الأنظمة الاقتصادية وتأثيراتها على الشرق الأوسط:

الكاتب: محمد تل أبيض.

لمعرفة تأثيرات الأنظمة الاقتصادية؛ علينا بداية أن نعرف ما هي هذه الأنظمة. تعريفها تاريخها مهامها.

النظم الاقتصادية هي مجموعة التشريعات والأفكار التي تبنتها المجتمعات المختلفة لمعالجة المشكلة الاقتصادية، ويعود نشوء النظم الاقتصادية إلى ثلاث مراحل تاريخياً فلدينا: 1-العصور القديمة 2-العصور الوسطى 3-العصر الحديث.  ولكل منها سمة تختص بها فتقسم العصور القديمة إلى مرحلتين هما، أولاً: العصر البدائي، ثانياً: العصر الإغريقي واليوناني. وانتقلت هذه الأنظمة تدريجياً وتطورت عبر الزمن في العصور الوسطى في أوربا وأيضا نشأ الاقتصاد الإسلامي الذي أعتمد على التعاليم الإسلامية في تطبيق الاقتصاد وصولاً إلى العصر الحديث ونشوء المدارس الاقتصادية الحديثة والتي كانت نتيجة طبيعية لتطور أدوات الإنتاج بداية الأمر في واقع الحياة البدائية للإنسان. كان النظام الاقتصادي السائد هو المشاعية البدائية؛ فلم يكن هناك ملكية شخصية أو فكرة التملك الفردي حيث كان أسلافنا يعيشون حياة طبيعية بسيطة تقوم على التعاون وتكميل الآخر، وهذا ما نلاحظه في رحلات الصيد الجماعي أو عملية الجمع والالتقاط وتوزيع المسؤولية على أفراد المجموعة، وكانت المجموعة مسؤولة عن الفرد والفرد مسؤول عن الجماعة لحين اكتشاف الزراعة. وسعي بعض الأفراد لامتلاك قطع من الأرض وامتلاكهم للحيوانات سواءً للاستعمال في زراعة هذه القطع من الأراضي أو لاستخدامها بشكل آخر. ومع تقدم الوقت ونشوء الإمبراطوريات كالإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية الفارسية، وتعطش هذه الإمبراطوريات للتوسع على حساب بعضها ظهرت فكرة الملكية وكان بعض التجار وأصحاب الأموال يرافقون الجيوش في الحروب لشراء الأسرة وبيعهم كعبيد للعمل واستغلالهم، فظهر نظام العبودية ونشأت العلاقة فيما يسمى السيد والعبد وكان السيد يتحكم بمصير العبد ويمتلكهم ملكية خالصة ويملك حياتهم وموتهم كما يمتلك أحصنته ومواشيه وأثاث بيته، ومع تطور هذه الممالك وحاجتها الاقتصادية لموارد تدعم حروبها وجيوشها إلى جانب حاجتها العسكرية إلى تجنيد أكبر عدد من المقاتلين قام الملوك بتوزيع قطع أراضٍ كبيرةٍ على النبلاء لاستثمارها وتعيين بشر يقومون بفلاحتها وزراعتها مقابل إمداد هؤلاء الملوك بالموارد اللازمة والمقاتلين في حال أعلن هؤلاء الملوك الحرب على ممالك أخرى؛ كما قاموا بتوزيع قطع الأراضي على رجال الدين والكنيسة للوقوف إلى جانب الملك في تحشيد أكبر عدد من المقاتلين وإعطاء هذه الحروب التوسعية قدسية وسمة روحية، فنشأ النظام الإقطاعي الذي يربط طبقة النبلاء بالفلاحين الذين يعملون عندهم مقابل قوتهم اليومي فقط، فأصبح النبلاء يملكون قوة العامل؛ فبينما يقضي الفلاح وقته في العمل لا يحصل من هذا العمل إلا على قوت يومه بينما تزداد طبقة النبلاء ثراءً، ومع نشوء المدن الكبرى وتطور حركة التجارة؛ قام الفلاحون بترك الأراضي والسفر إلى المدن الكبرى للبحث عن فرص عمل مربحة أكثر، فقاموا بجمع مبالغ من المال وفتحوا مشاريع خاصة.

وفي القرن السادس عشر تقلصت سلطة الكنيسة على يد المصلح مارتن لوثر الذي نشأت على يده الكنيسة البروتستانتية فامتلك الناس نوع من الحرية الاقتصادية، ومع نشوء رؤوس الأموال بيد بعض الناس واستئجارهم للقوة العاملة ظهر النظام الرأسمالي، وتعني الرأسمالية نظام اقتصادي يقوم على فكرة أن القطاع الخاص يملك ويتحكم بعوامل الإنتاج ويستخدمها في إنتاج وتسويق منتجاته ففي النظام الرأسمالي أي شخص يمكن له أن يؤسس شركة خاصة به، ويمتلكها بماله الخاص الذي يبتاع بها الحاجات التي تلزمه للإنتاج كالمصانع والأراضي والمخازن والآلات أو حتى التكنولوجيا، ويشغل عنده عاملين أصحاب خبرة أو مهارة ليقدموا منتج معين وهذا الرأسمالي حر في نوع ما ينتجه والكمية والسعر الذي يريده.

كما أن المستهلك له الحرية في الشراء منه أو المنافس له في ما يسمى بالسوق الحر يعني أن الدولة لا تتدخل في ما ينتج أو السعر الذي يقرره، بدأت فكرة الرأسمالية من القرون الوسطى فبعد امتلاك الفلاحين للأراضي التي كانوا يعملون بها؛ أخذوا يزرعون ويبيعون منتجاتهم في السوق ولهذا أصبح لدينا منافسات في السوق وأصبح المستهلك لديه أكثر من جهة يبتاع منها، وينتقي المنتج الأفضل، وبدأت المنافسة فكل منتج يريد أن ينتج أكثر وبجودة أحسن وهذا النموذج الأول للرأسمالية التي تسمي الرأسمالية التجارية، وتطور هذا النموذج بعد الثورة الصناعية في أوربا وأصبح لدينا الرأسمالية الصناعية فأصبح هناك مصانع يملكها رجال أعمال ينافسون بعضهم ليزيدوا من إنتاجهم ومكاسبهم، فأخذوا يطورون الآلات ليتمكنوا من الإنتاج أكثر وتقليل الأسعار وزيادة جودة المنتج وهذا هو الوجه الحسن للرأسمالية.

وأهم نظريات الرأسمالية هي الرأسمالية الكلاسيكية التي أسسها آدم سميث في القرن الثامن عشر الذي دعى لنظرية السوق الحر والتجارة الحرة بين الدول، وأهم الأفكار في النظرية هي السعي وراء المنفعة الخاصة. واليد الخفية فيقول: إن سعي الشخص وراء منفعته الشخصية يكون دافع كبير للتقدم والازدهار، فلو أن كل شخص سعى وراء مصلحته الشخصية في النهاية سيعود هذا السعي بالفائدة على المجتمع، أما فكرة اليد الخفية فمعناها أن السوق يصحح نفسه بنفسه ويخضع لفكرة العرض والطلب فلو أن شخص عرض منتج بسعر مرتفع أو جودة رديئة فلن يقبل عليها المستهلك وحينها يضطر إلى تقليل السعر وزيادة الجودة.

أما النظرية الثانية فهي الكنزية ومؤسسها جون كينز والتي سادت بعد الكساد العظيم الذي ضرب أمريكا ودول العالم من 1929 إلى 1941 حيث دعى كينز الى تدخل الدولة في ضبط الاقتصاد وتبني بعض المشاريع مثل البنى التحتية والخدمات، كما عليها توفير قروض للمصانع لتعمل من جديد.

أما أهم عيوب الرأسمالية فهو أنها كانت تقضي على العامل لصالح صاحب رأس المال الذي يملك المصنع وأدوات الإنتاج. فأصبح الرأسمالي يزداد ثروة مقابله العامل يزداد فقرا.ً ومع تطور أدوات الإنتاج أصبح التخلي عن العامل أمراً بسيطاً، فأصبحت فرص العمل قليلة وعليه أصبح أجر العامل زهيداً جداً، فكانت هذه الفترة هي الفترة الذهبية للرأسمالي، فهناك إنتاج أكثر وراتب أقل فظهرت فجوة ساحقه بين الرأسمالي الذي يطلق عليهم البرجوازيون والعمال الذي أطلق عليهم اسم البروليتاريا، فجاء كارل ماركس وفريدريك أنجلز وشخّصوا هذه الفجوة وقالوا أن الرأسمالية هي السبب فماركس وأنجلز يأصلون لفكرة أن العلاقات في أي مجتمع عرفته البشرية كانت أساساً مبنية على النظام الاقتصادي وأن الدين والثقافة بنيت على قاعدة النظام الاقتصادي وهو الذي يحدد طبقات المجتمع وعادة ما تتسلط طبقة معينة على باقي الطبقات وتستبد وهذا ما سموه صراع الطبقات أسياد عبيد.. نبلاء وعامة.. إقطاعي وفلاح.. برجوازي غني وبروليتاري فقير.

وأول من تبنى أفكار ماركس الشيوعية هي الثورة البلشفية 1917بقيادة لينين في روسيا الذي سار على أفكار ماركس بشكل تدريجي لكن مع قدوم ستالين انتهج الدكتاتورية الفردية والتزم سياسة القمع وإلغاء الآخر، ومع تصدير هذه الأفكار إلى الدول العربية والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية فإن الوضع كان مختلفاً، فلم يكن في هذه البلاد رأسمالية صناعية كما في أوربا كما أن طبقات المجتمع تختلف كلياً عنها في أوربا ولكن واقع الحال في هذه البلاد أنه كان يوجد محتل كما يوجد تفرقة عرقية لذلك اختلطت أفكار الكفاح ضد المحتل مع القومية  ومع الفكر الاشتراكي ليظهر لنا شكل ثاني مختلف عمّا يوجد في أوربا، فنلاحظ أن الحكومات في هذه الدول ركزت على شخصية الحاكم ولم تعمل كما قرر ماركس على أحياء العدالة الاجتماعية بين المواطنين، فنلاحظ الأسماء الرنانة كعبد الناصر. تشافيز، القذافي، كاسترو، صدام حسين الذين أظهرتهم البروبغندا والإعلام المسيس كشخيصات قيادية قريبة من الأسطورية وعرفتهم الشعوب كزعماء حملوا شعارات الوحدة الوطنية والحرب على الإمبريالية وقهر الاستعمار واستعادة حقوق الفقراء والواقع على الأرض دول متخلفة تعاني الفقر والجهل والمرض والقهر في حين أن دول مثل فلندا وسويسرا وهولندا دول بلغت ذروة المجد وتربعت ضمن الدول العشرة عالمياً من حيث البنية التحتية والعناية الصحية والتعليمية والحقوق واحترام الإنسان والبيئة وحتى حقوق الحيوان ولا أحد منا يعلم أسماء رؤسائها أو قياداتها وزعاماتها، ففكرة الزعامة بالنسبة لهم تعتبر بدائية ومثيرة للسخرية. الحضارة تبنيها القوانين والمؤسسات والضمائر الحية ليست الشعارات والقوميات ولا حتى الوطنية…….

فجاءت فكرة النظام الشيوعي وإلغاء فكرة الملكية، فتصبح كل أدوات الإنتاج ملكية للمشاع والحل هو أن يقوم البروليتاريون بثورة ويؤمموا ممتلكات البرجوازية، وتسمى هذه المرحلة دكتاتورية البروليتاريا حيث ستحكم طبقة العمال في مرحلة انتقالية إلى أن يتم التمهيد للنظام الشيوعي ولمحاربة الملكية الخاصة يجب أن تفرض الدولة ضرائب تصاعدية تزداد كلما ازدادت ثروة الفرد وتستغل هذه الضرائب لتحسين مستوﻯ باقي أفراد المجتمع. والحكومة هي التي تدير النظام الاقتصادي وإلغاء فكرة الميراث، فكل شخص يموت تصبح ممتلكاته ملك الدولة وهي التي تتبنى التعليم المجاني والصحة كما أن الدولة هي التي تقرر ماذا ينتج ومتى ينتج وكيف ينتج؛ وهي التي تحدد ماذا يدرس في المدارس وماهي المناهج المطروحة والمشكلة هنا هي أن تتحول الدولة بأشخاصها من إدارة إلى سلطة وتطحن من يعارضها، فلو راجعنا أفكار ماركس وأنجلز عن الشيوعية، فقد كان المقصود منها هو المساواة بين جميع طبقات الشعب بحيث لا يوجد غني وفقير والحكومة تلعب دور الإدارة فقط وتكون فقط بنك لإعطاء قروض لإقامة مشروعات وطنية لتوفير فرص العمل وتستمر هذه الإدارة الاشتراكية في الدولة حتى تصل تدريجياً الى مرحلة الشيوعية الكاملة والوصول إلى المدينة الماركسية التي تختفي فيها الطبقات ليعيش كل الأفراد ضمن طبقة واحدة وكل فرد تتوفر له متطلباته بشكل وافي بحيث أن المال في هذه المدينة الفاضلة لن يكون له قيمة حيث أن كل مواطن سيأخذ ما يحتاج كما أن الثورة يجب أن تصدر إلى كل بلدان العالم، فالثورة أممية وليست خاصة لبلد معين بل هي موجهة لكل شخص يعاني من العوز والطبقية في هذا العالم بحيث أن الإنسانية كلها وطن واحد لا تحده قومية ولا دين ولا عرق في مجتمع لا يوجد فيه لا سلطات ولا طبقات، كل شخص يأخذ حسب احتياجاته وليس حسب امكانياته. وأحب أن أنوه هنا أن هنالك فرق بين الشيوعية وبين الاشتراكية وليست شيئاً واحداً كما يعتقد الكثير، فهناك وفي مقابل ماركس ولينين أصحاب فكرة الشيوعية كان يوجد دعاة الفكر الاشتراكي مثل روبرت اوين وسان سيمون وغيرهم، فعلى الرغم أن الشيوعية والاشتراكية ظهرتا كرد فعل على الرأسمالية في القرن التاسع عشر وهما الاثنتان ظهرتا للمطالبة بحقوق العمال وتوفير حياة أفضل لهم ولكن في الوقت الذي طالبت فيه الاشتراكية بإعادة توزيع الثروة كانت الماركسية تدعو إلى نزع الثروة وإلغاء الملكية الفردية نهائياً وكانت الاشتراكية تدعو إلى زيادة دور الدولة في التخطيط وإدارة الموارد كانت الشيوعية تقول الدولة فقط هي التي تدير وهي فقط من يخطط، فالهدف عند الاشتراكيين هو تقليم أظافر القطاع الخاص وتحجيمه وليس قطع يد القطاع الخاص نهائياً كما دعا الشيوعيون وبالتالي وضعت الاشتراكية أنظمة وقوانين تكتف بها معاملات السوق لحماية العمال والمستهلكين لتقليل الفجوة بين الطبقات أو القضاء عليها وذلك عن طريق أخذ ضرائب من أصحاب الأموال وتنشأ بها مشاريع وتنزل منتجات للمواطنين بأسعار معقولة كما تؤمن فرص عمل أكثر للمواطن، وتضع تسعيراً للسوق لكي لا يتحكم التجار بأسعار المواد ولأن الاشتراكيين كان لديهم فكرة أن السلطة دائماً متحيزة للأغنياء فالأمر حسب نظرتهم واحد من أمرين، أما الذين في السلطة استغلوا سلطتهم ليكونوا أغنياء أو أن الأغنياء يتحكموا بالذين يكونوا في السلطة ويديرونهم كيفما شاؤوا لذلك اعتمدوا على فكرة الاشتراكية الثورية ولكن بظهور الديمقراطية وتمكن الشعب اختيار من يحكمه شارك الاشتراكيون في الانتخابات عبر أحزابهم التي أسسوها وهم من يطلق عليهم الاشتراكيون الديمقراطيين.

وفي الخلاصة حسب ما أراد ماركس يجب أن يكون لدينا مجتمع خالٍ من الطبقات خالٍ من السلطة كل شخص يحصل على ما يحتاجه بشكل متساوٍ عكس النظام الرأسمالي ولكن هذا الكلام الجميل كيف تم تطبيقه على أرض الواقع؟؟

كان الحزب الشيوعي منذ بداية نشوئه  يبحث عن حاضنة داخل الثورات الجارية في ذلك الوقت في دول أوربا كفرنسا وألمانيا والنمسا والمجر وإيطاليا، ولكن كل هذه الثورات كانت تقع في حجر الليبراليين أو الاشتراكيين وأول ثورة وقعت في حجر الشيوعية كانت الثورة البلشفية بقيادة لينين وهي التي أسست اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية وهي دولة تضم روسيا وأجزاء من شرق أوربا ووسط أسيا تحت نظام الحزب الواحد وهو الحزب الشيوعي، وقد يستغرب القارئ تسمية الاشتراكية لكن علينا أن نتذكر أن ماركس قال إن علينا أن نكون اشتراكيين للوصول تدريجياً الى مرحلة الشيوعية الكاملة.

وأيضاً السؤال المطروح هل وصل أحد إلى مرحلة الشيوعية؟ الجواب: لا، فالاتحاد السوفييتي بقي اشتراكياً منذ نشوئه لحين انتهائه عام1991 !!كانت الثورة البلشفية هي شرارة البداية لانتشار الفكر الشيوعي في نصف العالم تقريباً ونجحت فعلاً الأحزاب الشيوعية في الوصول إلى السلطة في الصين وفيتنام وكوريا الشمالية وكوبا وكمبوديا  ويوغسلافيا وبلاد كثيرة غيرها مع نشوء ثورات وانقلابات وحرب باردة بين المعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي والمعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية، وكل معسكر يحاول أن يوصل حلفاءَه للحكم، وانتشرت الشيوعية في نصف الكوكب في أفضل حالاتها في ثمانينيات القرن الماضي ولكن رغم ذلك لم يستطع أحد للوصول إلى الشيوعية الكاملة وتحقيق الحلم الماركسي في بناء مجتمعٍ خالٍ من الطبقات ومن السلطة ولا يوجد فيه ملكية خاصة أو تفاوت معيشي. ولنلقي الضوء على الشيوعية واقعياً سوف نناقش سياسات الأحزاب الشيوعية التي وصلت للحكم، ونأخذ مثالاً على ذلك الاتحاد السوفييتي الذي كان يعد مثالاً أعلى للأحزاب الشيوعية في ذلك الوقت؛ أول ما وصل الحزب الشيوعي للسلطة بقيادة لينين نفذوا مبدأ دكتاتورية البروليتاريا، فأصبح الحزب الشيوعي هو ممثل البروليتاريا الأول والأخير، ويمكن تقسيم الاتحاد السوفيتي إلى ثلاث مراحل. المرحلة تبدأ من عام 1917 ووصول الحزب للسلطة بقيادة لينين إلى عام 1924 وكان لينين على مقدار كبير لوعي الفكر الشيوعي بشكل صحيح، فأخذ التغيير بهدوء وبشكل تدريجي كما قال ماركس لدرجة أن بعض المتعصبين للشيوعية أصبحوا يتضايقون من أعماله لحين الوصول الى مرحلة ستالين الذي لم يقتنع بالتدريجية للوصول للشيوعية الكاملة والتي استمرت من 1927 إلى 1953 والذي أمم المصانع والمزارع وعمل اقتصاد مخطط.

أما الفترة الثالثة فهي فترة الكساد والانهيار وتعاقب على هذه الفترة كثير من الزعماء وكان آخرهم غوربتشوف الذي أقر أن سياسات الحزب الشيوعي هي أسباب الانهيار وحاول عكس سياسات الحزب الاقتصادية وحاول أن يهدم المكنة الاقتصادية القديمة ويدفع بالاقتصاد نحو الرأسمالية وحاول أن يخفف من تدخل الدولة في تنظيم السوق ويقلل من تقديم الخدمات عن طريق الدولة، فوجدت الملكية الخاصة وحرر السوق نسبياً، ولكنه لم يستطع إنقاذ الموقف وانهار الاتحاد السوفييتي عام 1991. إن المدافعين عن الشيوعية احتجوا أن الشيوعية لم تطبق بشكل كافٍ وسليم كما أنها كانت محاربة من الداخل مشيرين بذلك ضمنيا لغوربتشوف الذي قام بتفكيك الاتحاد السوفييتي ولكن ماهي نتائج حكم الحزب الشيوعي طيلة فترة حكمه والتي دامت 75 عاماً منذ نشوئه ؟؟ لنبدأ أولاً بالفكر الاقتصادي فعند الماركسيين المنافسة والسوق الحر الموجود عند الرأسماليين يرون أنه يضعف السوق فالمنافسة برأيهم تجعل الشركات تدمر بعضها وبالتالي فالاقتصاد سيضعف ولن يتقدم للأمام فيجب إلغاء المنافسة والدولة هي التي تتحكم بكل شيء بتخطيط مركزي وهكذا وأيضاً حسب رأيهم فالإنتاجية سوف تزيد والاقتصاد سوف ينمو والبطالة ستنتهي ولكن هل هذا تم فعلاً؟

إن أكثر ما ركز عليه الشيوعيون هو الصناعة بالرغم أن الفكرة الشيوعية نشأت بالأساس للتركيز على العنصر البشري وأن المفروض أن الناس بشكل عام تصلهم حاجاتهم الأساسية لكن المجلس الأعلى للتخطيط والمفروض منه أن يحدد لإدارات الشركات ماذا يصنعون لخدمة المواطنين كان اهتمامه الأكبر أو لنقل اهتمامه الوحيد على الصناعات الثقيلة الحديد والصلب والمكنات والسيارات أما الحاجات الأساسية التي كانت تحتاجها الناس لتعيش بشكل إنساني لم تلق اهتماماً وحتى الصناعات الثقيلة التي كانت تخدم المواطن لم تكن تتطور أو أنها تتطور ببطء شديد والشيء الوحيد الذي يشهد لجودة الصناعة السوفيتية هو رشاش كلاشنكوف، وانا متيقن أن هذا لم يكن في فكر ماركس. ولنأتي على الزراعة ووضعها فحين ركزت الشيوعية بشكل كبير على الصناعة أهملت جانب الزراعة فكانت النتيجة حصول مجاعتين كبيرتين الاولى من 1932 إلى 1934 وراح ضحيتها من سبعة الى ثمانية مليون إنسان والثانية من1946 الى 1947 وراح ضحيتها 2مليون إنسان وإهمال دور الزراعة لا يقصد به أنه لم تكن توجد زراعة بالعكس كانت هناك زراعة وافرة ولكن الحكومة لم تستخدمها لرفاهية الشعب بل قامت بتصديرها لشراء مكنات صناعية لتطوير صناعتها وجعلت المواطنين يعملون ضمن تعاونيات زراعية وهي التي تحدد لهم نوع الزراعة لتستطيع تصديرها بأموال كثيرة وتشتري مقابلها أدوات ولنأتي إلى الحريات. فلم يتواجد هناك أي حرية أو منصة تعترض من خلالها فالإعلام حكر على الدولة تستخدمه في البروبوغندا التي تخدم هذه الحكومة  وعندما حدثت الانتخابات حصل البلاشفة على ربع الأصوات فقط، فقالوا إن هناك ثورة معاكسة وأوجدوا ما يسمى بالرعب الأحمر الذي ذهب ضحيتها من مئة ألف إلى خمسمئة ألف إعدامات عشوائية بدون محاكمات والسبب فقط عدم اختيار الحزب الشيوعي، ثم قام بعدها ستالين بحملة الرعب العظيم والذي ذهب ضحيتها عشرين مليون شخص وكانوا مشكلين من كل معارضين ستالين سواء فلاحين لم يكونوا راضين عن التعاونيات أو عمال قاموا بمظاهرة احتجاجاً على أمر ما أو حتى شيوعيو خصومه داخل الحزب هذا عن عداك هن ضحايا معسكرات العمل الجبرية (الكولاك) ففي النهاية النظام الذي وجد من أجل حماية الناس من تسلط صاحب رأس المال أصبح المتسلط الأكبر وأيضا بدون مقابل.

وقد يقول البعض أن الاتحاد السوفيتي وصل لمرحلة عظيمة وكان ينافس أمريكا في القوة والغزو الفضائي ولكن لنتذكر أن الفكر الشيوعي في الأساس قام للقضاء على الطبقية والفقر والاستغلال فهل انتهى الفقر؟ هل قضى على الطبقية؟ هل قضى على الاستغلال؟ ولو اعتبرنا أن ما حدث في روسيا كان سوء حظ لكن ماذا عن الصين؟ حكم ماو سي تانغ الصين 27عاما بنفس الترتيبة (دكتاتورية البروليتاريا وتطهير طبقي)، فخلال خمس سنوات فقط قتل اكثر من 800 الف إقطاعي صيني ثم قام بتأميم الشركات والمصانع والأراضي وأيضا ثورة صناعية راح ضحيتها 45 مليون شخص منهم من 30 الى 33مليون ماتوا في أسوأ مجاعة عرفتها البشرية وبين تصفيات وبين معسكرات العمل الإجبارية ومع تصدير هذه الأفكار إلى الدول العربية والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، فإن الوضع كان مختلفاً فلم يكن في هذه البلاد رأسمالية صناعية كما في أوربا؛ كما أن طبقات المجتمع تختلف كلياً عنها في أوربا ولكن واقع الحال في هذه البلاد أنه كان يوجد محتل كما يوجد تفرقة عرقية لذلك اختلطت أفكار الكفاح ضد المحتل مع القومية  مع الفكر الاشتراكي ليظهر لنا شكل ثانٍ مختلف عما يوجد في أوربا، فنلاحظ أن الحكومات في هذه الدول ركزت على شخصية الحاكم ولم تعمل كما قرر ماركس على إحياء العدالة الاجتماعية بين المواطنين فنلاحظ الأسماء الرنانة كعبد الناصر، تشافيز، القذافي، كاسترو، صدام حسين الذين أظهرتهم البروبغندا والإعلام المسيس كشخيصات قيادية قريبة من الأسطورية، وعرفتهم الشعوب كزعماء حملوا شعارات الوحدة الوطنية والحرب على الإمبريالية وقهر الاستعمار واستعادة حقوق الفقراء والواقع على الأرض دول متخلفة تعاني الفقر والجهل والمرض والقهر في حين أن دول مثل فلندا وسويسرا وهولندا دول بلغت ذروة المجد وتربعت ضمن الدول العشرة عالمياً من حيث البنية التحتية والتنمية والعناية الصحية والتعليمية والحقوق واحترام الإنسان والبيئة وحتى حقوق الحيوان ولا أحد منا يعلم أسماء رؤسائها أو قياداتها وزعاماتها ففكرة الزعامة بالنسبة لهم تعتبر بدائية ومثيرة للسخرية الحضارة تبنيها القوانين والمؤسسات والضمائر الحية ليست الشعارات والقوميات ولا حتى الوطنية…….

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password