شبكات الطرق وقنوات الري في الجزيرة السورية (( دراسة أثرية )…

الآثاري : ياسر شوحان

لقد شكّلت الجزيرة السورية منذ القديم هاجساً لدى الباحثين والآثاريين ليحرزوا قصب السبق في الكشف والاكتشاف مثلما هم سبقوهم من قبل ملوك وحضارات بلاد الرافدين طامعين في السيطرة على منابع المياه والملاحة، التي تقودهم إلى توسيع دولهم وممالكهم.

ومنذ ما يقارب المئة والخمسين عاماً بدأت أنظار العلماء تتجه لدراسة هذه المنطقة، غير أن ما بقي فيها كثير ويحتاج لاكتشاف جديد. وفي البحث ومنهجيته نجد أن منطقة الجزيرة السورية قد أحاط بها المؤرخون والجغرافيون القدامى كابن حوقل والإدريسي وابن الأثير الجزري وابن جبير وياقوت الحموي. لكن في العصر الحديث لم يهتم بها إلا المستشرقون من آثاريين وهواة لجمع التحف والآثار وكان هذا قبل الحرب العالمية الأولى، وخلال فترة بين الحربين، أما بعد عام 1950 فنجد أن البحث والتقصي عاد خاملاً نسبياً لحقها جيل جديد من الآثاريين الشباب المدفوعين بحب الاكتشاف ومن أجل تسجيل اكتشافات علمية جديدة برعاية مراكز البحوث العلمية في أوربا والتي كان لها أثر كبير في الكشف عن العديد من المواقع الأثرية في منطقة الجزيرة السورية.

رحلة علمية:

في مطلع الخمسينيات من القرن العشرين قام عالمين من علماء الآثار المشهود لهما بالنشاط العلمي وهما ج. فان لير و ج. لوفريه برحلة علمية إلى منطقة الجزيرة السورية العليا، كانت رحلة علمية موثقة ومهمة رفيعة لتقديم دراسة جديدة عن التلال الأثرية والآثار القديمة فيها، إذ لم تكن هناك سوى بعض دراسات متفرقة عن المنطقة تتضمن طرق المسافرين والخانات، وتوثيق ما بدأه بعض الآثاريين في تل حلف وشاديكاني وحوض نهر الخابور بشكل عام.

وتجدر الإشارة إلى أنه في العشرينيات من القرن العشرين قام الأب أنطوان بواديبارد برحلات جوية اعتمد فيها التوثيق والتصوير على مبدأ الملاحظة المباشرة، حيث قام بتصوير المواقع الأثرية المنعزلة في حين أغفل عدداً ضعيفاً من المواقع. وقد استعان بأفضل تقنيات التصوير في ذلك الوقت، بينما اعتمد لوفريه ولير على أجهزة حديثة للتحضير الفوتوغرافي في الملح والفضة والجلاتين، مما مكنّهما من الحصول على صور دقيقة بارتفاع 3500 ـ 4000 متر وبشكل شاقولي.

1 ـ شبكة الطرق:

خلال الرحلة العلمية التي قام بها لير ولوفريه في الجزيرة السورية والتي أكدت الدراسات أنها لم تكن كالرحلات العلمية أو المهمات الاعتيادية، إذ أظهرت دراساتهما أن ثمة شبكة من الطرق أظهرتها الصور كانت على شكل خطوط كثيفة تتقاطع فيما بينها، بعضها أقل عرضاً وطرق ذات شكل ضبابي، وهذا بالنسبة للطرق القديمة (أعتقد أنه يقصد بها الطرق الأثرية) والتي كانت تحيط بها أراضي وتجاورها أخرى يظهر فيها نسبة الرطوبة العالية في بعض الأراضي، أما الطرق الحديثة فتظهر في الصور كخطوط بيضاء مقارنة بالطرق القديمة.

تأتي الطرق القديمة أكثر أهمية من الحديثة في تحديد المسارات لا سيما وأن من خلالها تُظهر مدى اتصال المواقع فيما بينها ، ومن الملاحظ أن الطرق العريضة هي طرق متشعبة ومستقيمة وتصل التلال الكبرى فيما بينها باتجاه تلال صغيرة بينما الطرق الدقيقة فهي نماذج أخرى للطرق البيزنطية التي تصل هذه المواقع فيما بينها[1] وتظهر الصور أيضاً الطرق المسلوكة أكثر تكون فيها حجم الضغط على التربة أكثر وبالتالي تتغير فيها الحفر بشدة أكبر ، وتظهر في مناطق الجزيرة السورية أيضاً أن الطرق التي تربط المواقع الأثرية العائدة للفترات قبل الفترة الهلنستية أنها أكثر عمقاً من غيرها ، ومن خلال هذه الدراسات يتضح أن هناك طرقاً رئيسة وطرقاً ثانوية، وذلك تبعاً لعرض الطريق وعمقه ودرجة ضغط التربة وتراصها على بعضها في الدروب المسلوكة.

تعد الطرق الترابية في منطقة الجزيرة عبارة عن طرق يسلكها المزارعون دون معرفة منهم أن هذه الطرق تعود بتاريخها إلى آلاف السنين، ومع ذلك فإن هناك طرقاً ذات انتشار أوسع وعرفت على مستوى الشمال كله فيما بين الإمبراطوريات القديمة وهي الطرق الكبرى التي هي عبارة عن دروب آشورية تمر في شمال سورية بأسفل جبال طوروس.

2 ـ قنوات الري:

من خلال التصوير الجوي، فإن قنوات الري لا تختلف كثيراً عن الطرق التي تم رصدها، وذلك من حيث الشكل سوى أن القنوات في معظمها تحيط بها من الجانبين بعض النباتات الصغيرة، مما يجعلها تأخذ اللون الأخضر الداكن، وتتبع هذه الألوان حالة الفصل من السنة أو حسب قرب وبُعد الأراضي الزراعية عن القناة وكمية المياه الواصلة إليها، ومن الملاحظ أن معظم شبكات الري كانت تحيط بنهر الخابور على الجانبين، حيث كانت تتوزع القنوات شرقاً وغرباً ، مع ملاحظة أن تلك الشبكة القديمة مشابهة بشكل كبير للشبكات في عصرنا الحالي، حيث أن هناك أعمال ري تعمل بشكل منفرد ومنعزل عن المساحات الزراعية، وربما غذتها النواعير التي كانت مستخدمة على نهر الخابور، حيث كانت تسقي الأراضي قليلة الارتفاع عن النهر بينما كانت القنوات الكبرى في مجملها تقع إلى الجنوب من مدينة الحسكة تقريباً حيث كانت تقوم على مد مناطق زراعية كبيرة جداً بالمياه اللازمة، ويتضح أن هذه القنوات كانت مدروسة بشكل دقيق جداً خلال العصور التاريخية القديمة مما يُظهر حجم الازدهار الزراعي الذي ينعكس إيجاباً على الوضع الاقتصادي للممالك القديمة في الجزيرة السورية.

ومن الجدير ذكره أن فان لير ولوفريه قدما حساباً تقريبياً شبه دقيق لأطوال القنوات ومساحة الأراضي الزراعية التي من الممكن أن ترويها هذه الشبكة، حيث بلغت ما مجموعه / 107 / كم، وهذه القنوات جُرت لمساحة أراضي زراعية بلغت مساحتها / 18400 / هكتار، وبلغ ما مجموعه / 15500 / هكتاراً من الأراضي الزراعية المروية، أي بنسبة تعادل80 % من حجم المياه المُستجرة.

إن هذه الدراسة التي جرت في عام 1955 من الواجب أخذها بعين الاعتبار في هذه المرحلة في خطوة هامة جداً لإعادة روح الحياة إلى نهر الخابور الذي يُعد الرافد الأغزر لنهر الفرات، وهو إن عادت المياه في واديه فلا بد أن تعود الحياة لتدب في شرايين أبناء الجزيرة كلها من جديد.

________________________________________

[1] ـ استطاع الباحثان في ذلك الوقت التعرف على عدة طرق قديمة في المنطقة كان أهمها :

1 ـ طريق استراتيجي جنوب جبل عبد العزيز يتجه إلى جبل سنجار .

2 ـ نقطة مرور شمال الحسكة والتي تقع في بويضة في المنطقة الواقعة بين مجدل وطلابا .

3 ـ طريقان اثنان يسايران ضفتي نهر الخابور ، حيث يجتازاه في مناطق عجاجة ، السبع سكور، الشدادي، الفدغمي، الشيخ حمد.

4 ـ طريق راس العين ـ الرقة والذي يمر بخراب سيار والكنطري.

 

المراجع:

1 ـ لير، ج.فان وج لوفريه: التنقيبات الأثرية الجديدة في الجزيرة العليا السورية، تقرير مؤقت، ترجمة: الدكتور نور الدين حاطوم، مجلة الحوليات الأثرية السورية، المجلد الرابع والخامس، 1954 ـ 1955.

2 ـ وثائق دائرة آثار دير الزور.

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password