مخاوف فتح الصندوق الأسود في هجين أهم دوافع الهجمات التركية:

 

    لزكين إبراهيم

كثرت التساؤلات في الوسائل الإعلامية في الأيام الماضية حول أسباب وأهداف الهجمات التركية الأخيرة غير المسؤولة على مناطق شرقي الفرات في الشمال السوري؛ والتي جاءت بالتزامن مع هجمات داعش المعاكسة على مواقع قوات سوريا الديمقراطية في الجيب الأخير الذي يتحصن فيه داعش شرقي نهر الفرات في ريف دير الزور، في وقت كانت قسد تحشد قواها لشن حملة واسعة للقضاء على ذلك الجيب الأخير في بلدة هجين. فما هي الدوافع الحقيقة لتركيا من هذه الهجمات رغم إدراكها استحالة قدرتها على تنفيذ هجمات برية شرقي الفرات على غرار عمليات درع الفرات وغصن الزيتون؛ بسبب التواجد الأمريكي الرسمي في هذه المنطقة تعارض تلك الهجمات مع مصالحها الاستراتيجية؟

لو تتبعنا مسارات السياسات التركية الأخيرة في سوريا؛ سنرى أن هذه الهجمات نابعة من الضعف التركي وخسائرها المتتالية، وليس من مصدر قوة كما تريد تركيا إيهام الرأي العام والتركي بها، وهناك عدة أسباب دفعت تركيا للقيام بهذه التحركات وخلق الفوضى والمشاكل وإشغال الرأي العام به، وأهم تلك الأسباب خوفها من النتائج الكارثية التي ستحل بها في حال تم القضاء على الجيب الأخير لداعش شرقي الفرات؛ وبالأخص سقوط هجين المعقل الأخير بيد قوات سوريا الديمقراطية، لأنه وباختصار يمكن القول أن هذا الجيب الأخير يعتبر الصندوق الأسود التي يجمع بداخلة كافة أسرار تنظيم داعش وكيفية تأسيسه ومموليه ومن يقف خلفه، لأن كافة قيادات داعش الأجانب والذين يشكلون العمود الفقري للتنظيم تجمعوا في هذا الجيب، وفي جعبتهم كامل ملفات أسرار داعش، ولو وقع هذا الصندوق الأسود بيد “قسد” فهذا يعني أن حقيقة العلاقة بين تركيا وتنظيم داعش ستكشف للرأي العام، لذا نرى تركيا باتت تستميت وتخلق المشاكل في هذا التوقيت بالذات في محاولة منها إطالة عمر داعش وإشغال ق س د في حماية حدود شمال سوريا، ومنح وقت إضافي لداعش لإعادة ترتيب صفوفه في جيبه الأخير وبذلك تحصل تركيا على وقت إضافي لترتيب سياساته في مناطق غربي الفرات، وتمتين علاقاتها مع روسيا والنظام السوري بعد فشل محاولاتها الأولى لإقناع جبهة النصرة الانسحاب من المنطقة منزوعة السلاح في الموعد الذي كان محدداً له بحسب اتفاقية سوتشي، وقبل فتح ذلك الصندوق الأسود الذي سيؤلّب الرأي العالمي عليه إن كشفت أسراره. وحتى أن الكثير من المراقبين لم يستبعدوا أن يكون هناك تنسيق بين تركيا وداعش في الهجوم المعاكس لداعش على مواقع ق س د وتزامنها مع الهجمات التركية شمالي سوريا.

أما السبب الآخر لهذا الهجوم فهو محاولة التغطية على الفشل التي منيت بها تركيا في ملف منبج، فبعد أن كانت تركيا تأمل أن تحتل منبج على غرار باقي المناطق السورية التي احتلتها، وبعد ادعاءاتها أنها ستدخل منبج بالتنسيق مع التحالف وتجري دوريات داخل المدينة وتشرف على إدارتها، لكن كل آمالها ذهبت أدراج الرياح بعد رفض التحالف لمطالب تركيا بمنحها مدينة منبج، واقتصرت خارطة الطريق بين الطرفين على تسيير دوريات مشتركة خارج المدينة بين جبهتي قوات مجلس منبج العسكري ومرتزقة درع الفرات، الأمر الذي أنهى حلم تركيا باحتلال منبج، والأنكى من ذلك باتت تلك الدوريات نفسها الضمانة لحفظ أمن منبج واستقرارها الأمر الذي لا ترغب به تركيا، لذا أعلن أردوغان غضبه لأنه لم يحصل على منبج ولذلك صعد الهجمات شرقي الفرات، كردة فعل للتغطية على فشله ولفت الأنظار إلى شرقي الفرات والإيهام بأنه حقق ما ابتغاه في منبج ويتوجه بعدها لشرق الفرات. علماً أن تصريحات أردوغان نفسه فضحته عندما اعترف وقال “أن أمريكا كانت تلهينا بملف منبج طيلة الفترة الماضية”.

والدافع الآخر لتنفيذ تركيا هذه الهجمات أيضاً هو حصولها على الضوء الأخضر والمباركة من المجتمعين في القمة الرباعية التي عقدت في اسطنبول قبل الهجمات بيوم واحد، ويمكن القول: إن روسيا هي أهم من تقف وراء دعم تلك الهجمات بشكل مباشر وتلعب دوراً كالتي لعبته في عفرين بالسماح لتركيا باحتلالها. وذلك كردة فعل من روسيا على معارضة أمريكية للهجوم الروسي على إدلب، رغم أنه سبق للولايات المتحدة رفضت التدخل في المناطق الواقعة غرب الفرات عندما كانت المسألة تتعلق بعفرين، لذا فإن روسيا تدرك أنها لا تستطيع التدخل المباشر شرقي الفرات فترغب باستخدام تركيا لهذا الغرض، ولا يخفى أن روسيا تهدف عبر هجمات تركيا لإضعاف شمال شرق سوريا وبسط سيطرة النظام على تلك المناطق ومحاولة إعادة استنساخ نظام مركزي فيه وهو ما يفسر رفض دمشق لكتابة دستور جديد لسوريا والإصرار على ترميم الدستور الحالي وهو مطلب روسي بالدرجة الأولى.

أما ألمانيا وفرنسا فجاءت موافقتهما الضمنية على الهجوم التركي لخوفهما من مساعي تركيا لحماية مرتزقتها والمتطرفين في إدلب وفتح الطريق أمامهم للتوجه إلى أوربا في حال أصرتا على فتح معركة إدلب، لذا دعمتا رغبة تركيا فتح جبهة جديدة في سوريا لتنقل إليها مجموعاتها الإرهابية وتزجهم فيها لتبعدهم عن طريق أوربا.

ولكن رغم كل تلك الدوافع والموافقات الدولية لتركيا في الهجوم على شرقي الفرات إلا أنها تصطدم بالمصالح الأمريكية التي لن تسمح –في الوقت الراهن على الأقل- بصرف قسد عن محاربة داعش وزعزعة استقرار هذه المنطقة التي تحررت من داعش، وتقيم أمريكا فيها القواعد العسكرية وتخطط لبقاء طويل الأمد فيها، وعليه جاء الرد الأمريكي سريعاً وأرسلت دوريات مشتركة مع قوات سوريا الديمقراطية لمراقبة الحدود وتخفيف التصعيد ومنع الهجمات التركية البرية.

ولكن تركيا لا تقف عند هذا الحد وهي كانت تدرك عند بدئها بالهجوم أنها لا تستطيع احتلال هذه المنطقة بهجوم بري، لذا فإنها تلجأ الآن إلى استخدام أسلوب آخر في الحرب شرقي الفرات وهي سياسة ضرب القلعة من الداخل، وذلك بتحريك خلاياها النائمة والتي أغلبها من عناصر داعش الذين على صلة مع الاستخبارات التركية لخلق الفتن بين الشعبين العربي والكردي بالأخص، وكان المرصد السوري لحقوق الإنسان وثق قبل أيام فشل محاولة للاستخبارات التركية في خلق فتنة عشائرية في تل أبيض بعد تحريض خلاياها النائمة على ضرب وإهانة أحد أفراد إحدى العشائر وتصويره ونشر مقطع الفيديو لخلق الفتن والاقتتال الداخلي، ولكن قوى الأمن الداخلي ووجهاء العشائر تتدخلوا وأطفؤوا نار الفتنة التركية.

والأسلوب الآخر الذي تستخدمه الاستخبارات التركية هي تنفيذ الاغتيالات، وما شهدته مدينة الرقة يوم الجمعة الفائتة على جريمة اغتيال شيخ عشيرة الهويدي بشير فيصل الهويدي مقتولاً في سيارته جانب مشفى الأطفال بشارع الباسل بمدينة الرقة إلا فصل آخر من الحرب الخاصة التركية التي قد تزداد في مناطق شرقي الفرات بهدف إثارة الفتن والبلبلة ومنع الاستقرار لهذه المنطقة المحررة.

وفي ظل هذه التطورات يتوجب على شعوب المنطقة بكافة مكوناتها أخذ الحيطة والحذر وعدم الانجرار خلف الاستفزازات التركية وتوحيد الصفوف لتفكيك كافة الخلايا للاستخبارات التركية في مناطق شرقي الفرات وإفشال مخططاتهم في ضرب مشروع أخوة الشعوب والإدارة الذاتية الديمقراطية التي تتمتع بها هذه المناطق.

 

 

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password