لجعل الحق يسود الأرض، لتدمير الشر والأشرار، لمنع الأقوياء من اضطهاد الضعفاء “. لدينا هنا – حوالي منتصف القرن الثامن عشر قبل الميلاد – عبارة واضحة على أن الآلهة العليا تتحرك لغرض أخلاقي، وأن المعايير الأخلاقية المنصوص عليها في القانون تمثل إرادة الآلهة. مقتفية أثر المفهوم الأخلاقي للواجبات الملكية السابقة التي يمكن العثور عليها في كتابات المجدد ملك لجش أوروكاجينا Urukagina حوالي عام 2600 قبل الميلاد، هذا الملك الذي يمثل نفسه موفداً من الآهلة نينجرسو Ningirsu لوضع حدٍ للجشع الذي مارسه الكهنة والمسؤولين والذي أصبح متفشياً خلال عهود أسلافه، وليس هناك أي دلائل لإظهار فيما إذا كان هذا هو الاتجاه العام المنتشر خلال الفترة السومرية. وكما يشير فون سودن  فإن هذا قد يكون ممكناً لمعرفة وجود الدافع الديني وراء عزم الملوك الآشوريين إلى جعل العالم كله يُقِّر بالخضوع لإلههم آشور.

    بعد سقوط المملكة البابلية القديمة تظهر هناك أدلة على وجود تغيير في الموقف في ذهنية الكهنة نحو مفهوم غير أخلاقي للآلهة وجدت في الأساطير السومرية القديمة. فمن الممكن أنه وجد شيء شبيه بالتعديل النبوي في تاريخ إسرائيل المبكر في تعديل وإعادة صياغة ملحمة الخلق، وحظر العديد من الأساطير السومرية القديمة حول الآلهة. ويبدو أن تجربة الهيمنة الخارجية لفترات طويلة أثارت التفكير في أذهان الكهنة البابليين السؤال لماذا سمحت آلهتهم أن يحدث هذا لهم؟ كما الهيمنة الآشورية على إسرائيل أثارت السؤال نفسه في أذهان الأنبياء العبريين. وكلا السؤالين يحمل الإجابة التي وصلتنا: إن مثل هذه الكوارث كانت عقاباً على الخطيئة.

    وهنا يجب أن نتوقف للحظة للتقصي حول المفهوم البابلي للخطيئة. في هذه المجموعات من الطلاسم مثل ماكلو وشوربو الذي سبق أن أُشير إليه والاعتراف المتكرر بالذنب يمكن العثور عليها، ولئن كان من الواضح بشكل عام للبابليين العوام أن الخطيئة تعني عدم التقيد بالعبادة. وخرق بعض الممنوعات، التي جلبت على المتألم بشكل غير متعمد غضب الآلهة أو وضع نفسه في قبضة الشياطين الخبيثة. ويبدو أيضاً من النصوص نفسها أن المتوسل أدرك أنه ارتكب مخالفات أخلاقية، ولا سيما ضد الروابط الأسرية والواجبات كما ذكرت أيضاً عدم المصداقية وعدم الرحمة، بالإضافة إلى مقاطع في الصلوات والتراتيل المقدمة للآلهة المختلفة تتحدث فيها عن وجود شعور قوي بأن الخطيئة تُسبب خرقاً بين المتوسل وربه. على سبيل المثال في صلاة مقدمة لعشتار نجد ما يلي: ” إليكِ صليتُ، اقضي لي ديني، اغفري ذنبي، إثمي، أعمالي المشينة، وجريمتي. تغاضي عن أعمالي المُخزية، تقبلي صلاتي، فكي قيودي، لأضمن نجاتي ” ، ومرة أخرى في صلاة رائعة موجهة إلى جميع الآلهة المعروفة والمجهولة ومن المحتمل أنها تعود إلى فترة آشور بانيبال؛ نجد تعبيراً بأن الإنسان لا يمكنه معرفة إرادة الآلهة، ولا يمكنه معرفة فيما إذا كان ارتكاب المعاصي تشكل أرضية لالتماس الرحمة، وهنا مقتطفات منها: “الرجل الغبي، لا يعرف شيئاً، الناس، كل شخص موجود، ماذا يعرف ؟ سواء أكان عاصياً أو فاعلاً للخير، حتى أنه لا يعلم. يا ربي لا تلق بعبدك للأسفل، غير أنه سقط في المستنقع، خذ بيده. الذنب الذي قمتُ به يتحول إلى صلاح، فالإثم الذي ارتكبته، سأترك الريح تحمله بعيداً، فذنوبي الكثيرة قطعتها مثل الثوب، أزل ذنوبي وسوف أترنم بحمدك، فقلبك مثل قلب أم حقيقية يهدئني، مثل أم حقيقية وأب حقيقي، هدئني ”  ومع ذلك فلا بد أيضاً من الإشارة إلى أن في الصلاة نفسها يخبر المتوسل الإله إلى أنه قد أكل طعاماً محرّماً بدون أن يعرف ذلك، وأنه وطئ أرضاً محرمة من غير قصد. ومن هنا يبدو أنه لا يوجد تمييز واضح في ذهن البابلي في القرن الثامن قبل الميلاد بين نوعين من الخطيئة، والتي يمكن أن يشعر بكلا السببين، وليس فقط من المرض والكوارث، بل حتى أيضاً بالانتهاك بين الإنسان وربه.

    ومن الضروري هنا أن أُشير إلى أن المفهوم البابلي من العقاب الإلهي للخطيئة والثواب اقتصر بالكامل على ثواب البرّ في هذه الحياة، تماماً كما نجد في المفاهيم العبرية في وقت سابق مفهوم الثواب والعقاب. وتضمن المفهوم المصري للحياة الثانية بالاعتقاد في الحكم بعد الموت، والخلود المبارك في عالم أوزيريس لأولئك الذين اجتازوا هذه المحنة بنجاح. وضع الفكر اليهودي في وقت لاحق توقعات مماثلة، على الرغم من أنه ذو طابع أكثر روحانية، ولكن حتى الآن كما يظهر في الدلائل المتوفرة أن المفهوم البابلي للحياة الثانية ظل حتى النهاية كئيباً وذو صفة محظورة، فالوصف المُعطى لجلجامش من صديقه أنكيدو عندما سُمح له بالعودة إلى العالم العلوي حول حالة الموتى في العالم الآخر يبدو أنه متواصل وبدون تغيير، وربما كان مصدراً للأفكار العبرية القديمة واليونانية للحياة الثانية. فإنكيدو يخبر جلجامش بأن الجسد معروف ومحبوب من الحشرات ومُلئ بالغبار، أيضاً في وقت سابق من الملحمة، يرى إنكيدو حالة الموتى في المنام ويروي لجلجامش: ” إنه (أي إله العالم السفلي) التفت إلي، بحيث كانت ذراعي كالطيور. نظر في وجهي، وقادني إلى منزل الظلام، إلى دار إيركالا، إلى البيت الذي من يدخله لا يغادره، على الطريق الذي لا سبيل منه للعودة، إلى المنزل الذي حرم فيه سكانه من الضوء، حيث الغبار أجرتهم والطين طعامهم، وملابسهم مثل الطيور مع أجنحة لملابسهم ولا يرون الضوء، ويقيمون في الظلام ” .

    تظهر الأساطير الباكرة كم انشغل السومريون والبابليون بمشكلة سبب سماح الآلهة للموت والمرض بدخول العالم، ويبدو أن الجواب التقليدي يكمن في غيرة الآلهة من الإنسان، فأبقوا الخلود لأنفسهم وتركوا الكثير من الناس للموت.

    فيما بعد أصبح مفهوم الآلهة أخلاقياً، وكان الرأي المشترك لحكومة الآلهة على العالم كان من المفترض أن يكون ثواباً للفضيلة وعقاباً على الخطيئة مع مكافآت مادية وعقوبات على الازدهار والحياة الطويلة أو في حالات الكوارث والموت. هذا وكما نعلم أيضاً وجهة النظر التقليدية بين اليهود، كما حدث مثلاً في نقاشات أصدقاء أيوب. لكن الشكوك حول صحة هذا الافتراض يبدو أنها نشأت بين البابليين في وقت أبكر بكثير مما كانت عليه بين العبرانيين في وقت مبكر من نهاية الألف الثاني قبل الميلاد. فكتب شخص ما ترتيلة لمردوخ، والتي تعرف بكلماتها الافتتاحية ludlul bel nimeqi (أُبارك رب الحكمة) هذه القطعة الرائعة من الأدب البابلي، والتي تدعى أحياناً بـ ” وظيفة البابلي “، أثارت مشكلة للحكومة الأخلاقية للعالم. فقدَّم البلاغ الذي يصف نفسه بأنه مسؤول من رتبة عالية يصف كيف أنه على الرغم من كل ما قدمه من التقوى والالتزام الدقيق بواجباته الدينية فقد لاحقه سوء الحظ، وعانى كثيراً من المرض، وهو يتأمل حالته المحزنة اضطر للصراخ ” ما هو الجيد في مرأى الشيطان للإله، ما هو السيء في اعتبار المرء صالحاً عند ربه، من يستطيع فهم مستشار الآلهة في وسط السماء؟ خطة الله في مياه عميقة من يستطيع إدراكه ”  فحالته تزداد سوءاً، ولا يستطيع كاهن أو تعويذي مساعدته، والإله لا يـأتي لمساعدته، ولا إلهة تأخذ بيده للرحمة، وهو قادم إلى نهر العالم السفلي، عند ذلك يتدخل مردوخ فجأة، مخرجاً إياه من خوبور uburḪ نهر العالم السفلي، ويعيد له الصحة والرخاء، حتى يتسنى للجميع رؤية أعجوبة مردوخ والثناء عليه.

    وكما هو الحال في الوظيفة العبرية هنا وحتى لا يكون هناك جواب مزدوج. فإن الشاعر العبري في نهاية الجزء الشعري من عمله، يترك العمل مع شعور ساحق بتفاهة نفسه وعدم القدرة على فهم أصغر جزء من طرق يهوه Jahveh، فهو ينهي عمله مع اعترافه بعدم جدارته الأخلاقية، ولكن في حال قبول الفصل الختامي كجزء من الهدف الأصلي للشاعر فإنه يعطي لقرّاءه نهاية تقليدية سعيدة. فالعمل يشفيه ويعود ازدهاره مضاعفاً، وهو يرى عرض التضحيات إلى يهوه. وبالمثل فإن الشاعر البابلي يمثل المُعاني كما يأتي إلى نتيجة مفادها أن طرق الآلهة غير قابلة للبحث. ولكن على الرغم من ذلك يظهر مردوخ أخيراً مقبلاً على مساعدته وإعادة الصحة والرخاء إليه، على الرغم من أنه لا يوجد تفسير لماذا لم يسمح له بتوفير معاناته.

    ثانياً، في نص من وقت لاحق نوعاً ما، في شكل حوار بين السيد والعبد يذهب أبعد من ذلك بكثير في الشكوك المدمرة، والحرمان من كل القيم الأخلاقية. وهو يقدم العديد من أوجه التشابه الملحوظة لكتّاب Ecclesiastes. وحيث أن نهاية النص مفقودة فإنه لا يمكننا معرفة فيما إذا كان قد أنهى ملاحظته بالتشاؤم أو شعوره بالارتياح.

    هذا الفرع الشكّاك في الفكر الديني العبري لا يستطيع أن يخنق التيار الأعمق للتجربة الروحية المُغذاة من الأنبياء والتي وجدت تعبيراً لها في مثل هذه المفاهيم مثل ما هو عند الخادم المُعاني في سفر أشعيا، وتدفقت للدخول في المسيحية. ولكن لا يوجد موازاة هنا مع هذا التطور في الدين البابلي. فلم يكن حل التناقض الكامن بين مفهوم الآلهة امتلاك إرادة أخلاقية ومنظومة المعقدة من طقوس الاحتفالات الهادفة إلى حث الآلهة بالقيام بواجبهم الأخلاقي، إذا جاز التعبير، وأخيراً غرق الدين البابلي تحت ثقل كتلة سحق التقاليد غير المفهومة.

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password