رصافة هشام ( سرجيوبوليس )

 

       ياسر شوحان

عُيونُ المَها بَينَ الرُصافَةِ والجِسرِ

جَلَبنَ الهَوى مِن حَيثُ أَدري وَلا أَدري

أَعَدنَ لِيَ الشَوقَ القَديمَ وَلَم أَكُن

سَلَوتُ وَلَكِن زِدنَ جَمراً عَلى جَمرِ

الموقع والاكتشاف:

تقع الرصافة على بعد 30 كم إلى الشمال من مدينة الرقة، وتبلغ مساحتها 21 هيكتاراً وذلك داخل أسوارها، أما إذا نظرنا إليها من خلال صورة جوية فمساحتها خارج الأسوار تزيد عن 800 هيكتاراً، وتنتشر حولها بقايا الأبنية القديمة العائدة لفترات تاريخية متعددة، حيث يحيط بالموقع أكثر من ثلاثمئة موقعاً أثرياً منها القبور والمقالع الحجرية وبعض البيوت المتفرقة.

في تشرين الأول من عام 1691م؛ سافر مجموعة من التجار الإنكليز من حلب إلى تدمر، وفي الطريق بين الفرات وتدمر عثرت هذه المجموعة على أطلال مدينة كبيرة، فقام أحدهم واسمه ( م.و. هاليفاكس ) بإعداد تقرير لإحدى المجلات الإنكليزية يذكر فيها اسم الرصافة، ورغم انقضاء فترة طويلة أخرى من الزمن دون أن يُكتب عنها فقد أثار الموضوع من جديد ( ف. شابو ) في عام 1903.

تاريخ التنقيب في الموقع:

في الواقع لم يصلنا الكثير من المصادر حول الرصافة وتاريخها قبل القرن العشرين، إلا أن مصادر التنقيب اعتمدت وبشكل أساسي على كتابي سارره وهرتسفيلد اللذين زارا المنطقة في عام 1907، وفي عام 1918 التقط هـ . شبانر مجموعة من الصور لها، ثم كتب عنها س. غوير عن تاريخ الفن متطرقاً للجانب الفني من الموقع إضافة لمشاهدات المستشرق الرحالة ألوا موزيل الذي كتب باستفاضة عن تاريخ المدينة. إلا أن وعلى الرغم من هذا فلا بد من الإشارة إلى أن أفضل من كتب عن الرصافة يعود إلى عدد من الجغرافيين العرب في القرون الوسطى مثل الطبري وياقوت الحموي والبلاذري وغيرهم، ومع ذلك فإن معلومات هؤلاء الجغرافيين تُشير إلى رصافة هشام والتي لم ينتبه إليها المستشرقين الأجانب، إذ لم يكونوا على علم بأن رصافة هشام هي نفسها سرجيوبوليس وإلا لكان البحث عنها قبل القرن الخامس عشر الميلادي.

قام مشروع حفريات الرصافة ووضع من قبل عالم الآثار الألماني شنايدر، وإليه يرجع الفضل في الكشف ووضع برنامج التنقيب فيها وذلك عام 1952، إلا أنه توفي قبل المباشرة بأعمال الحفريات، وفي خريف العام نفسه 1952 قدمت رابطة المباحث الألمانية دعمها للمباشرة بأعمال الحفريات، حيث قام يوهانس كولويتس بإجراء بعض التنقيبات والأسبار المتفرقة فيها. ثم استمرت الأعمال في عام 1954، تلتها أعمال حفريات أخرى في عام 1956.

أهمية الموقع:

ترجع أهمية الرصافة إلى موقعها الهام على طريق قديم جداً للقوافل التجارية، وتسير هذه الطريق بشكل موازٍ لنهر الفرات ثم تفترق عنه عند قرية سورا لتمر عبر بادية الشام ثم تدمر ودمشق وتصل إلى البحر الأبيض المتوسط. وتعود أقدم دلائل السكن في الرصافة إلى القرن التاسع قبل الميلاد، وخلال الفترة الرومانية تم توسعة الطريق والعمل على بناء مجموعة من الحصون لتأمين حراسة الموقع وبالتالي فقد أصبحت الرصافة واحدة من أهم الحصون في منطقة الحدود العربية.

رصافة هشام ( سرجيوبوليس ):

يعود تاريخ المبنى إلى القرن السادس قبل الميلاد، فقد عُثر على لوحة حجرية تُشير إلى أن المطران إبراهام قد أعاد تجديد المبنى سنة 559 ميلادية. وقد عُرفت في العهدين الروماني والبيزنطي باسم سرجيوبوليس نسبة إلى القديس سيرجيو والمعتقد أنه مدفون في كنيستها.

بُنيت الرصافة بدايةً كقلعة بسيطة أقامت فيها وحدة الفرسان المحليين، وبعد أن أُقيمت بازيليكا فوق قبر سيرجيو الذي قتله الرومان سنة 305 ميلادية أصبحت محجاً للمؤمنين للزيارة والتبرك، وفي العصر الأموي قام الخليفة هشام بن عبد الملك ببناء المدينة الإسلامية بطول 2 كم وعرض 2 كم إلى الجنوب من أسوار المدينة حيث قام ببناء قصرين فيها، وبعد أن توفي دفن فيها أيضاً. ثم تعرضت للخراب بعد هجمات المغول عليها ولم يبق منها إلا آثار قليلة في القرن الثالث عشر الميلادي.

تتألف الرصافة من طابقين يحيط بها خندق تم ردمه فيما بعد، وفي الطابق العلوي ممر يسمح للجنود بالحركة والتنقل على الأسوار التي يبلغ طولها 2 كم وبعرض 3 م، وقد بُنيت من الحجر الكلسي ويحيط بها / 50 برجاً / مستطيلاً يتألف من طابقين أو ثلاثة بينما بُنيت أبراج الزوايا بشكل دائري. وللمدينة أربعة أبواب رئيسة، بوابتان كبيرتان على السورين الشمالي والجنوبي وبوابتين صغيرتين على السور الشرقي والغربي.

تزين البوابة الرئيسة أعمدة تليها أروقة المشاة والمنازل السكنية والمخازن التجارية ورُصفت الأرضية بالحجارة الجصية والرخام الزهري الذي غطى الجدران مع صفين من الأعمدة الرخامية من المرمر تعلوها التيجان الكورنثية.

ومما يشير إلى التعايش الديني في الموقع وجود جامع بالقرب من الجدار الشمالي قد يكون أُخذ من مساحة صحن الكنيسة، ولكن الأجمل هو وجود محرابين في جدار الكنيسة مما يدل على أن المكان استُخدم للمسلمين والمسيحيين على حد سواء.

الرصافة في الأسر:

تعرضت الرصافة خلال الأعوام السابقة إلى الكثير من أعمال الهدم والتخريب نتيجة شيوع الفوضى، إلا أنه من أقسى ما تعرضت له هو هدم جزء من السور الأثري في الجهة الغربية من أجل مرور الآليات وذلك في عامي 2014 و2015 بالإضافة إلى أعمال التنقيب السرية وأعمال تكسير وتخريب لمستودعات البعثة الأثرية وسرقة معدات التنقيب والترميم فيها، وعلى الرغم من محاولات المجتمع المحلي بحمايتها والحد من الأضرار إلا أن التخريب فيها والسطو عليها كان أكبر من محاولات الحماية.

وفي النهاية فلا بد من عودة آثار الرصافة للشروق من جديد لتعود خلال السنوات القادمة تحكي أمجادها مع عودة الآثاريين إليها وإصلاح ما تم تخريبه ولتعود أيضاً مؤكدة أنه لا بد وأن سلطة الشر إلى زوال معلنة بذلك نهاية لعصر الظلام مع بدايات شمس جديدة.

      _________________________________________

المراجع:

1 ـ كولويتس، يوهانس: الحفريات الأثرية في الرصافة خريف سنة 1954 و سنة 1956 ـ مجلة الحوليات الأثرية السورية ـ المجلد 8 ، 9 ـ 1958 و 1959.

2 ـ أوتو دورن، كاترينا: تقرير عن الحفريات في الرصافة الإسلامية ـ ترجمة: د. كامل عيّاد ـ مجلة الحوليات الأثرية السورية ـ المجلد 4 ، 5 ـ 1954 و 1955.

3 ـ موللر، و.وينر: وصف نتائج الحفريات في الرضافة ـ مجلة الحوليات الأثرية السورية ـ المجلد 4 ، 5 ـ 1954 و 1955.

4 ـ أولبرت، تيلو: الرصافة سرجيوبوليس ـ ترجمة: جودة شحادة ـ مجلة الحوليات الأثرية السورية ـ المجلد 33 ـ 1983.

5 ـ دراسات المديرية العامة للآثار والمتاحف حول موقع الرصافة.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password