الإرادة المعرفية في مواجهة القمع…(الجزء الخامس).

ريبر هبون

تكمن قمة الصراع الطبيعي بأبعاده وأشكاله من خلال تجسدها بمرور الأجيال وتعدد الأزمنة والظروف التي تنبني من خلالها الحقائق وجملة المؤثرات الاعتقادية، وبين الخرافة ونقيضها الحقيقة العلمية، ومدى الجهد الذي يبذله الإنسان المعرفي في تصديه لقوى الجهالة، وتجسيد للصراع المتمثل بأصحاب الخوارق والغيبيات وبين ذوات النفوس المبتكرة الآخذة بالاسترشاد للصواب والركون للحقيقة الخالية من الاعتقاد الأعمى..، الثنائية المتناقضة ، الصراع بين النظام والبديل عنه، بين الثابت والمتحول في الثقافات، وبين المفاهيم الشعبية والثقافة المعرفية، وهو جلي في أتون المتناقضات فكل نظرية رهينة بعصرها وظروفها وتنتصر المعارف الجديدة على الذهنية الجامدة الأسيرة لعبادة أفكار الأسلاف والواقعة في أسر الماضوية وفي ذلك العاكسة واقع مجتمعاتنا وتقديسها للفرد لدرجة التأليه ، والتبجح المقلد باسمه ومآثره، وعدم القدرة على تخطي الفرد وتقديسه من خلال إنتاج بدائل من النخب الجديدة المتمثلة بالجيل القادم وهنا إشارة لمنطق البساطة والاتكالية الناجمة عن الخواء الذي يسيطر على عقول مفرغة تقبل بنهم على شتى مفاهيم الغيبية والانغلاق المناقض للانفتاح الذي يمكن عده الصراع الظاهر الذي يحتوي الكثير من التساؤلات التي تحتاج إلى تحليل أدق ومكثف، ليس الحلم في ماهيته، مجموع رؤى وأخيلات متضاربة، تعكس الحدث اليومي، بل هو مدلول عميق الكنه  حيث الغبطة الروحية، والطمأنينة المفقودة في واقع تتنازعه عوالم الصخب والضوضاء، هذا ما نلمسه في ثنايا اللغة الدالة على أحلام منتهكة وتطلعات طبيعية لعالم طبيعي ، تتآلف فيه الأحلام، لتغدو متكأ تأملياً لبث الحياة عبر القيمة الجمالية، بمعنى بيانها بصورة جلية للذات الأخرى والعالم برمته، ولاشك أن انغماس المرء بعوالم الحلم الزاهية، دليل على تعبها وانهماكها إزاء واقع مأساوي لا روح له ولا أدنى تصور للحلم، واتكاؤنا في هذه الدراسة على سبر رمزية الحلم معناه إيغالنا أكثر حول دواعي خلود المرء إليه، وكذلك لمعرفة خبايا النفس وآمالها المنتهكة على مسرح المأساة، ففي طيات ذلك الهم الواقعي ، يرقد الوقت المتأبط تلك العقارب الموضوعة في الساعة، فهي لا تتوقف، ويستحيل أن تنزل لرغبة الإنسان الحالم، حيث نجد اللهث العميق في مسيرة الإنسان المحاول أن يمسك بتلابيب الوقت والزمن المسرع لصالحه، بيد أن الصعوبات والحواجز دوماً تعيقه عن بلوغ مراده ولاسيما اتجاهات الآخرين وتنازعهم في جعبة هذا الوقت والعمر القصير، لأجل تحقيق ما أمكن من طموحات وأماني وتصورات قبل أن يتحطم المرء على مرآها، تلك الرؤى المضرجة بعديد التساؤلات عن مسيرة الإنسان المبدع في ظل عالم مفضي للفناء، ويحاول على إثر ذلك الصراع مع العوائق والحواجز للظهور بمظهر أنيق يمثل حقيقة الفن في تعانقه مع الخلود، ففي جمالية السعي وراء الحلم، لذة الهدوء والعيش في عالم متسامي عن فداحة الواقع المليئ بالمسارات الخادشة لحيوية الذهن ومآلات الخيال في غوصنا بعيداً وعميقاً داخله، لاستنباط الجماليات القائمة على التماهي بالطبيعة، والانتصار لها كشكل وجوهر، والوقت هنا هو العامل الباعث على بذل الجهد، تحديه يشير هنا ليأس يحيط الإنسان الساعي لبذل الأفضل، أمام موجات التغيير والصراع القائمة، فأمام هذه القتامة الكونية التي يعايشها الإنسان ، لابد له من أن يقصي كل العوائق في سبيل الهناء بلحظة حلم مشتهاة بعيدة عن أوجاع العالم والسياسة ومهالك الحروب، وخواء الفاسدين، هذه كانت الرسالة الأكثر جلاء أسهبت في الدفع بالعديد من التساؤلات ليتم إزالة النقاب عنها، لتظل محل رحابة ونهضة وتنوير، وعبر ثالوث الحلم، الوقت، الصمت، حيث يظل الحلم صمام أمان لمواجهة الواقع المهتز، ويظل الوقت بمثابة السيف المسلط على مدركات الساعين لبلوغ المراتب البعيدة، وأما الصمت فيمثل خلاصة البحث والسعي والمواجهة في خضم كون متلاشٍ مهما طال الزمن..!

ففي ذكر الأماكن تنفتح فسحات الحنين لدى المتلقي،  مع إيضاح قدم وأزلية علاقة الإنسان بالوجود، لأنها علاقة بالذاكرة والجذور، وتأصل بكل ما يمته الوجود من ملامح وثغرات يتم من خلالها الولوج للتقاليد الجمعية، التي تعاقد عليها البشر، ومنها جاءت القيم الطبيعية لتعزز صلاحية المفاهيم الخامة، ولعل المعزى من تجسيد الألم الفردي هو التسليط على الجوانب الواقعية من حياة المجتمعات في ظل العزلة والاحتقان بمضامينه السلبية، فالبحث عن قيم المجتمع والحديث عن ذلك ضمن نصوص مشبعة بالشجن وولوج الذات تجاه عسف الآخر،  حيث يحرص  سارتر1 في جعل الآخر جحيماً، ففي تعبير سارتر أن الإنسان لا يمكنه إنقاذ نفسه من تساؤلاته وآلامه، حيث يبحر في الوجودية، ليجد أن الآخر يمثل للمرء العائق،  وبكل الأحوال يبذل المعرفي المبدع مجهوداً في ظل أي خطاب أو نص يحمله للمتلقي ليبرهن عن ذات المشكلة الوجودية التي تؤرق مسارات حياتنا برمتها، إذاً فالإنسان الوحيد من يحمل خياراته إزاء الوجود المعلن ويتحمل نتائج اختياراته ونعوته، تجاه الأشياء والظواهر، وكما أن الآخر يشكل العائق المثالي لصيرورة حياتنا برمتها، غير أننا ندين له بالفضل، كونه الحلقة الأهم في تعرفنا على ذواتنا وكيفية الأخذ بها في الحياة، جدلية الذات والآخر في سياق البحث عن المشكلات الوجودية، ومعرفة المدى المجدي من الخوض فيها، ولعل وجودية الوجع في ذاكرتنا تتدخل في نظراتنا الجدلية لحتمية مسار الحياة القائمة على الارتقاء للفناء، ولكن ديمومة الماضي في الإنسان تزداد تأصلاً وما تلبث أن تطفو على السطح، وفي حديثنا عن سارتر وبيان مقولته أن الآخر يمثل الجحيم، دلالات هامة  فهنا قال سارتر في مسرحيته (الجلسة السرية) إن” الجحيم هم الآخرون “، الآخرون الساعون لإثبات منهج حياتهم، وكذلك لإغراق ما في جعبتنا من أهوال وعوائق يزرعونها جاهدين في طريقنا وهكذا فإن المسعى الإبداعي الذي نبثه في دواخلنا يمهد لجدلية الأنا والآخر على نحو مفصح أكثر، فنقول أن العاشق مثلاً يطمح إلى أن يرى ذات المحبوب تتلاشى في ذاته، بينما في صميم المشهد الواقعي نجد أن الأفكار تتهافت لصنع مذهبها الحي بعيداً عن الرؤى الوجدانية المباشرة، فلاشك أن الرغبة في الحل والاحتكام لمنطق أن الحياة هي خليط من مفاهيم غير مستقرة، وأحلام تغزو المرء، وما تلبث أن تنال منه قسطاً يسيراً من التأمل، مما يجعل الذات المبدعة تحاول جاهدة للوصول بالحقيقة الإبداعية إلى مبتغاها الهادف، وهو صناعة طرائق مفيدة من الارتقاء بوعينا التحصيلي الناتج عن خبرات وحوافز وإمكانات نتبادلها من جوهر هذا التنازع، ففي موضوع سعي المحب للتوحد بجزئه الآخر وهو ما يشبه علاقة المبدع بأدوات إبداعه ومن ثم بوجوده، بيئته ومشكلاتها، فلا شك أن ذلك يتحقق بعملية الاندماج الكلية مع تلك القضايا لتصبح العامل الأقوى للإبداع، فالاندماج مع الذاكرة  هو  غير ذلك الاندماج المتحقق في العلاقة الوجدانية بين الرجل والمرأة، ولكن يوم يتحقق هذا الاندماج، يفقد العاشق شخصية من كان يحب، ويستعيد عزلة (الأنا)،  نجد أن الأنا هنا هي المفصحة عن خيارات الذات في تشظيها وبحثها الدائم عن حلول لوقائع تتوسط الماضي والنزوع الاستشرافي للمستقبل، ثم إن كان الحب يعني رغبتنا في أن نحب،  فهو يعني أيضاً انقيادنا نحو سبر ماهية الارتقاء للأفضل في طلبنا الخير الأقصى بمسماه الواقعي، فالهاجس الإبداعي برمته ي على نحو خاص يمعن أكثر في إشكالية الذات والآخر، واصفاُ في الآن ذاته سعي الذات للتوحد بالآخر وجدانياً ،فهو يعني أيضا أن يريد الآخر حبنا له أي أن يكون في حاجة إليه، من هنا تتحقق جمالية المسعى ، وكذلك يتحقق الشرط الإبداعي في البحث عن الحياة التي يرتقي لها المعرفيون في المسير بهذا الموج المجتمعي نحو حقيقة الوجود الحر المحكوم بالجمال، رغم جدلية التنازع القائمة في كل ركن وصعيد وتحكمه بكافة المسارات والميادين المختلفة، إذن فوجود العاشقين هو في تنازع دائم، كأي وجود آخر، ولعل عشق المرء للطبيعة، للحياة المتأصلة بروح المكان، الجبال، فكلما كان الإمعان في ذاتنا عبر مرايا الوجود ، كلما بانت حقيقتنا الجميلة أكثر واتسعت باتساقها وتناغمها مع الطبيعة، هكذا يكون الوعي بالجمال خالصاً، وتكون للحكمة دلالتها، كون الحكمة هي ابنة الجمال الكامن في الوجود، ولا يتحقق وعينا بالوجود دون إيغالنا بالسحر في هذا العالم المكتظ بألغاز النشوة الخلابة ، عبر التجوال في مداه المطلق، للتعرف على الذات، وهكذا فالوجود الذي بدأ لنا كأنه النعيم المقيم  لا يمكن أن تنجلي خباياه، لو لم يكن ثمة وعي فردي هو الأنا، الأنا التي تعمل وتكدَّ وتقرأَ وتسبر الأغوار، فهذا يشكل حقيقة نشدان المعرفي للخلاص من قيود المفاهيم المتحجرة، ولا يدرك المرء نعيم الانسياق لمطلب الحب، دون التأمل في مجريات الزمان والمكان في توأميتهما، حيث السر الأجمل في استدعاء الجوانب المتعلقة بالفن والعلوم الإنسانية، ينبجس كل شيء من خلال جدلية الفرد والطبيعة، في خضم الموجودات، ويبان ذلك المجتمع في ظل الترابط المحكم بين أنسجة الإبداع الحي المقيم في الوجود، وبين مطلب الذات الفردية في التقصي والإبداع والإيغال بعيداً نحو الجمال، وما النقد إلا جزء مكمل من العملية الإبداعية، وهو تماثل آخر ووجه مقابل لجدلية الفرد والطبيعة، الوجود والموجود، المبدع للنص، والموغل للنص، الفلسفة وشارحها، إن هذه الثنائيات المتقابلة، تستكمل فصول بعضها الناقصة، حيث أن النقد يتغذى على النص الجاهز، وحيث أن القيمة الإبداعية تنجلي بتمامها حين الإيغال التحليلي التأملي في ثناياها، وهكذا دواليك.. هنا إشارة مهمة للآخرين الذين يحولون بيننا وبين حياتنا وتأملاتنا، حيث يبقى وجودهم الجحيم المهدد لكل ما نحتاج ترتيبه لحياتنا، ولاشك أن ذلك العائق الذي يقف بين الذات والتأمل الخالص، هو الذي يتحول مراراً إلى جحيم وشر، بسبب وجود الآخرين، غير المدركين لجهود المرء لصيانة الروح، وتنظيم دوافعها واحتياجاتها، غير الآبهين للجمال الذي يكمن في الجموح للطبيعة، والاستفادة من مزايا الجمال،  هذا ما جعل الغضب والحنق هو النتيجة التي تتصدى لقوى القبح والتشويه، التي تقف حيال أفكارنا وأحلامنا وطموحاتنا في تلوين حياتنا بالجمال والتأمل والمعرفة الدؤوبة، جدلية وجود المبدع إزاء العائق البشري، العلة الكامنة إزاء صيرورة الإبداع ونقاءه، حيث يكون الآخر متطفلاً على الإبداع، غير عارف أو آبه لقيمته الداخلية، في إشارة أن وجود الآخر يمثل الإشكال عادة في السير بالجمال لمساره المأمول، حيث نجد سارتر يرى في الآخر العلة، ويرى وجودنا كذات عالة عليه، فيقول سارتر: “..الغير هو الآخر، الأنا الذي ليس أنا..” وهنا تتكون الرؤية المعرفية نحو تحسس مفاتن الجمال، والانغماس في مدلولاته الحميمة، والانقياد إليه، يهبنا آليات دفاعية تتلخص في إبداء الحرص عليه، إزاء فئة تستعبد هذا الجمال، وتقصيه، لماذا التنازع؟!، هنا يمثل في الحقيقة الهدف من الصراع وتلك الجدلية الوجودية، حيث ثمة فئتان، فئة مرهفة مبدعة تسوس حياتها عبر اعتمادها الحياة الفطرية، وما يتخللها من إيمان بجملة قوانين ، عبر تنظيم الحياة بمثالية ما، وهذا ديدن الطبقات الباحثة عن حياة أكثر هدوء ومعنى في الصميم الذاتي، مقابلها فئة منفعية تؤمن بالاحتكار، والسلطة، كونهما أسس حياة هذه الفئة ومبلغ اهتمامها، إذ أن الجمال بالنسبة لها هو حيازة الأشياء، وتجلي الجمال هو في الربح والنفوذ، إذاً هناك مذهبان متمايزان واعتماداً على حجة (تحليل لغوية) تتمثل في تأويل وتفسير كلمة (ليس) نجد أن الحياة لا تعاش إلا على مبدأ التنافس والغيرية، في تقديم مذهب على مذهب، وكذلك اللعب المكشوف على وتر أن البقاء للأجدر، الزخم الإبداعي في تصادم مع العبقرية النفعية، وجل مطمح العلوم الإنسانية ، أنها تبحث عن الإنسان خارج دائرة العلم المرتبطة بقيود العقل وتصوراته، وكذلك بعيداً عن الجنوح العاطفي في اعتماد الوجدان كميزان لتصحيح المسارات المغلوطة التي اعتمدها البشر في أطوارهم التاريخية المليئة بالمغازي والعبر في تطويعهم الفكر لأحد تصورين إما الاسترشاد بالعقل المطلق أو العاطفة المطلقة التي لا تؤمن بأن المعرفة قادرة في جوهرها على استيعاب كل شيء بما لا يتفق مع مذهب العاطفة التي تدين بالروحانية التقليدية حيناً وبالتجرد نحو الإبداع حيناً آخر ، حيث يستنتج سارتر أن هناك عدم وانفصال وتباعد بين (الأنا) و(الغير)،  فالحروب التي تشن على الأنظمة الشرق أوسطية بزعم تغيير أنظمتها، هي في الآن ذاته تحمل في جوهرها استبدال المأساة بواقع يتخلله الضجيج والافتراء والفوضى، في إشارة إلى أن التغيير لا يفرضه الخارج، بل تقف خلفه الإرادة الجماهيرية الواعية..، فالإدراك لضرورة التغيير هي حاجة المجتمعات، لكن القوى الخارجية من تتلاعب بخيوط اللعبة ظاهرياً، حيث الصراعات التي لا تكاد تتوقف وتهدأ، و الواقع السياسي المتلظي بنيران الاستبداد والتدخل الخارجي، فإدراك المعضلة الحاصلة في جذور المجتمع المكبل بأغلال الوصاية وتفشي علل السلطة في مؤسساته، هو المرجو في عملية إنتاج النص الإبداعي، وقد تم اعتماده ، لجعل تجسيد الواقع والفكرة الممثلة الحل، هو جل الحيز الذي يشغله النص ، الشارح لمظاهر التفسخ والتشرذم وغياب البوصلة، فأي إدراك يقف عند مستوى الجسم وما هو ظاهري، يصبح معه الآخر مجرد موضوع أو شيء، لكن في واقع رصد معاناة المجتمع، كان لابد الإشارة إلى أبعاده النفسية، ومآلات النظام القمعي داخل بناه، والفوضى الحاصلة التي رافقتها الصراعات الخارجية، والحديث في ذلك الموضع طويل وشائك، وفي الحرب تتضاءل إمكانات السعادة الهادئة، فيصبح التأمل في المكان المدمر، والاحتجاج على الانتهاكات التي استقرت تماماً في قلب الذاكرة، حديث الشجون أبداً وكلها طرق لمداواة تلك الكرامة المستباحة تارة عبر سياط الجلاد، وتارة أخرى بسبب الحرب التي ما انفكت تدور رحاها لتفتك بالآمنين، حيث يتم التقاط أفخم صورة لأبشع لقطة جريمة مبتكرة، نجد التركيز على معاناة المرأة في الحرب، كونها تحتمل كل تداعيات ونتائج الحروب التي يصنعها الرجال، ذود النساء عن الأبناء الجرحى، اعتماداً لتجسيد علاقة الإنسان بالمكان، علاقته بالآخر، وكذلك نظرة المجتمع للمرأة من كونها المخلوق الأكثر تحملاً لغطرسة الحروب، مما يستدعينا هنا للنظر إلى الحدث استناداً لتعامل الإنسان معه، كمغزى لتلك العلاقة بين الأنا والغير حيث يقول سارتر: “..إن العلاقة بين الأنا والآخر هي علاقة تشييئية ما دام أن كلا منهما يتعامل مع الآخر فقط كجسم أو كموضوع أو كشيء، لا تربطه به أية صلة..”  والرصد  للحدث إنما هو بحث عن هذه الجدلية برمتها، وكذلك عقد تقابلات وروابط فيما بينهما، إيجاد المغازي في تقابلاتها، وإخراج المشاهد لساحة التأمل، لتكون ميداناً للاستقصاء والبوح الأعلى في نسيج الدراما الوجدانية، العاكسة للأفكار على نحو مختلف، فلا ينظر للجانب الدرامي إلا من سياق جدلية الذات والآخر،  كونه العاكس لحالات الإنسان وأطواره المختلفة مع ما يقابلها من سبر نحو ماهية الترابط الفكري الكامن وراء عرض المشاهد، وإبداء المواقف المباشرة تجاه الحوادث الحاصلة في المجتمعات ، والمتحكم بمصائرها، وطرق تفكيرها وآليات بثها لاعتقاداتها، ولاشك أن العلاقة المكانية منحصرة في جدلية الثنائيات، وما بينهما من علائق وعوائق متباينة، وإن تم ذلك البحث عن القرائن التي تحصر علاقات المجموع في سياق الجدلية التي تعم كافة الموجودات على اختلافها،  فلا تفصح الكتابة فحسب عن الحديث في نتائج الجدلية الجارية في الوجود بقدر ما تحاول نقل ذلك كحصيلة تجارب للإنسان ضمن سياق التعاطي الدقيق للعلوم الإنسانية برمتها كونها تجعل من الإنسان المحور والغاية الأساس لفاعلية وجودها..، حيث لا تعنى القصة الواقعية كثيراً بسجالات الفلسفة المتشعبة، إنها تنقل حصيلة الوجدان والإدراك للإنسان عبر المشهد والحوار وكذلك بيان اللغة الجمالية، مدى تأثيرها وتأثرها في محاكاة الذوائق العامة، وكذلك مسيرها في ركب العطاء، لنتمعن بمقولة يوحنا جـ. استوسينجر في كتابه لماذا تذهب الأمم إلى الحرب، إلى أن (كلا الطرفين سيدَّعون أن الأخلاق هي مبرر قتالهم. وهو ينص أيضاً على أن الأساس المنطقي لبداية الحرب يعتمد على تقييم مفرط في التفاؤل لنتائج القتال (الإصابات والتكاليف)، وعلى التصورات الخاطئة لنوايا العدو). المقامرة هي التي أودت بالمجتمع إلى نفق هاوية غير معلنة، قادتهم ليكونوا وقوداً لجشع أرباب الاقتصاد ومافياته، وهذا ما يحيلنا للعودة لسارتر حين قال: ” الأنا لا يدرك الغير كما هو في ذاته، بل يدركه كما يتبدى له ضمن حقل تجربته الخاصة، وهذا يعني أن نظرة الأنا للغير هي نظرة اختزالية وإسقاطية، فضلاً على أنها نظرة سطحية ترتكز على(كثرة متنوعة من الانطباعات الحسية)، ولا تنفذ إلى أعماق الغير من خلال الاقتراب منه والتعاطف معه..” وجوهر القضية هو دوام التصارع وتغليب التوجهات على أخرى، ضمن اللاحل، حيث يتهافت البشر على التشبث بقناعات على حساب إنكار أخرى، ويعمد المتحكمون لتسعير هذا التنازع وفق مصالحهم وأجنداتهم، وهكذا فالنظرة تجاه الغير هي حقاً كما رآها سارتر اختزالية بمعنى أنها متمحورة في نطاق الأنانية العملية المتشبثة في ماهيتها بقناعات تسيرها، وإسقاطية تعتمد على الواقع في بروزها نحو جملة المنافع المحددة..، لعل في رحلة البحث عن الأفضل، في تفاصيل النص التأملي، تكشف لنا النقاب عن الفترة التاريخية المتشظية بالأحداث ، وعن المعنى من الكتابة الواقعية، التي تتخللها الأفكار المفصحة عن تصورات كان لابد منها أن تشكل سجالاً كثيف المستوى بين الناس، لا أن تصل النخبة دون عموم الفئات، حيث لا تحتمل الكتابة الواقعية الحقة، أن تكون حبيسة الفنون الكمالية، بل تحت الطلب دوماً كونها عاكسة للحاجات الإنسانية الطبيعية، وهي بدورها ترتقي عن النصوص التخييلية، حيث الأخيرة تخاطب الذائقة وتداريها، بينما النص الواقعي خلق كخطاب تهييجي للجماهير المتعبة، ففي زمن تصارع النظم الاستبدادية واستماتتها للبقاء وصية على جماهير تعاني من الغليان المستتر، فالتأملية السياسية لطبيعة الواقع، النهج القويم في حياكة الحدث وترويضه، وتقديم إجابات شافية لعقول متورمة تحت ضربات المطرقة اللاذعة، التي ما تلبث أن ترفع كل ما يعمها من حزم وجلد، أمام المتلقي العازم على الفرار من الترهل العام، هارباً لفسحة الإيجاب، عازماً على التفوه بما يجب إزاء مشاعر العجز والنفور المصاحبة للاستبداد والحرب، كونهما المتناوبان أبداً والمساهمان في تفشي الأزمات الفكرية والنفسية في المجتمع، حيث الجميع يتفيؤون تحت ظلال السلطة الموهوبة في افتعال الحروب، والاستمرار في الهيمنة، حيث يلتقي الخصوم الأبرياء ليساعدوا بعضهم بالتزامن مع حرب بعضهم بعضاً، لتثبت لنا خيرية الإنسان في ماهيته، من كونه في الجيش مجرد مأمور، يعيش تناقضاً لاذعاً بين أن يكون ذلك الآتي لإنجاز مهمة حسب الطلب والأوامر، وبين أن يكون ذلك الإنسان الذي ما يلبث أن يستيقظ ليعبر بصدق عما يخالف المهمة، وهو أن البشرية في احتضار واستنزاف جراء حروب عبثية لا تجلب سوى الدمار العام لجميع الأطراف..، حيث الوجود سفينة، ودمار جزء منها لو بسيط يعني فناء من على ظهرها..، فالانتصار للإنسان يعكس في مضمونه ثقافة عالية المستوى، ويتجلى من خلالها إرث الحضارة العاقلة التي بشر لها المعرفيون منذ الأزل، واستطاعوا صونها عبر اعتمادهم على التواصل الفكري وتدشين أواصر الحب عبر أسسه المتينة، بالتزامن مع أفعال السلطة المولعة بالحروب والاحتكار الربحي، فعقد الأواصر الفكرية المشتقة أساساً من العلوم الإنسانية يعطي دلائل يمكننا اختزالها فيما يأتي:

1-إيجاد البديل الحقيقي عن مظاهر التنازع الإيديولوجية التي سادت الخطاب القومي، والمذهبي، وإبراز قيم الحياة الفعلية عبر البحث عن خيرية الإنسان وطبيعية دوافعه الأولى، فيما لو تجلت، حيث اعتمدت الكتابة المعرفية على إظهار النداء الروحي الجمالي الخارج من مدركات الإنسان المعرفي في إنهاء الكوارث التي تتم بيد الإنسان..

2-تتضمن أيضاً التعريف بالإمكانات الفعلية للإنسان في مواجهة العوائق التي تحول ما بين ذاته وقناعاته الطبيعية، ولاشك أن التعاطي الإنساني للمأساة، والتعاطف معها، هو نشاط حقيقي وجداني لممارسة الطمأنينة المفتقدة في زمن الحرب والتصارع الوحشي.

3-الاعتماد على التعريف بجودة الفعل الإنساني المتأتي من روح الطبيعة التي يجسدها الإنسان الساعي لعقد الأواصر الطبيعية بينه وبين الضحية، عبر تجسيد مظاهر هذا التعاطف الأمر الذي أحالنا لتفسير الدوافع التي تقف وراء عملية صناعة الخير، وهو إحقاق الجمال الكامن لدى الإنسان الطبيعي.

4-السعي وراء فعالية الطبيعة الخيرية لدى الإنسان، وتجسيدها، على دوافع الرغبة والهيمنة التي يتم استثمارها لاستنزاف موارد الشعوب، والتحكم بها، عبر التصارع القويم، ضد ممارسات تنم عن ضعف لابد من محاربته، والانتصار ما أمكن لقيم السلام الحقة.

5-بيان حقيقة السلم الطبيعي المستوطن نفوس الجماعات الهاربة من البطش والتي تشكل المرأة النسيج الرئيسي المتأثر بكل انهدام على مستوى المعايير الأخلاقية المنتهكة في الحروب، وكذلك خلق الحلول الواجب العمل بها، لتخليص المجتمعات من إفلاس المنظومة الربحية، لهثها وراء المنافع على حساب الدمار على كل المستويات.

 

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password