الرقة … في عهود الحمدانيين والفاطميين والمماليك والأيوبيين  !!!!    

 

جاسم العبيد

في عهد بني أمية رفعت الدولة من شأن العرب وخفضت من شأن الأعاجم؛ هذا التمايز أوجد ثورة اجتماعية وسياسية لدى الخوارج الذين رفعوا شعارهم قول الله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم”. وقالوا إن كل مسلم عاقل يصلح للخلافة ولا صحة لمن يقول الإمامة في قريش وأنه لا فضل للعرب على العجم إلا بالتقوى، وساندهم بعض الفقهاء وفي العهد العباسي تغير الأمر ورفع الخليفة المنصور شأن مواليه الأعاجم فوق رؤوس العرب مما أثار حفيظتهم.

وفي زمن المعتضد سكنت عائلته مدينة الرقة، وكان أكثر مقام ولده المكتفي بالرقة، ونزل الرقة الخليفة المتقي عندما اختلف مع توزون وكاتب الأخشيد –محمد بن طغج صاحب مصر وحمل إليه أموالاً كثيرة.

تولى إبراهيم بن حمدان إمارة ديار مضر من سنة 289هجري إلى أن عزل منها سنة 308 هجري ثم عاد سيف الدولة بن حمدان وملكها سنة 325هجري الموافق 937م، وطلب من أخيه ناصر الدولة مدينة الرقة فأعطاه إياها، وبقيت بحوزته حتى عام 358هجري الموافق 969م، وفي هذه الفترة حصلت تحولات سياسية ودينية واجتماعية إذ سيطرت قبائل كلب وبهراء وأنمار القرمطية على بادية الشام ومدينة الرقة وكان سيف الدولة يحسن التعامل مع هذه العشائر، قال المتنبي مخاطباً سيف الدولة:

بغيرك راعياً عبث الذئـــاب        وغيرك صارماً ثلم الضراب

ترفق أيها المولى عليهم         فإن الرفق بالجاني عـتاب

وما جهلت أياديك البوادي        ولكن ربما خفي الصــواب

لقد ساعد سيف الدولة القرامطة مساعدة عظيمة رداً لجميلهم له إذ ساعدوه على استلام حلب من يد أحمد بن سعيد الكلابي صاحب الأخشيد.

كان مركز القرامطة بادية الشام مقابل مدينة الرقة، وكان الخليفة المعتضد يتمنى قبل موته أن يبلغه الله مراده في القضاء على القرامطة.

وفي عام 316هجري الموافق 928م شن القرامطة غارات على مدينة الرقة وبادية الشام حتى بلغوا جبال سنجار، واقتحم أبو طاهر القرمطي مكة وقتل الحجاج وقلع الحجر الأسود وأخذه معه إلى هجر في البحرين وتصدى لهم بدو عنزة وأسد، أما أهل مكة فقد شاركوا المغيرين في نهب بلدهم الحرام وظل الحجر الأسود عندهم حتى عام 329هجري الموافق 950م ثم ردوه الى مكة بعد غربة دامت اثنتين وعشرين سنة، وتحت تأثير الحمدانيين سالم القرامطة الخليفة العباسي وخطبوا له على المنابر وتحوّل عداؤهم للفاطميين وبنى سعد الدولة في الرقة مشهد الجنائز وكان معه النقيب أبو أحمد الموسوي والد الشريف الرضي وتحول معظم الناس للمذهبين العلوي والإسماعيلي وكثر القصاص الذين أحيوا أيام العزاء في عاشوراء محرم.

وأسلم معظم الصابئة الحرانية حتى قال ابن حزم الظاهري الأندلسي المتوفى عام 451هجري الموافق 1060 م (والذي اعتمد الدواعش مذهبه الظاهري في هذه الأيام ) – أنه لم يبقَ في زمانه منهم في الأرض أربعين نفساً.

وفي هذه الفترة أساء موظفو سيف الدولة للناس وأثقلوهم بالضرائب ويقال أنه كان يجبى خراج بلدة ليعطيها إلى شاعر يمدحه حتى ساءت أحوال الرعيّة قال أمين الريحاني (وهذا سيف الدولة كان جائراً كل الجور على رعيّته)، وعندما مات اشتد بكاء الناس عليه ومنه كما يقول الازدي وكان يخرب قرية ليجيز شاعراً يمدحه بقصيدة، وعندما قتل قاضيه أبو الهيثم عبدالرحمن بن أبي الحصين بن علي الرقي في إحدى المعارك داسه سيف الدولة بحصانه قائلا: (لا رضى الله عنك فأنت كنت تفتح أبواب الظلم).

ثم نقله إلى الرقة ودفن في ظاهر مشهد الرافقة –مشهد الإمام علي –لأن القاضي كان علوي المذهب.

وفي هذه الفترة عاش الشاعر الصنوبري معظم حياته في الرقة وهو الراوي لقصة سعد الوراق الرهاوي وأظنها من تأليفه.

انقرضت دولة بني حمدان عام 398هجري الموافق 1018 م، ومن بعدهم خضعت الرقة للفاطميين حتى سنة 406 هجري الموافق 1018م.

واستمرت الحياة الاجتماعية راكدة فالأعراب من حولها يتجولون دون استقرار وسكان المدينة يرزحون تحت عبء الضرائب وفي عام 439هجري الموافق 1048 م أصاب الرقة والجزيرة وباء شديد بسبب جيف الدواب التي ماتت بالطاعون ومات من الرقة وتلك الديار خلق كثير حتى خلت الأسواق من الناس وقد ورد إلى الرقة كتاب من الموصل بأنه لا يصلي الجمعة من أهلها إلا نحو أربعمئة نفساً.

الرقة في العهدين السلجوقي والأيوبي:

———————————

صارت الصولة لقيس العدنانية، واشتدت شوكة الأعراب فتولى حكم الرقة شبيب بن وثاب بن سابق النميري ثم تولاها قريش العقيلي ملكها سنة 463 الموافق 1017م وسار إلى الرقة السلطان ملكشاه السلجوقي واستولى على قلعة جعبر سنة 473هجري الموافق 1081م، وكان به ميل للباطنية وتولى حكم الرقة نجم الدولة ولكن بني نمير نفروا عليه وقتلوه فملك الرقة منصور بن جوشن الرقّي ولكن بني قشير سيطروا على قلعة جعبر وتملكها جعبر بن سابق بن مالك القشيري فسميت القلعة باسمه لليوم.

وحصّن القلعة وصار بنو قشير يقطعون الطريق فجاءهم السلطان ملكشاه سنة 479هجري الموافق 1187م فألقى بسابق بن جعبر من أعلى أبراج القلعة، فتكسر ثم أمر بقتله وألقت (امرأته العليا) بنفسها خلفه وحملتها الريح إلى الأرض بسلام ونجت من الموت فتعجّب السلطان وسألها عن سبب إلقائها بنفسها ؟ فقالت كرهت أن يصل إلي التركي فيبقى ذلك عاراً علي، فسرّ السلطان من جوابها وأوصلها إلى أهلها في البادية بين الرقة ودمشق إلى ذويها من بني خفاجة وهم الذين كانوا يخفرون الطريق بين دمشق وقلعة جعبر في سنة 479هجري الموافق 1978م، وفي سنة 485 هجري الموافق 1094م اعترضت بنو خفاجة قافلة الحج فقاتلهم صدقة بن مزيد بن منصور بن ديبس وردّهم عن مشهد الحسين بالحائر الأسدي في بالس. استناب السلطان ملكشاه على الرقة وحران وسروج (آق سنقر) التركي وهو جد نورالدين الزنكي وعلى قلعة جعبر محمد بن شرف الدولة بن مسلم بن قريش بن بدران العقيلي. وفي سنة 492هجري الموافق 1099م، حدثَ حدثٌ واحتلوا الرّها وانطاكية وطرابلس الشام، وداهم الخطر مدينة الرقة، ففي سنة 496هجري الموافق 1103 م جرت معركة بين الفرنجة والمسلمين، وكان بينهم عرب قيس نمير وقشير وعقيل وعرب خفاجة وبنو كلب على البليخ شمال الرقة ودحر الغزاة الإفرنج الذين عادوا خائبين إلى الرّها. تغيّرت الأحوال عندما ملك الرقة عماد الدين زنكي واستعاد الرّها المدينة المقدّسة لدى الإفرنج وكان لسقوطها وقع هائل عليهم والذين رموا باللوم على السريان والأرمن الذين ناصروا المسلمين خفية، ودس الفرنجة على عماد الدين من يقتله وهو في قلعة جعبر فقتله خادمه (برنقش ) سنة 451هجري الموافق 1147م وجاء ولده نورالدين الشهيد ودفنه في مشهد الإمام علي بن أبي طالب عند أسوار الرافقة في محل باب بغداد اليوم وأعاد ترميم مسجد الرافقة الذي بناه الخليفة  المنصور.

وفي سنة 610هجري أقطعت الرقة لصاروخان الخوارزمي فبدأ التدهور يحل في الرقة والفساد، ثم هاجمها المغول سنة 656هجري ولم يبقَ في الرقة بشر، فقال عنها أبو الفداء: الرقة لا جليس بها ولا أنيس.

_________________________________

المصادر:

1- الرقة، وآثارها بحث، محمد عزو.

2- عشائر الرقة والجزيرة، محمد عبدالحميد الحمد.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password