سقوط الدولة الأموية …

 

جاسم العبيد

أُنشئت الدولة الأموية وتأسست على يد الخليفة معاوية بن أبي سفيان، ومن بعده من الخلفاء وبلغت تطوراً عظيماً في عهده والذين من خلفه من الخلفاء الأمويين وبلغت الفتوحات الإسلامية في بلاد الأندلس أوجها في عهد الخليفة الوليد بن عبدالملك حتى وصلت قرب باريس لما كان طارق بن زياد وموسى بن نصير قائدان للجيش وبلغت دمشق أوج قوتها وسلطانها في عهد عبدالملك بن مروان وبنيه الأربعة، ففي خلافة الوليد بلغت الإمبراطورية العربية أوسع حدودها فامتدت من شواطيء المحيط الأطلسي وقسم من البيرينيه حتى حدود الصين.

ويذكر من الخلفاء الأمويين عمر بن عبد العزيز و(هشام بن عبد الملك الذي يعتبره المؤرخون آخر السياسيين في البيت الأموي)، وذلك لأن الخلفاء الأربعة الذين جاؤوا من بعده وتولوا الحكم كانوا عاجزين. وقد

شهدت عهودهم الكثير من مظاهر الفساد والانحطاط والانغماس في البذخ والثراء والترف، ولم يكن الانحطاط الخلقي مقتصراً على الطبقة العليا بل إن آفات اجتماعية ومنها الخمر والنساء كانت قد انتشرت عدواها بين أبناء البادية فأخذت في استنزاف حياتهم وتدنيها وتشرذمها.

فقد كان الوليد الثاني الذي تولى الخلافة بعد هشام رجلاً قوي البنية

جميل الطلعة لكنه كان أجدر بالموسيقى وحب الشعر والأدب منه بالخلافة وشؤون الحكم لقد كان خارجاً على قواعد الدين وكثير الإساءات، وصادر أموال أهل الخليفة الذي سبقه وبدّد أموال الخزينة لكنه لقي حتفه على يد يزيد بن الوليد الأول الذي تولى الخلافة لمدة ستة أشهر ومات سنة 744 وخلفه على العرش أخوه إبراهيم ولكنه لم يستطع حمايته، فخلعه أحد قوادها الأقوياء هو مروان الثاني فحكم 6سنوات كانت مليئة بالمآسي وكان هذا آخر خلفاء بني أمية في الشرق.

هذا الضعف والفساد الذي استشرى في جسم الدولة الأموية زاد في خطورة أهل الشيعة والمناصرين للخليفة علي بن أبي طالب وأهل البيت النبوي، وانضم لهم جمهور من الناقمين على الأمويين ممن أصابهم الضرر أيامهم ومن أتقياء أهل السنة وكانوا يتهمون الأمويين بالانغماس في الملذات وشؤون الدنيا، وبالتقاعس عن إقامة شرع القرآن الكريم ومبادىء الشرع الإسلامي الحنيف. كذلك زادت خطورة العباسيين الذين بادروا لاستغلال الأوضاع المضطربة للمطالبة بالخلافة التي هم أحق بها من الأمويين وكانت دعواهم تقوم على أنهم من سلالة عم النبي محمد (من سلالة العباس بن عبد المطلب).

لقد زاد في حراجة الموقف عامل آخر هو نقمة المسلمين من غير العرب بوجه عام ومن الفرس بوجه خاص، وفي الحقيقة بلغت النقمة أشدها لدى أولئك الذين يرون أنفسهم أعرق مجداً وأرقى حضارة من العرب، فكانت خراسان في الشمال الشرقي تربة خصبة لنمو بذور الحركة الشيعية العباسية حيث لاقى فيها تعليم الشيعة تجاوباً صارخاً في قلوب الخراسانيين، فأخذت من ثم النزعة العصبية الإيرانية تستعيد حيويتها تحت قناع الحركة الشيعية.

ولم يكن ينقص هذه القوى المعادية للأمويين سوى شخصية قوية توحد صفوفها وتدفع بها في وجه عدوها المشترك. وقد تحققت هذه القيادة أخيراً في شخص عبد الله أبي العباس حفيد العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لما يملكه من صفات القيادة والحنكة السياسية والحكمة ولبراعته في تنظيم الدعاية.

ومن مكمنه الأول أو قاعدة عمله –قرية الحميمة جنوب البحر الميت –راجع اليعقوبي – والطبري –استطاع أن يستميل أهل الشيعة ويتصل بقوافل المسافرين ومواكب الحجيج ويلتقي معهم وفي ذلك الموقع تحقق أول عمل من أقدم أعمال السياسة وأشدها دهاءً واوفرها نجاحاً كتنظيم وسياسة.

انفجر بركان الثورة في بلاد خراسان في شهر حزيران سنة 747 باعلان حركة عصيان قادها أبو مسلم الخراساني وهو مولى من أصل غير معروف-راجع الفخري – وقد رفع العلم الاسود كلون ثيابه حدادا على رجل من ذرية علي بن أبي طالب قتل في خراسان.

اندلعت الثورة فسار أبو مسلم الخراساني على رأس جيش مؤلف من قبائل عرب اليمن (الأزد) والفلاحين والفرس ودخل عاصمة خراسان دخول المنتصرين . .

أما الخليفة فكان في شغل شاغل بما كان يجري حوله، وهكذا نرى أن حركة العصيان بدأت واندلعت من فلسطين وبلغت حمص ثم انتشرت في العراق حيث الخوارج كانوا قد ثاروا من جديد.

وفي عام 749 نادى أبو العباس بنفسه خليفة في الكوفة.

والتقى جيش مروان الثاني بثائرين يقودهم عبدالله عم أبي العباس على نهر الزاب؛ لكنه هزم ولاذ بالفرار وبعد عام استسلمت دمشق بعد حصار ثم قبض على الخليفة مروان الثاني وقتل وحمل رأسه إلى أبي العباس (راجع المسعودي ) الذي لم يكتف بهذا القول:

لو يشربون دمي لم يروا شاربهم     ولا ماؤهم –للغيظ –ترويني

وسمي أبو العباس بالسفاح لكثرة الدماء التي أزهقها، وكان هدفه المنشود ومهمته الرئيسة التالية لانتصاره هي العمل على استئصال من بقي من بني أمية وعهد بتلك المهمة إلى عمه عبدالله الذي لم يتورع عن استخدام أعنف الوسائل والأساليب ليمحو بها بنو أمية من الوجود وكل الذين لهم صلة بهم

وإمعاناً في التعبير عن الحقد لجأ العباسيون إلى انتهاك حرمة المدافن في دمشق وقنسرين –العيس اليوم – غرب حلب التي فيها قبر سليمان بن عبد الملك ومواضع أخرى، فنبشوا القبور وصلبوا الجثث وطرحوا الأشلاء خارجاً. وقد أخرج جثمان هشام بن عبدالملك من قبره في الرصافة وجلد هيكله العظمي ثمانين سوطاً ثم أحرق حتى استحال رماداً .

ثم عمد عبدالله الذي كان والياً على الشام إلى إعلان عفو عام عن الأمويين وأكّد لهم عفوه بدعوة ثمانين من زعمائهم إلى وليمة أقامها في أبي فطرس وهي مدينة انتيباترس القديمة على نهر العوجا بالقرب من يافا وذلك في 25 حزيران سنة750 وما إن بدأت الوليمة حتى انقض الجلادون على المدعوين وأخذوا يحصدون رؤوسهم واحداً تلو الآخر حتى إذا بسطت قطع الجلد على الجثث وهي مازالت دافئة على القتلى، وهم بعد يعالجون سكرات الموت تحول القائد وأعوانه إلى استئناف الطعام الشهي مستمتعين

بسماع أنين المحتضرين  بعد ذلك أرسل العملاء والجواسيس يجوبون البلاد كلها لاصطياد الفارين من أبناء الأسرة المنهارة لكن أميراً واحداً تهيأت له فرصة النجاة من هذه المجزرة هو عبدالرحمن بن معاوية حفيد الخليفة هشام الذي كان له من العمر 19 عاماً وكان يختبىء مع أخيه في مضرب لجماعة من البدو في الشرق على ضفة الفرات اليسرى قرب بلدة البصيرة، فقد ألقى عبدالرحمن بنفسه في النهر وتبعه أخوه وهو في الثالثة عشرة من العمر لكن المطاردين العباسيين جدّوا في أثرهما فنادوهما وهما في وسط نهر الفرات وأعطوهم الأمان فرجع الأخ اليهم فأعدموه وقطعوه تقطيعاً؛ أما عبدالرحمن فقد استأنف السباحة فقطع النهر إلى الشامية  ثم سار متنكراً في اتجاه جنوبي حتى وصل فلسطين ثم أصبح في شمال أفريقيا ومن بعدها حطّ رحاله في الأندلس سنة 755 وهي البلاد التي فتحها أسلافه.

_______________________

المصادر:

1-سوريا وتاريخها الحضاري – بدري حجل.

2-ابن الاثير.

3-الطبري.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password