الإعلام والتراث في الشرق الأوسط …

 

      أحمد اليوسف

الإعلام والتراث الحضاري والثقافي لشعوب الشرق الأوسط، والأساطير والعاطفة والخرافات واللغة والأحداث، وتأثيرها على الرأي العام، والإعلام الذي يحاكي الخرافات في الشرق الأوسط، والفرق بين الإعلام الشرقي والغربي من هذه الناحية.

الإعلام: هو” ﺗﺰﻭﻳﺪ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺑﺎﻷﺧﺒﺎﺭ ﺍﻟﺼﺤﻴﺤﺔ، ﻭﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺎﺕ ﺍﻟﺴﻠﻴﻤﺔ، ﻭﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍﻟﺜﺎﺑﺘﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺴﺎﻋﺪﻫﻢ ﻋﻠﻰ ﺗﻜﻮﻳﻦ ﺭﺃﻱ ﺻﺎﺋﺐ ﻓﻲ ﻭﺍﻗﻌﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﻗﺎﺋﻊ، ﺃﻭ ﻣﺸﻜﻠﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺸﻜﻼﺕ، ﺑﺤﻴﺚ ﻳﻌﺒﺮ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺮﺃﻱ ﺗﻌﺒﻴﺮﺍً ﻣﻮﺿﻮﻋﻴﺎً ﻋﻦ ﻋﻘﻠﻴﺔ ﺍﻟﺠﻤﺎﻫﻴﺮ ﻭﺍﺗﺠﺎﻫﺎﺗﻬﻢ، ﻭﻣﻴﻮﻟﻬﻢ، ﻭﻋﺮﻓﻪ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻷﻟﻤﺎﻧﻲ ‏( أﻭﺗﻮﺟﺮﻭﺕ ‏) ﺃﻧﻪ: “ ﺍﻟﺘﻌﺒﻴﺮ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻋﻲ ﻋﻦ ﻋﻘﻠﻴﺔ ﺍﻟﺠﻤﺎﻫﻴﺮ ﻭﺭﻭﺣﻬﺎ ﻭﻣﻴﻮﻟﻬﺎ، ﻭﺍﺗﺠﺎﻫﺎﺗﻬﺎ ﻓﻲ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻮﻗﺖ.

أولاً: الإعلام والتراث الحضاري والثقافي لشعوب الشرق الأوسط:

هناكَ أسئلةٌ مُلِحّةٌ تطرحها الساحة في الشرق الأوسط اليوم، في ظل ما يشهدهُ هذا الجزءُ من صراعات محتدمة، ومن هذه الأسئلة، الهوية والتراث والآثار والإرث الثقافي والحضاري لشعوب هذه المنطقة، ففي ظلّ هذه الصراعات، لن يقتصر التأثير على الإنسان كونه كائناً حياً فقط، بل يمتدُّ ليكون خطراً وجودياً على الإنسان والعمران، بمعناه الوجودي والتاريخي كتعريفاتهِ المتعلقة بالهوية والتراث والثقافة.. فما هو دور الإعلام ووسائله المتعددة في وقف هذا التهديد الوجودي؟

مما لا شكّ فيهِ أننا أمام مرحلة جديدة من تفاعل وسائل الإعلام والصحافة بالثقافة والحضارة والتراث، إنها مرحلةٌ متعددة الجوانب، ومعقدة إلى حدٍّ كبير، خصوصاً في ظل نمو كبير في قطاعات الإعلام، وظهور وسائل إعلامية جديدة، أثبتت وجودها وأشركت غالبية الناس في صياغة محتوياتها، إلى جانب كونها أصبحت مصدراً هامّاً للمعلومة كوسائل التواصل الاجتماعي، لكن ليست المعلومة بوصفها الدقيق دائماً!

إنّ نسبة استخدام الإنترنيت، وهو أحد أهم وسائل الحصول على المعلومة، في ازدياد مستمر، وأصبح بإمكان الإنسان اليوم زيارة الموقع الأثري عبر هاتفه المحمول، وبإمكانه مشاهدة أي تجربة تراثية، والاطلاع على العديد من وجهات النظر والنصوص عن تاريخ ووقائع المكان، وذلك أتاح إلى حدٍّ ما، ما تسميه الباحثة الأردنية دانه فراس(ديمقراطية المعلومة، وتكافؤ الفرص) وهذا ما تجده “تقدماً إيجابياً نحو نشر الوعي حول التراث وأهميته”.

وقد أوردت هذه الباحثة مثالاً على الأثر الإيجابي لديمقراطية المعلومة، إذ تشير إلى أن “موقع البترا في الأردن بلغ عدد زوّاره من خلال خرائط كوكل إلى ما يقارب على ال 24مليون زائر، في العام (2016)، فيما لا يتجاوز عدد الزوار الفعليين للموقع(زيارة ميدانية)، ال 400ألف زائر في العام نفسه.”

وهنا علينا أن نرصد الدور الإعلامي في الحفاظ على التراث والإرث الثقافي والحضاري، فالواقع في الشرق الأوسط والدمار الذي حدث تحديداً في سوريا والعراق،  يفرض سؤالاً وهو هل تسهم وسائل الإعلام من خلال نشرها الواسع لخبرٍ ما عن التراث في تحفيز بعض الجهات على تخريب وتدمير المواقع والمصادر التراثية؟”

واعتقد أنّ للإعلام دور لا واعٍ في تحفيز بعض الجهات على تدمير وتخريب هذا التراث، وكذلك “للصحافة دور كبير في نشر الوعي عن التراث، ولهذا الدور تاريخ عريق، وقد تطور هذا الدور اليوم ليصبح مصدراً هامّاً ورئيساً.”

إلّا أن وسائل التواصل الحديثة، وازدياد سرعة الحصول على المعلومة، خلق مشكلة متمثّلة في” كثرة المصادر، وبالتالي يصعب علينا أحياناً معرفة الموثوق منها”

ففي الماضي كان الكاتب أو الإعلامي الصحفي تؤثر ميوله على كتاباته، لكن المعلومة لها مصداقية بسبب وجود وسائل متعددة للتدقيق قبل النشر، أما اليوم فعليك كمتلقي للمعلومة أن تتأكد بنفسك من صحتها ومصداقية مصدرها!

“لقد لعبت وسائل الإعلام دوراً كبيراً في توثيق التراث تاريخياً وإلى يومنا هذا”

إلا أن عملية التوثيق في وقتنا هذا تتميز باللاخطية والمتشعبة، وهذه التشعبات غيرت علاقتنا مع المواد التراثية وبالرغم من ذلك هناك ما يربط الشخص بشكل مباشر مع التراث، وذلك من خلال تقديم الإعلام للمعلومة على شكل نص أو فيديو أو صورة أو نماذج ثلاثية الأبعاد؛ مما يخلق تفاعلاً حيوياً بين المعلومة ومتلقيها.

ولذلك نجد أن هناك صلات وشبكة روابط بين الواقع والمواقع والمعالم والشخصيات التاريخية، ولّدتها وسائل الإعلام الحديثة، وهذه الصلات تضفي ضوءاً جديداً على المفاهيم التراثية وتعيد التأكيد على أهمية المحافظة عليها والاستمرار بإجراء الدراسات والبحوث في مجال التراث الحضاري والثقافي”

 

ثانياً: الأساطير والخرافات  والأحداث واللغة وتأثيرها على الرأي العام، والإعلام الذي يحاكي تلك الخرافات في الشرق الأوسط

والفرق بين الإعلام الشرقي والغربي من هذه الناحية:

بالرغم من وصولنا عصر العولمة الإعلامية وولوجنا فيه من أوسع الأبواب وانفضاح أمر الكثير من الخرافات والأساطير السياسية والأيديولوجية والثقافية والإعلامية، فإن الكثيرين في الشرق الأوسط ما زالوا يجثمون تحت تأثير تلك الخرافات والأساطير السخيفة تماماً كأجدادنا وجدّاتنا في العصور الغابرة حيث كانوا يرفضون رفضاً قاطعاً التشكيك في أي من الأساطير الدارجة التي عاشوا عليها، حتى لو كانت مفضوحة كعين الشمس، وهذا حال بعض الإعلاميين والكتّاب في الشرق الأوسط والذين للأسف يرددون كالببغاء بعض المصطلحات والخرافات وبشكل يثير الاشمئزاز دون أن يفكروا يوماً بمجرد التساؤل هل هي واقعية أم ضربٌ من الخيال.

لا ننكر أن الأحداث الكبيرة التي أصابت الشرق الأوسط مؤخراً قد قلبت كثيراً من الموازين والحسابات، وخلقت أجواءً، رغم صعوبة الأحوال، تكاد تكون ملفتة للنظر وتحدث للمرة الأولى في الشرق الأوسط، حيث أن هذه الأحداث خلقت في بعض المناطق إعلاماً مستقلاً ينقل الواقع كما هو بشكل منفتح وحر، رغم أسطورة” الإعلام الحر ” في العالم والتي لا يمكن تصديق هذا الوهم، لكن في الحقيقة رأينا في بعض مناطق الشرق الأوسط وخصوصاً سوريا والعراق، إعلاماً مستقلاً يفضح الأنظمة السياسية التي كانت تسيطر على مصير البشر من الألف إلى الياء؛

حيث أنطلق هذا الإعلام من واقع الشعوب المقهورة التي رفضت واشمأزّت من واقعها المتردي عبر سنوات من الاستبداد والتسلّط، فنجد لهذه الأحداث المريرة أثراً إيجابياً من تلك الناحية، وقد يستطيع هذا الإعلام المستقل التأثير على الرأي العام إلى حدٍّ ما رغم ضعفهِ وقلة موارده، ورغم محاربة الأنظمة التابعة لجهات سياسية لهذا الاعلام المستقل، ولو لم تكن هذه العوائق أمامه لوصل تأثيره بشكل أكبر وأسرع لإنه ينطلق من واقع يعيشه الملايين من المظلومين.

ومن ناحية أخرى نجد أنّ عامل اللغة له كبير الأثر في المادة الإعلامية والتأثير في الرأي العام لأن اللغة هي الوسيلة المباشرة لإيصال الأفكار والاتجاهات والمتطلبات، والتعبير عن ما يجول في الذهن عن الواقع الذي يعيشه الفرد في مجتمع ما، ومن هنا كان لا بدّ من الإشارة إلى اللغة كعنصر اساسي في التأثير على الرأي العام   ولهذا علينا أن نبحث في كينونة اللغة وسبب قولنا أنها العامل الأول في التأثير هو ما سنورده تالياً عن ماهية اللغة ودورها وتأثيرها المباشر،

فقد ﺭﺃﻯ ﻣﻌﻈﻢ ﺍﻟﺒﺎﺣﺜﻴﻦ ﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺪﻳﻴﻦ: ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﺇﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻟﺘﻮﺻﻴﻞ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ، ﻭﺍﻻﻧﻔﻌﺎﻻﺕ، ﻭﺍﻟﺮﻏﺒﺎﺕ، ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﻧﻈﺎﻡ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﻣﻮﺯ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺼﺪﺭ ﺑﻄﺮﻳﻘﺔ ﺇﺭﺍﺩﻳﺔ. ﻭﺭﺩﺩ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﺒﺎﺣﺜﻴﻦ: إﻥ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﻗﺪ ﺗﺴﺘﻌﻤﻞ ﻹﺧﻔﺎﺀ ﺍﻟﻔﻜﺮ، ﻭﺻﺎﺭﺕ ﻋﺒﺎﺭﺓ ﺗﺎﻟﻴﺮﺍﻥ : “ ﺇﻥ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﻛﺎﺋﻨﺔ ﻟﺘﺨﻔﻲ ﺃﻓﻜﺎﺭ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ” ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻣﺸﻬﻮﺭﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﺪﺭﺍﺳﺎﺕ ﺍﻟﻠﻐﻮﻳﺔ.

ﺛﻢ ﺭﺃﻯ ﺑﺎﺣﺜﻮﻥ ﻣﺠﺪﺩﻭﻥ ﻣﻦ ﺃﻣﺜﺎﻝ ﻣﺎﻟﻴﻨﻮﻓﺴﻜﻲ: “ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺟﺰﺀ ﻣﻦ ﺍﻟﺴﻠﻮﻙ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻲ، ﻭﻧﻮﻉ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻤﻞ، ﻭﻟﻴﺲ ﻣﺠﺮﺩ ﺃﺩﺍﺓ ﺗﻌﻜﺲ ﺍﻟﻔﻜﺮ، ﻭﺍﻥ ﻭﻇﻴﻔﺘﻬﺎ ﻟﻴﺴﺖ ﻣﺠﺮﺩ ﻭﺳﻴﻠﺔ ﻟﻠﺘﻔﺎﻫﻢ ﺃﻭ ﺍﻟﺘﻮﺻﻴﻞ”.

ﻭﺫﻫﺐ ﻓﺮﻳﻖ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﺇﻟﻰ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﺳﺎﺱ ﻧﻔﺴﻲ ﻭﻋﻘﻠﻲ، ﻭﺭﺃﻯ: ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﺳﺘﻌﻤﺎﻝ ﺭﻣﻮﺯ ﺻﻮﺗﻴﺔ ﻣﻨﻈﻤﺔ ﻟﻠﺘﻌﺒﻴﺮ ﻋﻦ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﻭﻧﻘﻠﻬﺎ ﻣﻦ ﺷﺨﺺ ﺇﻟﻰ ﺁﺧﺮ، ﻭﻣﻦ ﻣﺆﻳﺪﻱ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﺔ، ﺳﺎﺑﻴﺮ. ﻭﻗﻴﻞ ﻫﻲ: ﻭﺳﻴﻠﺔ ﺍﻹﺗﺼﺎﻝ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺒﺸﺮ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻷﻟﻔﺎﻅ، ﺃﻭ ﺍﻷﺻﻮﺍﺕ ﺍﻟﻮﺿﻌﻴﺔ ﺍﻟﻌﺮﻓﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻲ، ﻭﺗﺨﺘﻠﻒ ﺑﺎﺧﺘﻼﻑ ﺍﻟﻌﺼﻮﺭ، ﻭﺍﻟﺸﻌﻮﺏ. ﻭﺗﺘﺄﺛﺮ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺑﺤﻀﺎﺭﺓ ﺍﻷﻣﺔ، ﻭﻧﻈﻤﻬﺎ، ﻭﺗﻘﺎﻟﻴﺪﻫﺎ، ﻭﻋﻘﺎﺋﺪﻫﺎ، ﻭﺍﺗﺠﺎﻫﺎﺗﻬﺎ. ﻓﻜﻞ ﺗﻄﻮﺭ ﻳﺤﺪﺙ ﻓﻲ ﻧﺎﺣﻴﺔ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻨﻮﺍﺣﻲ ﻳﺘﺮﺩﺩ ﺻﺪﺍﻩ ﻓﻲ ﺃﺩﺍﺓ ﺍﻟﺘﻌﺒﻴﺮ. ‏

ﻭﻧﻈﺮ ﻋﻠﻤﺎﺀ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭ ﻭﻇﻴﻔﺘﻬﺎ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ، ﻓﻌﺮﻓﻬﺎ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻲ  ﺩﺟﺎﺭ ﺳﺘﻴﺮﺗﻔﻨﺖ ﺃﻧﻬﺎ: ﻧﻈﺎﻡ ﻣﻦ ﺭﻣﻮﺯ ﻣﻠﻔﻮﻇﺔ، ﺑﻮﺍﺳﻄﺘﻬﺎ ﻳﺘﻌﺎﻭﻥ ﻭﻳﺘﻌﺎﻣﻞ ﺃﻋﻀﺎﺀ ﺍﻟﻤﺠﻤﻮﻋﺔ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﺍﻟﻤﻌﻴﻨﺔ. ﻭﻗﻴﻞ ﻫﻲ: ﻭﺳﻴﻠﺔ ﻟﻠﺘﻮﺍﺻﻞ ﻭﺗﻌﺮﻳﻔﻬﺎ ﺍﻟﻨﻔﺴﻲ ﻫﻮ: ﻧﻈﺎﻡ ﺗﻘﻠﻴﺪﻱ ﻣﻦ ﺍﻹﺷﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﻤﻌﺒﺮﺓ ﺗﻌﻤﻞ ﺳﻴﻜﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﻛﻮﺳﻴﻠﺔ ﻟﻠﺘﺤﻠﻴﻞ ﻭﺍﻟﺘﺮﻛﻴﺐ ﺍﻹﺭﺍﺩﻱ، ﻭﺍﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺎً ﻛﻮﺳﻴﻠﺔ ﻟﻠﺘﻮﺍﺻﻞ، ﻭﺇِﺫَﻥْ ﺗﻜﻮﻥ ﻭﺣﺪﺓ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﻤﻠﺔ،

ﻭﻗﺎﻝ ﺍﺑﻦ ﺧﻠﺪﻭﻥ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ: ﺍﻋﻠﻢ ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺘﻌﺎﺭﻑ ﻫﻲ ﻋﺒﺎﺭﺓُ ﺍﻟﻤﺘﻜﻠﻢ ﻋﻦ ﻣﻘﺼﻮﺩﻩ، ﻭﺗﻠﻚ ﺍﻟﻌﺒﺎﺭﺓ ﻓﻌﻞٌ ﻟﺴﺎﻧﻲٌ ﻧﺎﺷﻲﺀٌ ﻋﻦ ﺍﻟﻘﺼﺪ ﺑﺈﻓﺎﺩﺓ ﺍﻟﻜﻼﻡ، ﻓﻼ ﺑﺪَّ ﺃﻥ ﺗﺼﻴﺮ ﻣﻠﻜﺔً ﻣﺘﻘﺮّﺭﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻀﻮ ﺍﻟﻔﺎﻋﻞ ﻟﻬﺎ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻠﺴﺎﻥ ” ﻭﺃﺿﺎﻑ ”: ﺍﻋﻠﻢ ﺃﻥَّ ﺍﻟﻠﻐﺎﺕ ﻛﻠﻬﺎ ﻣﻠﻜﺎﺕٌ ﺷﺒﻴﻬﺔٌ ﺑﺎﻟﺼﻨﺎﻋﺔ، ﺇﺫ ﻫﻲ ﻣﻠﻜﺎﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻠﺴﺎﻥ، ﻟﻠﻌﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻲ ﻭﺟﻮﺩﺗﻬﺎ، ﻭﻗﺼﻮﺭﻫﺎ ﺑﺤﺴﺐ ﺗﻤﺎﻡ ﺍﻟﻤﻠﻜﺔ، ﺃﻭ ﻧﻘﺼﺎﻧﻬﺎ. ﻭﻟﻴﺲ ﺫﻟﻚ ﺑﺎﻟﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﻔﺮﺩﺍﺕ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﺑﺎﻟﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﺮﺍﻛﻴﺐ. ﻓﺈﺫﺍ ﺣﺼﻠﺖ ﺍﻟﻤﻠَﻜﺔُ ﺍﻟﺘﺎﻣﺔ ﻓﻲ ﺗﺮﻛﻴﺐ ﺍﻷﻟﻔﺎﻅ ﺍﻟﻤﻔﺮﺩﺓ، ﻟﻠﺘﻌﺒﻴﺮ ﺑﻬﺎ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻲ ﺍﻟﻤﻘﺼﻮﺩﺓ، ﻭﻣﺮﺍﻋﺎﺓ ﺍﻟﺘﺄﻟﻴﻒ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻄﺒﻖ ﺍﻟﻜﻼﻡ ﻋﻠﻰ ﻣﻘﺘﻀﻰ ﺍﻟﺤﺎﻝ، ﺑﻠﻎ ﺍﻟﻤﺘﻜﻠﻢ ﺣﻴﻨﺌﺬٍ ﺍﻟﻐﺎﻳﺔ ﻣﻦ ﺇﻓﺎﺩﺓ ﻣﻘﺼﻮﺩﻩ ﻟﻠﺴﺎﻣﻊ .”

ﺇﻥ ﺗﻌﺮﻳﻔﺎﺕ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﻫﺬﻩ ﺑﻘﺪﺭ ﻣﺎ ﺗﻠﺘﻘﻲ ﻟﺘﺰﻳﺪ ﻛﻨﻪ ‏(ﺍﻟﻠﻐﺔ) ﻭﺿﻮﺣﺎً ﺇﻻ ﺃﻧﻬﺎ ﺗﻔﺘﺮﻕ ﺑﺤﺴﺐ ﻭﺟﻬﺔ ﻧﻈﺮ ﻛﻞ ﻋﻠﻢ ﺇﻟﻴﻬﺎ. ﻓﺎﻟﻔﻼﺳﻔﺔ ﻭﻋﻠﻤﺎﺀ ﺍﻟﻤﻨﻄﻖ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮﻭﻥ ﻣﺎﺯﺍﻟﻮﺍ ﻳﻌﺘﻤﺪﻭﻥ ﻣﻘﻮﻟﺔ ﺃﺭﺳﻄﻮ ﻓﻲ ‏(ﺃﻥ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺭﻣﺰ ﻟﻠﻔﻜﺮ)، ﻓﻲ ﺣﻴﻦ ﺃﻥ ﻭﻇﻴﻔﺔ ﺍﻟﻠﻐﺔ ﺗﺘﻌﺪﻯ ﺫﻟﻚ ﺇﻟﻰ ﻛﻮﻧﻬﺎ ﺃﺩﺍﺓ ﻟﻨﻘﻞ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ.

ﻭﻟﻜﻨﻨﺎ ﻧﺮﻯ: ﺃﻥ ﺃﻓﻀﻞ ﺗﻌﺮﻳﻒ ﻟﻠﻐﺔ ﺑﻤﻌﻨﺎﻫﺎ ﺍﻟﻌﻤﻠﻲ، ﻫﻮ ﺗﻌﺮﻳﻒ ﻋﻠﻤﺎﺀ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻉ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻠﺘﻘﻲ ﻭﻣﺎ ﻗﺪﻣﻪ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﺍﻟﻌﺮﺏ ﻣﻦ ﺗﻌﺮﻳﻔﺎﺕ ﻟﻠﻐﺔ ﻷﻧﻬﺎ ﺭﻣﻮﺯ ﺻﻮﺗﻴﺔ ﺗﻨﺒﺊ ﻋﻦ ﻣﺪﻟﻮﻻﺕ ﺧﺎﺻﺔ ﻟﻠﺘﻌﺒﻴﺮ ﻋﻤﺎ ﻳﺤﺘﺎﺝ ﺇﻟﻴﻪ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻓﻲ ﺣﻴﺎﺗﻪ. ﻓﺎﻟﻠﻐﺔ ﺇﺫﻥ: ﻧﻈﺎﻡ ﻋﺮﻓﻲ ﻟﺮﻣﻮﺯ ﺻﻮﺗﻴﺔ ﻳﺴﺘﻐﻠﻬﺎ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻓﻲ ﺇﺗﺼﺎﻝ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﺑﺒﻌﺾ.

 

ومن جهة أخرى لقد أشار الدكتور فيصل القاسم في بحثٍ له عن خرافات الإعلام الشرقي والغربي معاً، فقال:” ليس هناك إعلام حر لا في الدول الديمقراطية ولا في الأنظمة الاستبدادية. إنها خدعة كبيرة انطلت على الكثيرين، ولا أبالغ إن قلت أن معظم وسائل الإعلام في الشرق والغرب هي وسائل عصبوية بامتياز إلّا ما ندر”

ونرى القصد الواضح في كلام الدكتور، وفي قوله الكثير من الصواب، أن وسائل الإعلام في الشرق والغرب تسير حسب عقائد وأصول وخطط صارمة وقيود قاسية لا تنفصل عنها، بل تتشبث بها حتى ولو بدت في الظاهر منفتحة، فالإعلام أولاً وأخيراً أداة تحكّم وتوجيه وتعبئة سياسية في أي مكانٍ كان أو بالأحرى جزء لا يتجزأ من اللعبة السياسية والاقتصادية والتجارية، وبالتالي هو ليس حرّاً أبداً بل مجرد تعبير عن موقف سياسي ثقافي وأيديولوجي أو مصالح اقتصادية وتجارية معينة، وبالتالي فإن وسائل الإعلام شرقاً وغرباً ما هي إلّا خادم مطيع وخاضع كلياً في يد القوة التي تمتلكه وتوجهه، فهل يكون الخادم حرّاً؟ متى كان العبيد أحراراً.

وبالتالي فإن التعامل متشابه مع الخرافات بالنسبة للإعلام الشرقي والغربي على حدٍّ سواء، لإن كليهما يروج ويتبع أسلوباً واحداً في نشر هذه الخرافات الحديثة، وأقصد منها خرافة الإعلام الحر، وخرافة ديمقراطية الإعلام.

فلو أخذنا الإعلام البريطاني نجده إعلاماً حزبياً وعصبوياً بامتياز. أي أنه يعبر فقط عن رأي الحزب أو التجمّع أو التنظيم الذي يتبع له. وبالتالي فهو ليس حرّاً بل محكوم بسياسات وتوجهات الحزب، لذلك وكما قال الدكتور فيصل قاسم: نجد صحيفة التايمز لا تحيد عن خط حزب المحافظين، فقد عرفت الصحيفة بأنها محافظة منذ تأسيسها، وهمّها الأول هو معارضة سياسات وتوجهات حزب العمال البريطاني. وكذلك الأمر بالنسبة لصحيفة (الديلي تلغراف)

لكن هناك فرق كبير بين تعاطي الإعلام الشرقي والغربي مع خرافات وأساطير اجتماعيه تشيع في المجتمعات الشرق أوسطية وتنتشر بشكل كبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت  أحد أهم وسائل الإعلام السريعة، ويعود ذلك إلى تأخّر في الثقافة بالنسبة لشعوب الشرق الأوسط، مما أدى إلى التسليم بصحة أي إشاعة أو خرافة تصدر حتى لو كانت من مصادر مجهولة، وهذا الأمر يجب أن يوضع له حد وذلك عن طريق تصحيح المعلومة أو نفيها عن طريق وسائل الإعلام الكبيرة والتي تعتبر مصدر ثقة لدى هذه الشعوب، ولا يخفى على أحد أنّ الحروب المستمرة في الشرق الأوسط وكونها منطقة صراع إقليمي، ترك أثراً بالغاً باتجاه السلبية بالنسبة للإعلام، حيث خسر الإعلام الكثير من مصادر قوّتهِ، بل وموارده البشرية، وأضطر أن يعتمد على موارد ليست بالكفاءة المطلوبة، أو حتى المصداقية الموجوّة منها، وأوجد مؤسسات إعلامية قامت نتيجة الضرورة الملحّة والفراغ الإعلامي في بعض مناطق الشرق الأوسط، ولهذا كان لا بد أن تتعاطى حتى مع الأساطير والخرافات وأحياناً تروّج له بلا وعي، لقلة الخبرة والمعرفة والكفاءة الثقافية لدى هذه المؤسسات الحديثة النشوء، وبالتالي إن قارنّا ذلك مع المؤسسات الغربية التي تمتلك كل ركائز القوة، والكوادر ذات الكفاءات العالية، سنجد فرقاً شاسعاً في التعامل مع هذه الأساطير والخرافات، ولن تجد الإعلام الغربي يخوض فيها ويروج لمثل تلك الأساطير، وذلك لأنّ الشعوب الأوربية وصلت إلى مرحلة ثقافية متكاملة، تكاد تنعدم فيها الجهالة، وبالتالي الشعب الذي تسلّح بالمعرفة سيكتشف سريعاً أن مثل هذه الأساطير ليست إلّا ضرباً من الخيال، ولن يستطيع الإعلام -ولو أرادَ- أن يروّج لمثل هذه الادّعاءات والخرافات، لأنه سيظهر غبياً بين أفراد مجتمعٍ ذو ثقافةٍ عاليةٍ.

وفي النهاية، لا بدّ من القول أن الإعلام قوة كبيرة في وقتنا الحاضر، وسلاح فتّاك سريع التأثير بمن أراد، ولا شكّ على الإطلاق أن يؤثر ويتأثر بما حوله من أحداث ﺍﻹﻋﻼم ﻟﻪ ﺩﻭﺭ إﻳﺠﺎﺑﻲ ﻭﺳﻠﺒﻲ ﻓﻲ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻮﻗﺖ، ﺣﻴﺚ ﺍﻟﺪﻭﺭ الإﻳﺠﺎﺑﻲ ﻓﻲ ﺗﻨﻤﻴﺔ ﻭﻋﻲ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺑﺎلأﺣﺪﺍﺙ ﺣﻮﻝ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ أﺻﺒﺢ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﻗﺮﻳﺔ ﺻﻐﻴﺮﺓ ﺑﻔﻀﻞ ﺍﻟﻨﻘﻞ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮ للأحدﺍﺙ ﺍﻟﺠﺎﺭﻳﺔ ﺣﻮﻝ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻭﻟﻪ ﺩﻭﺭ ﺳﻠﺒﻲ ﻣﺎ ﻳﺴﻤﻰ ﺍﻟﺼﺤﺎﻓﺔ ﺍﻟﺼﻔﺮﺍﺀ ﺍلتي ﺗﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ إﺛﺎﺭﺓ ﺍﻟﻨﻌﺮﺍﺕ ﺍﻟﻄﺎﺋﻔﻴﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺸﻌﻮﺏ ﻭﺗعمل ﻟﺼﺎﻟﺢ ﻃﺮﻑ ﺩﻭﻥ ﺍلآﺧﺮ ﻭﻟﺼﺎﻟﺢ ﺟﻬﺔ ﺳﻴﺎﺳﻴﺔ ﺗﻌﻤﻞ ﻟﺘﺤﻘﻴﻖ أﻫﺪﺍﻓﻬﺎ ﻣﻤﺎ ﻳﺆﺛﺮ ﺑﺎﻟﺴﻠﺐ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻮﺿﻊ ﺍﻟﻌﺎﻡ ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﺒلد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password