الكنعانيون ….

 

جاسم العبيد

تسمية الكنعانيين نسبة إلى الأرض المنخفضة كما أوردها فيليب حتي في كتابه تاريخ سورية ولبنان وفلسطين وتعني بلاد الأرجوان من الأصل الحوري. ففي العصر الذي احتك الحوريون احتكاكاً وثيقاً بساحل البحر المتوسط في القرن السابع عشر أو الثامن عشر ق.م كانت صناعة الأرجوان على الغالب الصناعة السائدة في البلاد.

كذلك يشير اسم فينيقيا المشتق من اليونانية إلى الصناعة نفسها وبعد أن أطلق اليونانيون هذا الاسم على الكنعانيين الذين تاجروا معهم فإن كلمة فينيقي أصبحت حوالي 1200 قبل الميلاد مرادفة لكنعاني.

يقول لودز في كتابه إسرائيل: (لا شك ـ أن الكنعانيين هم أقدم الأقوام التي استقرت في أرض فلسطين؛ وإليهم يعود تأسيس حضارة فلسطين القديمة).

والأرجح أن لغتهم كانت في الأصل اللغة التي اعتبرت أقرب لغة إلى أم اللغات السامية، وترجع الحضارة الكنعانية إلى عصور موغلة في القدم فمنذ العصر الحجري الحديث أو العصر النيوليتي؛ بدأت الحضارة تنمو وتتقدم في مجال التمدن فكان الكنعانيون أول من اكتشف النحاس الطري، ثم اهتدوا إلى الجمع بين النحاس والقصدير في إنتاج البرونز، وبذلك كانوا السباقين في استخدام صناعة التعدين؛ مما أعطى الشعوب البدائية أدوات وأسلحة فتاكة وبدأت تستخدم الحديد منذ أواخر الألف الثانية قبل الميلاد، وقد ثبت وجود هذا المعدن في لبنان والأردن ويتجلى لنا مدى تقدم صناعة المعادن في بلاد كنعان أوضح ما يكون في وصف الغنائم التي أخذها تحوتموس الثالث من المدن الكنعانية.

لم يؤسس الكنعانيون دولة موحدة قوية بل كانوا ينتظمون في جماعات صغيرة على رأس كل منها ملك وكل جماعة تتجمع حول مدينة محصنة بأسوار ذات شرفات وأبراج للدفاع ويمكن لسكان الريف المجاورين أن يلتجئوا إليها وقت الخطر وأن يقصدوها وقت السلم لتكون سوقاً ومركزاً اجتماعياً. غير أن حالة الحرب التي كانت تقوم بين هذه الممالك ونقص الاستقرار الداخلي في كل منها بسبب نزاع الطامعين بالسيادة المحلية هذه العوامل جعلت البلاد تحت رحمة الدول المجاورة الطامعة.

انتشرت المدن الكنعانية الأولى على طول الساحل من أقصى شماله حتى الكرمل في الجنوب؛ غير أن جبال الأمانوس في الشمال ومرتفعات فلسطين في الجنوب لم تشكل ترساً كافياً لصد الهجمات عليها من الشرق كما فعلت جبال لبنان المرتفعة لذلك، فإن المدن العظيمة التي قدر لها البقاء تجمعت وازدهرت في سفح جبال لبنان وهي طرابلس والبترون وجبيل وبيروت وصيدون وصور وغزة في فلسطين وعسقلات وعكو على الساحل، ومن مدن الداخل جزر ولاكش ومجدّو وحازور وشكيم وبيت شان ويبوس وأريحا وكانت هذه المدن الصغيرة في مساحتها محصنة وكانت حازور وجزر أكبرها تلك حصون الكنعانيين القوية.

أما المنازل الكنعانية في القرن الخامس عشر قبل الميلاد فهي غير منتظمة في تخطيطها فمنازل الفقراء صغيرة الحجم ومتقاربة من بعضها البعض. أما منازل الأغنياء فقد كان لها باحة (حوش) في وسطها وحولها الغرف وكانت بعض البيوت مزودة بصهريج وعنبر للقمح.

أما المدن البحرية في الجزر فمنها ما يتمتع بخط دفاعي مزدوج مثل أرواد وصيدا وصور، وكان أهلوها يتجمعون في جزيرتهم الصخرية عند الحاجة والخطر، وقد ظهرت براعتهم في ضمان التزود بالماء فقد كانوا يختزنون ماء المطر الآتية من سطوح المنازل في صهاريج وربما حصلوا على ينبوع ماء عذب من باطن البحر.

أما أكبر الجزر التي استوطنها الكنعانيون فهي جزيرة قبرص التي تبلغ مساحتها 9251كم مربع، والتي يتنسب إليها الفيلسوف السوري زينون مؤسس المدرسة الرواقية في الفلسفة الأثينية وقبرص تقع على مقربة من اللاذقية بحوالي 70ميلاً.

كانت أحسن وسيلة للتغلب على عزلة ممالك المدن السياسية أن تحصل إحدى المدن على الزعامة أو تصبح لها سيادة عن باقي المدن. وقد حصلت على هذه الزعامة أوغاريت في أواخر القرن السادس قبل الميلاد وجبيل في القرن السادس عشر قبل الميلاد وصيدا فيما بين القرنين الثاني عشر والحادي عشر قبل الميلاد وصور وطرابلس في القرن الخامس ق.م وتحت الخطر المداهم أكد ذلك الحلف الذي كسره المصري تحوتموس الثالث في مجدّو عام 479 ق.م غير أن السلطة الموجهة في ذلك الحلف كانت قادش الواقعة على العاصي قرب حمص وتظهر رسائل تل العمارنة بعد ذلك بقرن ليس فقدان العمل المشترك فحسب وإنما محاولة بعض الملوك الفينيقيين أيضا للحصول على فوائد من سيدهم فرعون بصورة شخصية وإفرادية.

لقد برهن الكنعانيون عبر تاريخهم الطويل أنهم كانوا محبين للسلام ولا يميلون إلى الأعمال الحربية بل يوجهون جل اهتمامهم إلى نواحي التجارة بشكل خاص.

ولعل الكنعانييين في تفرقهم وتنافسهم السياسي يقدمون خير عبرة تقف من خلالها الأجيال على مضار التفكك السياسي والانقياد وراء النزعة الفردية، فقد كانت مدنهم عادة تحني رؤوسها أمام حوادث الفتوح الكثيرة.

عمل الكنعانيون بصيد الأسماك والزراعة والتجارة وانعكس الاهتمام بالزراعة على طقوسهم الدينية وأثّر فيها تأثيراً عميقاً.

كان البذار يتم باليد أول الأمر ثم تطور بعد استخدام المحراث البابلي،

وقد وجد الكثير من الآثار وبقايا الأعمال الزراعية الكنعانية التي تعود إلى ما بين عام 1500-1300 ق.م في تل مرسيم واكتشف فأس من البرونز في رأس شمرا وفي حوالي 1000 ق.م  واستخدم المنجل الحديدي في الحصاد بدلاً من المنجل الصواني المسنن، وإلى التاريخ نفسه تقريباً تعود آلة حديدية: وهي طرف محراث اكتشف في فلسطين الوسطى -في جبعة وتسمى اليوم تل الغول.

أما دراسة المحصول فقد كانت تتم بزلاجة خشبية في أسفلها حجارة، وكانت تذرى الحبوب بمذراة خشبية كبيرة والطحين يطحن في مطاحن يدوية من الحجر، وأما الخبز فكان يخبز في أفرن اسطوانية من الطين المشوي ولم تختلف الصورة العامة اختلافاً كبيراً عن العادات الريفية حتى أمد قريب جداً كما أن المحاصيل نفسها لم تختلف كثيراً عن محاصيل هذه الأيام، وكانت هناك طبقة من الفلاحين أو المستأجرين تسمى – خابشي – تقابل طبقة – المشكينو- في بابل وفي الريف الجبلي عمد السكان إلى تحويل منحدرات الجبال إلى سطوح متفاوتة أو مدرجات وكانت متلائمة مع الحدائق والكروم منها للزراعة الحقلية الواسعة.

وأقدم إشارة تاريخية إلى هذه المدرجات التي تتصف بها مشاهد الجبال الساحلية حتى اليوم وردت في كتابة أثرية تعود إلى عهد حملة تحوتموس الثالث على سورية.

نشطت التجارة والحرف الأخرى، ومنها صيد السمك لدى الكنعانيين لكن الصناعة كانت ضعيفة اقتصرت على صناعة الخزف وهي من أقدم الصناعات السورية، وكان التأثير البابلي فيها واضحاً منذ عام 2000ق.م، واستعمال دولاب الخزف منذ أوائل الألف الثاني أعطى المصنوعات الخزفية صفات جديدة ومتناسقة وأخذت الأشكال الأمورية بالزوال، واستخدمت الأواني القبرصية كنماذج كما دلت مكتشفات أوغاريت وغيرها من الأماكن.

تفوق الكنعانيون في صنع المعادن في عصر البرونز المتوسط والأخير عام 1200ق.م. وقد أظهر التحليل الكيماوي لنصل فأس من أوائل القرن الرابع عشر ق.م اكتشف في رأس شمرا، ومعرفة الكنعانيين ليس فقط إذابة الحديد فحسب بل ومعرفة نسب مزجه بمعادن أخرى لصنع الفولاذ، وقد اهتموا بالمعرفة والبحث عن المعادن لجعل الحديد قاسياً وعن القصدير لأجل مزجه بالنحاس وصنع البرونز وعن الذهب والفضة لذلك قاموا برحلات طويلة خارج بلادهم، وقد وجدت صحون الفضة السورية الصنع بين غنائم الفراعنة من سورية، وبلغ فن الصياغة ذروته في القرن السادس عشر واكتشف ميزان أحد الصاغة مع أوزانه في رأس شمرا.

يقول القائد الآشوري  سنحاريب عندما كان في الساحل السوري عام 705-681ق.م (لقد عملت قالباً من الطين وصببت فيه البرونز كما في صنع قطع لنصف الشاقل وقد وجدت السكاكين ورؤوس الحراب والفؤوس الحربية والمخارز والملاقط في أريحا) وبعد 1500 ق.م.

تظهر في فلسطين أشكال حثية وقبرصية من الأسلحة، واكتشفت أساور وخلاخيل وأقراط وخواتم ومشابك للصدر من البرونز والذهب والفضة في مختلف المواقع واستخرجت صنوج صغيرة من القرن الرابع عشر من تل أبو هوام قرب حيفا.

يقول الدكتور ولنفسون: في كتابه –تاريخ اللغات السامية – والكنعانيون هم الذين اخترعوا السفينة واهتدوا إلى عمل الزجاج ووضعوا نظام الحساب وهم الذين اخترعوا أبجدية الكتابة المختزلة بالنسبة للخط المسماري والهيروغليفي، فلا غرو أن أصبح الخط الكنعاني أساساً لجميع خطوط العالم المتمدن في الشرق والغرب.

وتظهر الآثار وجود آلات موسيقية كالقيثارة والناي والمزمار والعود والدف ولكن هذه لم تبق لسرعة تلفها. وتشيد أشعار هوميروس بصناعة المعدن وبالفنون الفينيقية وقد ذكرت أن صحناً من الفضة – عمله بدهاء الصيدونيون الحاذقون في الصناعات اليدوية الدقيقة هو في جماله أحسن شيء من نوعه في العالم كله!

صناعة العاج- كانت زينة عامة الناس تضم العقود والخواتم من البللور الصخري والعقيق وقد وجدت نماذج منها ولم تكتشف إلا خرزات وتمائم قليلة من العاج وتعود أقدم قطع العاج الفينيقية الى القرن الرابع عشر ق.م وقد وجدت تحف مجدّو العاجية في قصر من أوائل القرن الثاني عشر ق.م وقد تكون من عصر أكثر قدماً، وهي من روائع العاجيات الفينيقية وكانت صناعة الزجاج من الصناعات الأخرى التي تفوق بها الكنعانيون، ووجدت قطعة عاج في المينا البيضاء مرفا رأس شمرا وهي تمثل الآلهة الأم؛ كما كانت صناعة الغزل والنسيج من الصناعات الاعتيادية ومكانها المنزل وقد وجدت آثار أنوال ترجع إلى الألف الثالث ق.م ولاشك أن الصوف كان  أقدم المنسوجات، وتذكر وثائق نوزي من حوالي 1500 ق.م الصوف الكنعاني والقطن الذي أدخله سنحاريب القائد الآشوري إلى منطقتهم، وقد أدخل الفينيقيون القطن إلى العالم اليوناني في أوائل العصر الهيلنستي، وكانوا ينتجون الكتان كما يبدو في سورية الجنوبية أي فلسطين في القرن العاشر إذ تذكر روزنامة أو تقويم الجزر التي ترجع إلى ذلك التاريخ شهر اقتلاع نبات الكتان ويعتقد أن الحرير  كان معروفاً في صور في القرن السادس ق.م واكتشفت الأبر والدبابيس في فلسطين.

وترينا الأشكال في الرسوم الجدارية الموجودة في قبور مصر من أوائل عصر الهيكسوس جماعة من الكنعانييين يلبسون الأثواب الطويلة المصنوعة من القماش المصبوغ ومزدانة بالشريط وأحياناً مطرزة بعناية.

الأرجوان والقرمز: أقدم ذكر للأرجوان ورد في نص من أوغاريت يقول أن كمية من الصوف قد وزعت على الحياك المهتمين بصنع الأرجمان، وكانت سواحل البحر المتوسط كلها تحوي بكميات مختلفة صدف الموركس الذي يستخرج منه السائل الأرجواني.

وكان أرجوان صور أشهر الأصبغة وأثمنها في العصور القديمة ووجد في جوار صور نوع ممتاز من هذا الصدف. إن الفينيقيين كانوا حريصين على الاحتفاظ بما لديهم منه فقد حصلوا عليه من أماكن بعيدة مثل ميناء سبارطة ومن جوار قرطاجة ولم يتاجروا بالصباغ نفسه وإنما بالأقمشة المصبوغة التي منها الصوف والشعر والكتان والقنب.

كان استخراج نقط السائل القليلة من الحيوان الصدفي وتقطير الصباغ يتطلبان أعمالاً واسعة وصعبة لذلك كان ثمنها مرتفعاً، فلا يشتريها إلا الأغنياء ولذلك أصبحت الثياب الأرجوانية اللون عنوان التفوق وأدت فيما بعد إلى التعبير المتعلق بالملوك مولود في الأرجوان.

وفيما سوى الأرجوان فقد صنع الفينيقيون القرمز من حشرات كانت توجد على نوع من السنديان؛ وذلك بوضعها في بعض الحوامض فتنحل وتعطي اللون القرمزي، وكانت هذه الحشرات برية في أول الأمر ثم صارت تربى من قبل الفرس ثم من قبل الأرمن فيما بعد.

كان الفينيقيون أول من ركب البحر ومن رواده في التاريخ، وبما أن الجبال الساحلية كانت تعيق النجارة الداخلية كما تعيق الزراعة الواسعة وتزود السكان بالخشب الممتاز لصنع السفن، فإن البحر المتوسط اجتذب هؤلاء المقيمين على سواحله الشرقية فاستجابوا إليه.  لقد اتبع الفينيقيون طرقاً بحرية محددة بدأوا أولاً في استكشافها ثم استخدموها واحتكروها لمدة طويلة وكانت أقدم الطرق الدولية تصل جبيل ببلوس وسائر الموانيء بمصر، ثم أصبحت الطرق الرئيسة تبدأ من صيدا وصور إلى قبرص ثم إلى جنوبي رودس فكريت وجزيرة كورسيكا حتى صقلية ومنها إلى مستعمراتهم في شمالي أفريقيا وأخيراً غرباً على الساحل حتى مستعمراتهم في إسبانيا. سعى الفينيقيون لترقية التجارة بطريق البحر على نطاق دولي فأخذو، يدرسون الملاحة درساً أصولياً وقد كان لهم الفضل الكبير في اكتشاف فائدة النجمة القطبية وأصبحوا بعد ذلك أول من أتقن فن الملاحة ليلاً والمسير حسب النجوم، وقد أطلق اليونانيون على هذه النجمة اسم الفينيقيون. أما السفن الفينيقية فكانت تصنع من أخشاب الأرز التي لا مثيل لها في المتانة، وكانت صيدا وصور تتلقيان هذه الأخشاب من حرمون.

وقد كانت ترسم أشكال السفن الفينيقية على المباني الأثرية المصرية منذ حوالي 1400ق.م وهي على شكل هلال، ولها مؤخرة ومقدمة مرتفعتان وفي أعلى السارية شراع واحد مربع وتظهر أشكال أخرى للسفينة الفينيقية على الآثار الآشورية بمؤخرة مرتفعة ومدك مروس في المقدمة يمكن استخدامه في القتال وذات طابقين وكان الطابق الأسفل عادة يضم صفين من فتحات التجذيف.

وفي العصور المتأخرة بلغ عدد المجذّفين خمسين مجذفاً وهذا النوع من السفن هو الذي اقتبسه اليونان الأقدمون كما يتضح من الرسوم على الأواني.

وكان للفينيقيين تجارات عبر البر، وكان من محطاتهم مدينة نصيبين شمالي القامشلي اليوم التي تصل موانئهم على المتوسط بمراكزهم على الخليج العربي حيث كانت لهم مدن تحمل الأسماء نفسها مثل أرواد وصور وصيدا. ومن أعظم الأعمال البحرية التي حققها الفينيقيون؛ هي الدوران حول إفريقيا قبل أكثر من ألفي سنة من بحارة البرتغال وذلك لصالح الفرعون – نخاو -609- 593 ق.م من السلالة السادسة والعشرين الذي أعاد حفر الترعة القديمة التي كانت تربط الفرع الشرقي للنيل بطرف البحر الأحمر الشمالي.

بدأ الفينيقيون رحلتهم من البحر الأحمر جنوباً نحو المحيط الهندي ودام دورانهم حول القارة الإفريقية سنتين وفي السنة الثالثة عبروا أعمدة هيركوليس – مضيق جبل طارق –وعادوا إلى مصر حول هذه الرحلة يكتب هيرودتس وهناك قالوا مالا أصدقه أنهم أثناء دورانهم حول ليبيا- إفريقيا – كانت الشمس على يمينهم وهذه العبارة التي لم يصدقها هيرودتس تثبت صحة الدورة ذلك أنه عندما تتجه السفن إلى الغرب من رأس الرجاء الصالح فإن شمس نصف الكرة الجنوبي تكون على يمينهم. كان الفينيقيون يبنون ويؤسسون أينما ذهبوا وانتشرت مستعمراتهم من شمالي الدلتا المصرية إلى سواحل اليونان وغيرها من بلدان البحر المتوسط. ويرجع نزولهم في جزر أواسط  البحر المتوسط انطلاقاً من جزيرتهم قبرص المركز البحري الهام إلى منتصف القرن الحادي عشر ق.م إن لم يكن قبل ذلك، وأسسوا قادس في إسبانيا واوتيكا في المنطقة المسماة الآن تونس حوالي عام 1000ق.م،

أما قرطاجة سليلة صور الشهيرة فهي أعظم المستعمرات الفينيقية فإنها تعود إلى نحو 814ق.م وقد أدى تأسيس قادس وراء مضيق جبل طارق إلى دخول الفينيقيين إلى المحيط الأطلسي وأسفر ذلك عن اكتشاف الأوقيانوس بالنسبة للعالم القديم.

ويعتبر هذا الاكتشاف من أعظم ماقدمته الحضارة السورية للتقدم العلمي، وقد عرف هوميروس زهيسبود عن وجود الأطلس لأول مرة من الفينيقيين، وقد أكد عدد من الثقات وصول الفينيقيين إلى كورنول في إنكلترا خلال بحثهم عن القصدير ويقول هيرودوتس –أنه ليست لديه معرفة خاصة بجزر كاسيتريدس جزر القصدير التي يجلب منها القصدر – وهذه الجزر هي جزر سيلي الواقعة قرب كونوال ويؤكد سترابو الذي كتب نحو7ق.م وجود القصدير والرصاص في هذه الجزر وأن السكان يبادلونه بالخزف والأواني النحاسية التي كان الفينيقييون وحدهم في العصور الأولى يتاجرون بها من قادس ويكتمون الطريق عن الناس.

وكانت معظم المستعمرات الفينيقية في إسبانيا في ترشيش وخاصة في المنطقة بين قرطاجينة وقادس كانت لها مكانة بارزة من هذه الناحية.

وتروي الساطير أن الإله زفس بعد أن تحول إلى ثور اختطف أوربا الجميلة ابنة الملك الفينيقي آجينور من مرج على الساحل السوري بعد أن وقع في حبها وهرب إلى كريت وفي كريت تزوجها بعد أن استعاد شكله الأصلي وقد ولد من هذا الزواج الملك والمشرع الكريتي مينوس بينما اتخذت القارة أوروبا اسم زوجة زفس ووالدة مينوس.

وكان يوجد في تراقيا مناجم الذهب وقد استثمرها قدموس الصوري شقيق أوربا الذي أرسله والده للبحث عن شقيقته ومن الأمور التي تنسب إلى قدموس بناء مدينة ثيبة وتل الاكروبول فيها سمي نسبة إلى قدميا كذلك ينسب إليه أنه أنجب ولداً اسمه الليريوس تسمت باسمه اللريا، وهي بلاد البانيا والواقع أن فن العمارة اليوناني القديم الذي منه أتت أشكال كلاسيكية مدين لسورية باستخدام الأعمدة وتيجانها. وفي العصر الهوميري كان محمول السفن الفينيقية يضم نباتات ومحاصيل مثل الورود والنخيل والتين والرمان والمر والخوخ واللوز نشروها في بلدان البحر المتوسط، وقد تكون السفن نفسها هي التي أدخلت من اليونان إلى سورية نباتات الغار والدفلة والسوسن والنعنع والنرجس وقد بقيت الأسماء اليونانية لبعضها في لغاتنا القديمة وتجارة التوابل كانت بكاملها بيد الفينيقيين.

مدينة قرطاجة – كانت أكثر المستعمرات نجاحاً في إفريقيا وفي القرن الثامن ق.م كانت في ذروة منافستها للوطن الأم الذي كان قد أخذ بالانحطاط بعد موجة الغزو اليوناني.

وقد بلغ من سيادة قرطاجة التجارية والسياسية أن إمبرطوريتها امتدت في القرن السادس  ق.م من حدود ليبية إلى مضيق جبل طارق وضمت جزر الباليار ومالطة وسردينيا وبعض مواقع على ساحل إسبانيا والغال، وقد أدى هذا إلى نزاعها مع روما الآخذة في الظهور.

وفي عام 218ق.م قام هانيبال القائد القرطاجي الفينيقي بالزحف على روما من إسبانيا بطريق جبال الألب وبعد قتال ناجح دام خمسة عشر عاماً في الأرض الإيطلية هوجمت روما أثناءها واستدعي هانيبال من قبل مجلس الشيوخ القرطاجي.

لكن الهزيمة لحقت بجيش قرطاجة في معركة زاما عام 202ق.م وقد فرض الحق الروماني على قرطاجة باتخاذ قرار بتهديمها فتركت طعاماً للنيران لمدة سبعة عشر يوماً عام 146ق.م ثم أعملوا المحراث فيها ولعنوا أرضها الى الأبد.

يقول ويل ديورانت: إن الفينيقيين جديرون بأن يكون لهم حضورهم في محراب الأمم المتحضرة ذلك أن تجارهم هم الذين علموا الأمم القديمة الحروف الهجائية بدءاً من بلاد اليونان والرواية اليونانية هي تؤكد ذلك.

وللفينيقيين الفضل الأكبر بتغيير كتابة الحروف من اليمين لليسار عند اليونان وفي سيناء اكتشف وليم فلندر في سراية الخادم وهي قرية صغيرة في مكان استخراج الفيروز من سيناء على نقوش يرجع عهدها ربما إلى حوالي 2500سنة لكن من الجلي أنها ليست مكتوبة بالخط الهيروغليفي بل بحروف هجائية وقد وجد علماء الآثار في زابونة بسورية مكتبة كاملة من الألواح الطينية ولما كانت زابونا قد دمرت حوالي 1200ق.م قبل أن تستكمل نموها، فأغلب الظن أن هذه الألواح يرجع تاريخها إلى القرن الثالث عشر ق.م. أوجد الفينيقيون نظاماً أبجدياً تاماً مؤلفاً من 22 علامة فأوجدوا بذلك ما سمي بحق أعظم اختراع أتى به الانسان.

وقد اكتشفت كتابات أثرية بالأبجدية الخطية في لاكيش تل الدوير اليوم جنوبي فلسطين في بيت شمش تل الرميلة قرب عين شمس غربي القدس وترجع الى القرنين الرابع عشر والثالث عشر ق.م وأقدم نص مفهوم بالأبجدية الكنعانية وجده الأثري الفرنسي دونان في جبيل، وهو مؤلف من 5 أسطر ونظام الكتابة الأبجدية الخطية بحروفها ال22 المكتوبة من اليمين لليسار كانت غالباً من عمل كنعانيي جبيل، وقد اخترع كنعانيو أوغاريت نظاماً ابجدياً آخر على أساس مختلف، فقد كتبوا الأبجدية بقلم على ألواح الطين، ولذلك اتخذت شكل علامات مسمارية أو اسفينية.

إن ديانة الكنعانيين كانت تضمن اثنين من الآلهة الرئيسية وهي السماء والأرض الأب والأم، وفي أوغاريت كان إله السماء يعرف باسم –إيل –  بينما إله الأرض يعرف باسم عاشرة

وفي أوغاريت كانت آلهة أخرى عشتار التي عند البابليين والآشوريين، وكانت تعتبر الآلهة الأم وقد اقتبسها اليونانيون وأدمجت بأفروديت.

أما الهيكل فهو البناء الذي يسكنه الإله وهو واسطة اتصال البشر به وإن أقدم الهياكل الكنعانية ترجع إلى مطلع الألف الثالث ق.م وكانت في اريحا ومجدّو وكان هذا النموذج القديم يتألف من غرفة واحدة لها باب على الجانب الطويل من البناء، وبعد منتصف الألف الثاني ق.م يصبح البناء متكاملاً أكثر وأهم ما في الهيكل المذبح الصخري والنصب المقدس والعمود المقدس أو الشجرة المقدسة التي كانت تمثل النبات الدائم الخضرة الذي تسكنه آلهة الخصب وفي بيت شان كان العمود يقوم في مدخل الحرم الداخلي والغرف تحت الأرض كانت تستخدم غالباً لتلقي النبوءات ويوجد أيضاً في الهيكل طاسات البخور والمباخر، وكان الوضوء معروفاً عند الكنعانيين ولازال لليوم بعض المسيحيين والمسلمين والدروز في كثير من الأماكن وفلسطين يؤدون واجب الاحترام لبعض الأشجار، وهي في الغالب من النصب والعمود المقدسين، واستغنوا بهما عن ضرورة صنع الأصنام القديسين، ونشاهد اليوم قطع الثياب مربوطة بشجرة مقدسة عند- افقا – حيث ينبع نهر إبراهيم.

لكن الكنعانيين اكتفوا بالنصب والعمود المقدسين واستغنوا بهما عن ضرورة صنع الأصنام. ولعدم وجود صورة محفورة كانوا يرمزون إلى الإله المعبود بعمود أو حجرة والإله ملخ الذي يقدم له الأولاد كضحايا يعتبر أنه نفس ملقارت أي سيد المدينة مدينة صور.

وقد كتب في تفسير ابن كثير في قصة النبي إبراهيم الخليل أنه تزوج من الكنعانيين ابنة يقطن وولدت له أولاد بعد هجرته إلى فلسطين.

__________________________________________________________________

المصادر:

1- تاريخ سورية –اسكندر احمد.

2- سوريا وتاريخها الحضاري – حجل.

3- تاريخ سوريا ولبنان – فيليب حتي.

 

 

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password