نبذة عن حياة الشهيدة … “جودي دلكش”

         سي روز

جودي “رجاء مصطفى دينكل” هي الابنة الرابعة من عائلة مؤلفة من أربع بنات وصبيان؛ ولدت في 19/9/1999م في “شيه” الناحية الصغرى في مدينة “عفرين”؛ تربت جودي وترعرعت وسط أسرة معروفة عنها بالنضال. كبرت جودي في أحضان هذه الأسرة الوطنية والمؤمنة بالقضية التحررية حتى النخاع، اكتسبت جودي صفاتها البنيوية والفكرية من هذا الوسط الثقافي الغني بالقيم الإنسانية النبيلة؛ والأفكار التنويرية التحررية؛ كما أنها ابنة لأبوين بارين عرفا بأخلاقهما العالية وطباعهما الخيرة وحسهما بالمسؤولية أمام التاريخ.

يخبرنا والداها بأن جودي كانت فتاة مرهفة الأحاسيس وحنونة لدرجة أنها كانت تبكي على كل مريض لا تستطيع أن تقدم له علاجاً؛ كما أنها كانت سبّاقة لفعل الخير وخدمة العجزة والمحتاجين، تذكر أمها أنها عندما كانت تنادي إحدى بناتها لطلب المساعدة في عمل ما؛ كانت جودي حاضرة لمجرد سماع نبرة صوت أمها؛ وتكون في كامل استعدادها لتلبية حاجة أمها.

درست جودي الابتدائية والإعدادية والثانوية في مدارس الناحية وقد عرفت في المدرسة بشخصيتها القيادية والمحبوبة حيث كانت بسذاجتها وطفولتها الرائعتين تستقطب كل صديقاتها وأصدقائها وتبادرهم بمشاعر الحب والصدق. ابتسامة جودي كانت تترك أثراً بليغاً في نفوس سامعيها وكان لصدى ضحكتها موسيقىً متناغمةً مع جمال الحياة وعطائها.

كانت تتسابق مع أخواتها في حضور حفلات الناحية الفلكلورية والمناسبات الوطنية؛ تأثرت جودي كثيراً بنمط الحياة الحرة التي تعشنها بنات الشمس بكل فخر وإجلال.. كما أنها كانت تعشق الأغاني وترددها باستمرار أينما حلّت. وكانت تملك هاتفاً صغيراً تحتفظ فيه صور الشهداء؛ ذكرياتهم من الأغاني وغيرها. كما أنها اختارت اسمها من اسمي عميها الشهيدين جوان جودي ودلكش صبري، وحملت جودي مسؤولية أكبر من عمرها؛ إذ حملت سلاح عميها الشهيدين البطلين ولم ترمه حتى تمزقت إلى أشلاء، حيث تحول كل شلو من جسدها إلى حُمَمة تلقي غضبها على تجار الحلم الأخضر.

في ليلة 30/4/2014 قررت جودي الالتحاق بصفوف الحركة، وبعد أن غادرت المنزل ولم تأتِ؛ عرف الأهل بأن جودي قد انضمت فتقبلت العائلة الأمر بصدر رحب؛ لأنها عائلة وطنية بكل معنى الكلمة، وقد تعودت على البذل والتضحية بالغالي والنفيس في سبيل تحرر الجغرافية التي احتضنت ميلاد البشرية، كما أن جودي تؤكد بأن أباها كان يقوم مراراً بتشجيعها على روح المقاومة والفداء وبأنها اتخذت هذا القرار إخلاصاً لعميها الشهيدين ورغبتها في تحقيق حلمهما.

وخلال أول زيارة لها إلى المنزل بعد ثلاثة شهور من التحاقها جاءت إلى أمها التي ضعفت قليلاً عندما رأتها؛ إلا أن جودي مسحت دموعها وقالت لا يا أمي لا تحزني؛ فنحن لن نسمح لعفرين أن تصبح شنكال أخرى.

هزت الأم برأسها وقبلت جبين ابنتها التي أصبحت قيادية وتقوم برفع معنويات أسرتها وتحثهم على الثبات خلال ثلاثة شهور من التحاقها.

ومن صديقاتها القياديات الشهيدة فيان التي كانت تعشق روح جودي ويُحكى أنها عندما جاءت مرة لزيارة والدتها بأنها كانت مندهشة من هذه الفتاة القوية الجريئة وأنها تخشى الحديث أمام جودي كي لا يصيبها الغرور وهي تبتسم لمزاحها.

كانت جودي واثقة من نفسها ولا تحتاج لمديح أو تبجيل؛ لأنها كانت تمشي على خطىً ثابتة وبقناعة راسخة فالقيادي لا يتأثر بفنون المديح وغيرها.

ويذكر أنه عندما تم الإعلان عن شهادة عمها الأكبر جوان جودي عام 2016 مع أربعين شهيداً؛ عاهدت جودي بأن سلاحه لن يصدأ بل ستحمله أكتاف فتية تجوب به قمم الوطن بكل عزة وشموخ.

ورغم أن تجربة جودي في خوض المعارك كانت بدائية إلا أنها لم تتراجع خطوة أمام الدبابات والطائرات التركية التي بدأت تقصف مدينة عفرين في تلك العملية التي أطلق عليها جنود الاحتلال عملية غصن الزيتون.

وفي 12/2/2018 م؛ تصدت جودي لقذيفة إحدى الطائرات الحربية بجسدها كي تحمي شجرة الزيتون الصامدة في وجه طامعيها.

أما عمة جودي: “ميديا دينكلي” قالت بأنها تحتاج إلى خلوة عميقة للتمكن من استنشاق أنفاس جودي دلكش وتتكلم عنها، جودي تحتاج إلى الإبحار في عمق الإيديولوجية كي نتمكن من كتابة بعض الكلمات حول شخصيتها الفذة.

لا يمكن للكلمات أن تأرّخ حياة هذه المناضلة، وإنه لعبىءٌ كبيرٌ أن أتحدث عن بطولة جودي، فلا لغةٌ ولا موسيقىً قادرةٌ أن تمجد كفاحها.

عندما التحقت بصفوف حركة التحرر الوطنية؛ كانت جودي طفلة صغيرة وعندما رجعت إلى ساحات النضال في روج آفا كانت تأتي إلي مسرعة لتروي عشق روحها إلى الحرية وهي ابنة الرابعة عشرة. حيث كانت الثورة السورية في بدايتها. وكان الرفاق يرتادون إلى منزل والدها مراراً. وكانت علاقتي مع أفراد المنزل ما تزال قائمة، فعندما كانت تراني كنت أشعر بمدى تأثرها ببيئتها الثورية، ليس أي تأثير بل كنت أشعر باندفاعها تجاه الحركة والرغبة في التعرف على هذه الحركة، كما أنها كانت تعشق الحياة العسكرية؛ اذكر ذات مرة طلبت مني أن أحضر لها سلاح الكلاشينكوف، وفعلاً حققت رغبتها فتعلمت طريقة استعماله بشكل سريع ملفت للانتباه. صحيح أنها كانت مازالت صغيرة على الفكر لكنها كانت تتشوق للحياة الثورية بمجرد رؤية الرفاق.

إنه تأثير الوسط الاجتماعي عليها هذا الوسط الذي اتخذ من تصعيد النضال في صفوف الحركة هدفاً سامياً يسعى إليه.

إن أكثر شخصية تأثرت بها جودي دلكش هي عمها الشهيد دلكش، حيث أنها كانت تتأثر بشهادته التي تركت شعوراً عميقاً في داخلها، كما أن تأثير الرفيقة برفين والرفيق آمد كان واضحاً عليها تماماً اللذين كانا يقومان بتنظيم الشعب في ناحية شية.

تقول عمتها ميديا: “بأنها كانت تقوم بتلقينها المبادئ الإنسانية، وأنها عملت على تنشئتها إيديولوجياً وأنها منعتها من الالتحاق بصفوف الحركة دون أن تحمل روح القيادي الثوري الذي لا يعرف الخنوع والتراجع أو الخيانة. وبعد التدريب بحوالي سنة قررت جودي الانضمام إلى ثورة روج آفا إذ قام الشهيد شاهين بإلحاقها في الحركة كما أنها أقسمت أثناء انضمامها بأنها لا تلتحق لتحرير روج آفا فقط بل إنها ستناضل من أجل تحرير كافة الشعوب المضطهدة والمظلومة.

وبعد التحاقها رأيت ذات مرة قد تجاوزت تلك الطفولة وأصبحت مقاتلة حقيقة، كم كنت سعيدة بها وبكفاءتها وروحها العالية حيث استطاعت في فترة وجيزة من انضمامها أن تصبح قدوة حقيقية لصديقاتها وأصدقائها؛ نظراً لقوة شخصيتها وعمق إيمانها الراسخ. كما أنها كانت قدوة للمرأة الشابة وكان كفاحها المسلح دؤوباً ومحط أنظار صديقاتها ومعارفها.

وبعد فترة وجيزة رأيتها قد كبرت وأصبحت حقيقة تمثل إرادة المرأة الحرة لما تحملها من قيم ومبادئ وأفكار؛ تعرفت عليها أكثر وتعمقت بعد أن خاضت نضالاً مع صديقاتها، كما أنها أصبحت تعطي لكل شيء من حولها معنىً حيث تسامى الجانب الروحي وارتقى إلى أكمل جوانبه؛ مما حدا بها لتكون أروع الصديقات على الإطلاق، ومثله الجانب الفكري فقد قفزت قفزات سريعة في هذا المجال، وفي لقاء تلفزيوني لقناة روناهي معها وسؤالها عن رغبتها في القيادة قالت: عندما أسمع بشهادة إحدى رفيقاتي إثر إصابة ما وعدم القدرة على إسعافها أشعر بالذنب تجاه ذلك، لذا علينا أن نتعلم القيادة أيضاً كي نتفادى هذه الأخطاء ونسعف جرحانا ولا نتركهم لقمة سائغة للعدو. وفعلاً في أثناء الجبهات القتالية استطاعت جودي أن تنقذ العديد من الأصدقاء بفضل براعتها في القيادة.

لقد لاحظت في شخصيتها شيئاً مهماً يشبه الشهيد “سورخوين”، أنها كانت تستقطب الرفاق بطفولة وسذاجة روحها التي مازالت معلقة بنبع شية وكروم العنب والزيتون، كما أن العقل التحليلي لديها كان نابغاً حيث كانت تحلل كل المستجدات بفكر وحكمة دون الرجوع إلى أحد.

وفي مقاومة العصر أقسمت جودي على الانتقام من عميها الشهيدين ومن جميع شهداء الحرية، فخاضت أشرس المعارك في مدينة المقاومة عفرين، دون رادع أو نازع. واجهت أحدث ما وصلت إليها التكنولوجيا بأنوثتها وجمال ضحكتها، غيرت جودي الكثير من المعادلات الفكرية، وحطمت أسطورة التفوق العسكري في العدة والعتاد.

جودي… إن القمر المضيء في سماء عفرين يستمد نوره من ضيائك، إنه يهدي الأرواح الثائرة إلى الإيمان المحض الذي لا يشوبه أدنى شك بمواصلة طريق المجد.

الفراشة التي لا تحترق …مهما تغيرت تضاريس جناحَيها.. لروحك السلام ..جودي دلكش.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password