الهنود الآريون …

 

جاسم العبيد

الهند شبه جزيرة فسيحة الأرجاء؛ يبلغ اتساعها ما يقرب من مليوني ميل مربع، وهي أكبر من بريطانيا العظمى صاحبة السيادة عليها بعشرين مرة ويبلغ سكانها المئات من الملايين البشرية، ولها من العقائد الدينية ما يمثل كل مراحل العقيدة من الوثنية البربرية إلى أدق عقيدة في وحدة الوجود وأكثرها روحانية، ولها من الفلاسفة من عزفوا مئات الأنغام على وتر   التوحيد بادئين من أسفار اليوبانشاد في القرن الثامن قبل الميلاد إلى شانكارا في القرن الثامن بعد الميلاد.

وظهر فيها العلماء الذين تقدموا بعلم الفلك منذ ثلاثة آلاف من السنين،

ولها من رجال الفن من شيدوا المعابد الجبارة لآلهة الهندوس.

افترض المؤرخون أن التاريخ بدأ سيره من اليونان، وآمنت أوروبا مغتبطة له وأن الهند كانت مباءة وحشية حتى هاجر إليها الآريون أبناء عم الأوربيون؛ هاجروا من شطآن بحر قزوين ليحملوا معهم الفنون والعلوم إلى شبه جزيرة وحشية يكتنفها ظلام الليل، لكن الأبحاث الحديثة قد أفسدت الصورة الواقعية للهند فمن العصر الحجري القديم آثار تملأ خزانات كثيرة في متاحف كلكتا ومدراس وبومباي. وفي سنة 1924 م ارتجت دنيا العلم الجديد بأنباء وصلت من الهند إذ أعلن سيرجون مارشال أن أعوانه من الهنود قد اكتشفوا (موهنجو –دارو) على الضفة الغربية من نهر السند وتمتلك آثاراً عجيبة ويبدو أنها أقدم عهداً من أية مدينة أخرى يعرفها المؤرخون، وتؤيد هذه الكشوف قيام حياة مدنية بالغة الرقي في السند،

وهي في إقليم بومباي ووجود آبار وحمامات ونظام دقيق للصرف في كثير من المنازل يدل على حياة اجتماعية في حياة أهل تلك المدن تساوي على الأقل ما وجد في سومر وتفوق ما كان سائداً في العصر نفسه في بابل 9863. ومصر وحتى أور. إن دخول الآريين إلى موهنجو –دارو

كان قبل 3000سنة وتشمل آثار السند على خاتم عجيب يتألف من رأسين من رؤوس الثعابين وهو الرمز المميز لأقدم سكان الهند ممن عرف التاريخ، هؤلاء هم التاجا الذين كانوا يعبدون الثعبان والذين وجدهم الآريون قابضين على المناطق الشمالية وكان يسكنها قوم يسمون الدرافيدين، وقد كانوا على شيء من المدنية حين هبوط الآريين عليهم وبحارتهم المغامرون شقوا البحار حتى بلغوا سومر وبابل، وعرفت مدائنهم كثيراً من رقة العيش وأسباب الترف فيجوز أن الآريين قد استمدوا من هؤلاء الناس نظام الجماعة القروية وملكية الأرض والضرائب ولا يزال (الدكن) الى يومنا هذا مسكناً رئيسياً للدرافيديين ومركزاً لعاداتهم ولغتهم وأدبهم وفنونهم.

ولم تكن غزوة الآريين لهذه القبائل المزدهرة وانتصارهم عليها

إلا حلقة من سلسلة متصلة من الغزوات كانت تقع على فترات منتظمة بين الشمال والجنوب فالآريون قد هبطوا على الدرافيديين والأخيون، والدوريون قد هبطوا على الكريتيين والإيجيين والجرمان هبطوا على الرومان والإنجليز هبطوا على العالم بأسره.

فمن هؤلاء الآريون؟

الذين كانوا يضربون في الأرض وقد استعملوا كلمة (آري) ليعنوا بها (الأشراف) في السنسكريتية آريا معناها شريف ومن المرجح أنهم جاؤوا من المنطقة القزوينية التي كان بنو أعمامهم  من الفرس يسمونها –ايريانا فيجو – ومعناها الوطن الآري وفي نفس الوقت الذي كان الكاشيون الآريون يكتسحون فيه بابل كان الآريون الفيديون قد أخذوا يدخلون الهند وكان هؤلاء الآريون أقرب إلى المهاجرين منهم إلى الفاتحين ويتميزون بالأجسام القوية والشهية العارمة للطعام والشراب ووحشية لا تتردد في الهجوم ومهارة وشجاعة في الحروب وهذه الصفات عجلت بهم للسيطرة على الهند الشمالية، وكانوا يحاربون بالقسي والنشاب والسهام. يقودهم مقاتلون مدرعون في عربات حربية أدواتهم في القتال هي الفؤوس إن كانوا على مقربة من العدو والحراب يقذفون بها من مسافات بعيدة وزحفوا إلى نهري السند والغانج حتى خضعت الهندوستان كلها لسلطانهم واستقروا فأصبحوا يفلحون الأرض ويؤلفون دويلات ومن عاداتهم أنهم لهم قواعد بالزواج في حدود العشيرة وخارج حدودها بمعنى أنهم يحرمون الزواج خارج حدود جنسهم.

عاش الهنود الآريون بالحرب والسلب أول حياتهم ثم بالرعي والزراعة والصناعة التي تطورت كثيراً وتقسمت إلى صناعات حجر وخشب وجلود وصباغة ورسامين وعاج وتقدمت بينهم التجارة والسفر والتنقل عبر البحر والأنهار فكنت ترى في سنة 860 ق.م سفناً شراعية تجوب البحار إلى مصر وشبه جزيرة العرب تحمل تجارة العطور والتوابل والقطن والحرير والنسيج الموصللي واللؤلؤ والياقوت والأبنوس والأحجارالكريمة ونسيج الحرير الموشى بالفضة والذهب وكانت أخلاقهم بالتجارة رفيعة المستوى فنادراً ما كانت عندهم دعاوى أو شكاوى. ولقد تمتعت المرأة بحرّية في العصر الفيدي أكثر جداً مما تمتعت منها في العصور التالية، وكان لها رأي باختيار عريسها وكان لها حق الظهور بغير قيود في الحفلات والرقص، وكانت تشارك الرجل في الطقوس الدينية التي تقدم لها القرابين، ولها حق التعلم والدرس وكانت الديانة التي وجدها الآريون بين التاجا لاتزال قائمة في الأجناس البشرية البدائية وهي عبادة روحانية طوطمية لأرواح كثيرة تسكن الصخور والحيوان والأشجار ومجاري المياه والجبال والنجوم وكانت الأفاعي مقدسات.

يعتقد ماكدوقل أن هذه المدنية العجيبة قد استمدت أصولها من سومر، وأما هول فيعتقد أن السومريين أخذوا ثقافتهم من الهند.

(ورأى وولي) أن الثقافتين السومرية والهندية القديمة قد جاءتا معاً من أصل مشترك وثقافة مشتركة في بلوخستان أو بالقرب منها، ولقد دهش الباحثون حين رأوا أن الأختام المتشابهة الموجودة في بابل وفي الهند

ترجع إلى أقدم مراحل الثقافة في أرض الجزيرة أي بلاد ما بين النهرين،

وأقدم آلهة ذكرتها أسفار الفيدا هي قوى الطبيعة نفسها وعناصرها

(السماء والشمس والأرض والنار والضوء والماء والجنس) فكان زيوس عند اليونان وجوبتر عند الرومان وجعلوا السماء أبا وأسموها – فارونا- وجعلوا الأرض أماً وأطلقوا عليها ( الإله بارجانيا) والنار هي- آجني – والريح هي فايو ولما كثر عدد الآلهة نشأت مشكلة هي أي هؤلاء الآلهة خلق العالم ؟

فكانوا يعزون هذا الدور إلى – أجني – وتارة إلى أندرا وطورا لسوما أو براجاباتي، وفي أحد أسفار- يوبالشاديعزى- خلق العالم إلى خالق أول قهار!

أسفار الفيدا التي يستمد منها جل العلم في الهند:

إن كلمة فيدا تعني معرفة وتقارب في تراثهم الديني الإنجيل؛ لكنها قريبة من الأدب أكثر مما هي قريبة للكتاب وهي موزعة على أسفار منها:

1-سفر رج –أو معرفة ترانيم الثناء.

2-سفر ساما – أو معرفة الأنغام.

3-سفر باجور — أو معرفة الصيغ الخاصة بالقرابين.

4-سفر اتارفا – أو معرفة الرقى السحرية.

وكل واحدة من هذه الفيدات تنقسم إلى أربعة أقسام:

1-مانترا أو الترانيم.

2-إلى براهمانا أو قواعد الطقوس والدعاء والرقى لهداية الكهنة في مهمتهم.

3-إلى ارانياكا أو نصوص الغابة وهي خاصة بالقديسين.

4-إلى يوبانشاد أو المحاورات السرية وهي تقصد الفلاسفة.

_______________________________

المصادر :1- قصة الحضارة — الجزء الثالث.

2- ديانات العالم – مظهر.

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password