تل خويرة ( خوربا ) … دمشق الشمال السوري.

 

تل خويرة ( خوربا ) … دمشق الشمال السوري

ياسر شوحان

يا ناس ذاك البيت لا تهدمونه

خلوه يبقى للمحبين تذكار

خلوه حب سنين خلفه ودونه

في داخله قصة مواليف وأسرار

من يعشق الأطلال دمعه يخونه

لو صارت أقدامه على سكة الدار

 

تل خويرة .. الموقع والأهمية:

يقع تل خويرة الأثري في أرض سهلية من الجزيرة العليا في منطقة نهر البليخ على بعد 4 كم جنوب طريق سلوك ـ رأس العين (كوباني)؛ و60 كم من تل أبيض وعلى بعد حوالي 10 كم إلى الجنوب من الحدود السورية التركية.

يأخذ التل الشكل الدائري بقطر حوالي 1 كم ويُعد ذو أهمية كبيرة بالنسبة لمنطقة الجزيرة العليا، إذ أن تنظيم المدينة يعود إلى بدايات تنظيم المدن وتخطيطها، كما أنها مدينة مثالية في توزيع المباني والشوارع والتي قال عنها شنايدر: أنها تتشابه في تنظيمها بمدينة دمشق، كما أن للمدينة سور مزدوج يفصل فيما بينهما فصيل ( ممر بين سورين )، هذا السور الدائري يبعد عن مركز الموقع الأثري حوالي 100 متر، ومما زاد في أهميتها أيضاً هو توزع أكثر من / 1500 / منزل في مساحة تُقدر بـ / 220 / ألف م2، هذه الكثافة في المباني ونمط التوزيع جعل شنايدر يؤكد تشابهها مع العاصمة السورية دمشق.

تاريخ التنقيب في الموقع:

في الخمسينيات من القرن العشرين استطاعت مؤسسة البارون (ماكس فون أوبنهايم) أن تبدأ بحملات تنقيبة متتالية، حيث بُدء بالتنقيب في الموقع الأثري بإدارة أنطون مورتغات وعالم الآثار شنايدر والدكتور وورنر كاسكل، ثم مالبثت أن قدمت الجمعية الألمانية للبحوث مساهمات جليلة للبداية في أعمال الكشف الأثري. إلا أن الفضل الأكبر يعود للبروفيسور أنطون مورتغات وزوجته أرسولا، حيث عمل مورتغات منذ عام 1958 ثم أكملت التنقيبات زوجته بعد وفاته حتى عام 1986 ثم آلت رئاسة البعثة لمدراء آخرين.

الطبقات الأثرية للموقع:

يتألف تل خويرة من فترتين، الفترة الأولى وهي الأقدم وتبدأ من 3000 قبل الميلاد، وتنتهي عام 2250 قبل الميلاد، أي أنها تبدأ من فترة ما يسمى عصر نشوء الممالك وحتى العصر الأكادي تقريباً. أما الفترة الثانية وهي الأحدث فهي تعود للفترة الميتانية وحتى العصر الآشوري الوسيط، أي أنها استمرت حوالي 500 عام منذ نهاية الألف الثالث قبل الميلاد وحتى منتصف الألف الثاني قبل الميلاد مروراً بفترة ميسيليم والتي تعود بتاريخها إلى عام 2700 قبل الميلاد.

الآثار المكتشفة في تل خويرة:

إن أعمال التنقيب الأثري في هذا الموقع وخلال سنوات العمل الطويلة التي استمرت لأكثر من خمسين عاماً قد أسفرت عن الكثير من البنى المعمارية الملفتة للنظر لا سيما وأن هذه المباني قد شكلت نمطاً فريداً في التخطيط العمراني في تلك الفترة، وإذ أنه ليس بالإمكان حصر جميع الآثار المكتشفة في ذلك الموقع في هذا المقال فلا بد وأن نركز الحديث عن أهمها. فقد دلت الحريات الأثرية على أهمية وجود ما يلي:

أ ـ المنازل السكنية:

لقد بنيت جميع البيوت السكنية المكتشفة وفق مخطط معماري صارم على جوانب الشارع المتجه من الشمال إلى الجنوب، وتضم هذه البيوت كافةً باحةً داخلية تصل الشارع الرئيسي بغرفة أو بمدخل، كما نجد بقرب مداخل البيوت أبنية أخرى ملحقة بها كالمصارف والمذابح. حيث يتم الدخول للمنزل عبر غرفة جانبية تصل الباحة بالغرف الأخرى، وتفصل المنازل عن بعضها جدران طينية، أما المياه فكانت تُؤمن للمنزل بواسطة مجارٍ فخارية تصل بين باحاته والشارع، ويؤكد مورتغات بأن هذا التنظيم كان سارياً على معظم البيوت السائدة في تلك الفترة والعائدة إلى منتصف الألف الثالث قبل الميلاد.

أما القصور فقد عُثر في الموقع على قصر يعود للفترة الآشورية الوسطى، يتميز هذا القصر بجدرانه العريضة المشيدة باللبن المشوي ذات الشكل المربع فوق أساسات من الحجر الصخري، ويبدو أن جدرانه قد طُليت بمادة الجص بعناية فائقة. أرضيات هذا المبنى منخفضة في الشمال والشرق أكثر من أرضيات الأقسام الداخلية، كما يشير على أنه بُني بشكل متدرج أو أنه شُيد فوق أبنية أقدم عهداً. ولحسن الحظ فإن الحرائق التي أتت على هذا القصر قد حفظت جدرانه بشكل كبير، ترتفع جدران هذا القصر حوالي ثلاثة أمتار فوق أرضيات الغرف، كما حوى القصر ممرات ضيقة تفصل واجهة البناء الشمالية الكبيرة عن نواة البناء الرئيسة بما طوله / 50 / م. وقد عُثر في هذا القصر على العديد من الرسائل والنصوص الإدارية المختلفة بالإضافة إلى نص أثري يدل على اسم المدينة القديمة (خوربا أو خُربا).

ب ـ المعابد:

إن أهم ما عُثر عليه في هذا الموقع هو المعبد 3 والذي يقع عند نهاية الوادي الكبير الذي يقسم التل الأثري، يُعد هذا المعبد من أكبر المباني في الموقع ويتميز بطرازه وأسلوب بنائه الفريد، وفي البداية كان من الصعب على الآثاريين تحديد هويته لكنه اتضح فيما بعد أنه معبد بُني بدقة متناهية، فهو بناء يشغل مساحة 224 م2 بأبعاد مستطيلة الشكل 16 × 14 م وهو مبني بالحجارة الكلسية الكبيرة، بينما بلغت سماكة جدرانه الداخلية / 1 / م، وقد قُسم هذا المعبد إلى العديد من الحجرات الداخلية وربما تكون مرتكزاً لمصطبة، وإذا كان كذلك فلا بد وأنه مماثل للعديد من المعابد الرافدية التي تأخذ شكل الزقورة، وقد يدل على ذلك اتصال المعبد بدرج خارجي ضخم من الشرق وهو يتألف من / 14 / درجة عرض كل واحدة منها / 12 / م بارتفاع / 27 / سم، وهو محاط بجدارين من الشمال والجنوب من الحجارة غير المنحوتة مبنية على أساسات من الأحجار الصغيرة في الأسفل ومن اللبن في الجزء العلوي منه.

بالإضافة إلى معبد أكبر مساحة ذو فسحة أمامية تتقدمه وتتوسطه وتحيط به حجرات صغيرة وفناء رُصف جزء منه بالحجارة كانت تحرق عليها القرابين مع مكان لتجميع المياه المنتظمة في الزاوية الجنوبية منه لتصب في بئر خاص به، يبلغ عدد الحجرات في هذا المعبد / 40 / حجرة كانت تشغل سكن سدنة المعبد وتحوي بعضها المقاعد والمصاطب، كما ضمت حجرات للحرفيين مع حجرات لما يلزمهم من إشغال هذا المكان من حفظ للماء أو استعمال للنار.

ج ـ اللقى الأثرية:

إن حصر عدد اللقى الأثرية في هذا الموقع صعب للغاية؛ حتى وإن أُخذ بعين الاعتبار الكسر الفخارية غير القابلة للتعداد، ولكن من الطبيعي أن نقول أن هذا الموقع كنز حضاري قل مثيله، فعلى سبيل المثال خلال أعمال التنقيب في عام 1976 رصدت أورسولا مورتغات / 200 / إبريق فخاري مع أغطيتها أو بدونها، وأكثر من / 140 / ختماً، وعشرات الآلالف من الكسر الفخارية ذات الأهمية الأساسية في التوثيق، إلا أن ما يُعادل جميع هذا العدد أهمية هو العثور على كسرة فخارية كُتبت عليها الأحرف السامية والتي قد تكون التوثيق الأقدم للحرف الآرامي ، بالإضافة للكؤوس والتماثيل المجوّفة وأوانٍ تحمل صوراً مختلفة منها لحيوانات (ماعز)، وعقارب وبنات وراعي يحمي حيواناً ضعيفاً من انقضاض أسد عليه، وختماً ذو مشهد جميل يحوي ثلاثة حيوانات عجل وأسد وحيوان خرافي مركب يشبه التنين يتألف من حية وأسد، بالإضافة للمحار والخرز وفقرات عظمية لسمكة يتجاوز طولها / 130 / سم.

خوربا بين السطو والقصف:

لقد تعرض تل الخويرة كسائر التلال الأثرية للسطو عليه وسرقة الكثير من آثاره منذ بدايات الحرب في سورية وخصوصاً بعد سيطرة تنظيم داعش عليه، ومن المحتمل أن منزل البعثة قد استُخدم خلال تلك الفترة من قبل ذلك التنظيم، حيث قامت قوات التحالف الدولي بقصف منزل البعثة الأثرية، لكن وبعد أن تم تحرير المنطقة ساهم المجتمع المحلي وهيئة الآثار والسياحة في مقاطعة الجزيرة في عملية الحفاظ على الآثار، إذ قامت بنقل اللقى الأثرية الناتجة عن الحفريات والتي كانت متواجدة في منزل البعثة إلى أماكن آمنة في القامشلي وأعلمت المديرية العامة للآثار والمتاحف بهذا الإجراء، وقد ثمّنت الآثار والمتاحف هذا العمل الجبار في المساهمة بالحفاظ على التراث الثقافي في المنطقة.

________________________________

المراجع

1 ـ مورتغات، أنطون: تل خويرة تقرير مبدئي عن حفريات مؤسسة (فون أوبنهايم) ترجمة الدكتور: كامل عيّاد ـ مجلة الحوليات الأثرية السورية ـ المجلد العاشر ـ 1960.

2 ـ مورتغات، أنطون: تل خويرة في شمال سورية ـ ترجمة الدكتور: علي أبو عساف ـ مجلة الحوليات الأثرية السورية ـ المجلد السادس عشر ـ 1966.

3 ـ مورتغات، أرسولا: التنقيب في منطقة البيوت السكنية في تل خويرة ـ  ترجمة الدكتور: جودة شحادة ـ مجلة الحوليات الأثرية السورية ـ المجلد الثالث والثلاثون ـ الجزء الثاني ـ 1983.

4 ـ دراسات المديرية العامة للآثار والمتاحف ـ دائرة آثار الرقة.

5 ـ العزو، محمد: حضارة الفرات الأوسط والبليخ ـ دار الينابيع ـ دمشق ـ 2009.

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password