موسكو تحاصر تركيا عبر آستانا وتصريحات لافروف خلط للأوراق:

 

لزكين إبراهيم

لماذا لا يستطيع مسلسل آستانا الذي وصل إلى الحلقة الحادية عشرة من تحقيق أي نتائج في مسار الحل حتى الآن، وما هدف روسيا بالأخص من عقدها وهي تدرك نتائجها المسبقة، وما سبب تصريحات لافروف الأخيرة المثيرة للجدل حول مناطق شرق الفرات وفي هذا التوقيت، وما السياسة التي تتبعها روسيا حالياً تجاه تركيا؟. 

في المنطق يقولون: “إن نفس الشروط تؤدي إلى نفس النتائج، وأن من الغباء تكرار فعل نفس الشيء عدة مرات وتوقع نتائج مختلفة”، هذه الحالة تنطبق اليوم على مسلسل آستانا الذي وصل إلى الحلقة الحادية عشرة؛ ولاتزال تسير على نفس الشروط وتؤدي إلى نفس النتائج والتي هي الفشل وإطالة عمر الأزمة السورية.

تحضيرات ومخططات وحملات إعلامية تثار قبل انطلاقة كل جولة من آستانا، والمتتبع للإعلام التركي والروسي قبل انطلاقة كل جولة؛ سيتخيل أن هذه الاجتماعات ستحل كل مشاكل سوريا والشرق الأوسط لكثرة الدعاية لها، ولكننا في النهاية لا نرى من جعجعة طواحين إعلامهم طحناً، ويخرجون لنا بتصريحات خجولة، وتأسف على عدم الوصول لنتائج ويخرجون ببيان ختامي أشبه بالمعاتبة حيث يضع كل طرف اللوم على الآخر لعدم الالتزام بالاتفاقات التي جرت بينهم (تركيا وروسيا وإيران) في لقاءات سوتشي وحلقات آستانا الماضية.

ورغم كل النتائج المخيبة لا نرى من تلك الدول التي تسمي نفسها “الضامنة” أي مساعٍ لتغيير شروط تلك الاجتماعات لتغيير النتائج، مع أنهم يعلمون ما ستؤول إليه اجتماعاتهم مسبقاً، إذاً هم يعقدونها لغايات أخرى ليس إيجاد حل للأزمة السورية وإنهاء الصراع من بينها بالتأكيد. لأن مصالح تلك الدول الثلاثة هي ما يتم طرحها على طاولة المفاوضات وليس مصلحة الشعب السوري، وعليه يمكن تسمية تلك الاجتماعات بسمسرة بين تلك الدول السلطوية الباحثة عن مصالحها على حساب الجثة السورية التي انهكتها الحرب. وكل طرف يحاول تضييق الخناق على الآخر لكسب تنازلات منه لحساب مصالحه الشخصية.

وكان واضحاً خلال آستانا 11 أن الروس والإيرانيين يهدفون إلى التضييق على تركيا أكثر، واستقصدوا فتح المجال لممثلي النظام السوري للتهجم على تركيا، وكان هذا واضحاً من اللهجة الهجومية لبشار جعفري الممثل الدائم للنظام السورية في الأمم المتحدة على الاحتلال التركي واتهامها “بالضلوع في الهجمات بالأسلحة الكيماوية على مدينة حلب، وبأن تركيا دخلت الأراضي السورية بشكل غير شرعي وتقوم بتغيير معالم تلك المناطق، وقال “ما يقوم به النظام التركي هو عدوان واحتلال واضح”. اذاً هذه الاجتماعات هي لتطويق تركيا وعصرها ونزع تنازلات جديدة منها، ويبدوا أن روسيا تمكنت من وضع تركيا في خانة اليد بالاستفادة من عدم قدرة تركيا اقناع النصرة الانسحاب من المنطقة منزوعة السلاح، ومن القصف بالأسلحة المحملة بمواد كيماوية على حلب واتهام تركيا بأنها دعمت تلك المجموعات على لسان النظام، بالإضافة إلى اتهام بوتين لتركيا بأنها لم تحقق أي نجاح في ملف إدلب، ويبدو أن الصمت التركي على الهجمات والخروقات المتكررة للروس والنظام للمناطق منزوعة السلاح دليل على ضعف موقفها وخسارتها للكثير من أوراقها أمام روسيا بعد التنازل عنها واحدة تلو الأخرى مقابل احتلال عفرين وضرب المشروع الكردي في الشمال السوري.

ويبدو أن روسيا والنظام السوري باتا يستثمران كثيراً العداء الأعمى التركي للكرد، لنزع التنازلات من تركيا بشكل تدريجي ووصل بها الأمر لتفرض على تركيا اليوم تصفية المجموعات المسلحة التابعة لها بنفسها، ويجمع العديد من المتابعين على أن روسيا تتبع سياسة الصبر الاستراتيجي في التعامل مع ملف إدلب، وتحاول اجبار أنقرة لدفع المعارضة المسلحة بتولي مهمة القضاء على هيئة تحرير الشام “النصرة”، وقد أظهرت موسكو فعلياً هذه الرغبة في الجولة الأخيرة من محادثات أستانة 11، حيث ترغب روسيا بخلق اقتتال بين الفصائل هناك، لأنها ترى في ذلك تكلفة أقل بكثير من شن هجوم على إدلب، خاصة مع استمرار الرفض الدولي لهجوم عسكري عليها. وبهذا الشكل سيكون أمام تركيا حلين لا ثالث لهما إما إقناع هيئة تحرير الشام بالاستجابة لمطلب الانسحاب من المنطقة العازلة، وفق ما نص عليه الاتفاق، أو دفع باقي المجموعات والفصائل المسلحة وبدعم عسكري منها على محاربة الهيئة والقضاء عليها، ولا يخفى أن الحل الثاني فيه الكثير من المخاطر على سياسات تركيا في سوريا وستكلفها كثيراً. لكن تركيا مستعدة للتنازل عن كل المجموعات المسلحة ومستعدة لإعادة كل الأراضي المحتلة إلى النظام السوري مقابل عدم السماح لتمدد أي مشروع شمال سوريا يقوده الكرد حتى وإن كان مشروعهم سيجلب الحل وينهي الأزمة في سوريا والمنطقة.

أما تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الأخيرة التي قال فيها “جزء من أعمال الولايات المتحدة الأمريكية على الضفة الشرقية لنهر الفرات.. هو لعب “الورقة الكردية”…هذه لعبة خطيرة للغاية، بالنظر إلى حدة القضية الكردية عموما في عدد من دول المنطقة ليس فقط في سوريا، ولكن أيضا في العراق، إيران، وبطبيعة الحال، في تركيا… حيث تحاول الولايات المتحدة تشكيل هياكل شبه حكومية هناك”. فهذا التصريح المثير للجدل من لافروف في هذا التوقيت ماهو إلا صب الزيت على النار ومحاولة من روسيا لخلط الأوراق بعد تيقنها من عدم قدرتها إعداد لجنة الدستور السوري عبر آستانا دون الموافقة الأمريكية ودون مشاركة من ممثلي الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا الذين يسيطرون على أكثر من 30% من الأراضي السورية، لذا تسعى إلى تحريض وتخويف تركيا لتزيد التوتر بينها وبين أمريكا من جهة خاصة بعد إنشاء الأخيرة نقاط مراقبة على الحدود لمنع التصادم بين تركيا وقوات سوريا الديمقراطية، ولتنزع بذلك المزيد من التنازلات من تركيا مقابل إيهامها بأن روسيا لن تسمح بإنشاء شبه الدولة التي تزعم بأن أمريكا تحاول إنشاءها شرقي الفرات.

والهدف الروسي الآخر من وراء هذا التصريح هو محاولة ضرب مساعي مجلس سوريا الديمقراطية لإيجاد حل للأزمة السورية والتي بدورها تعقد اللقاءات السورية –السورية كالتي جرت في بلدة عين عيسى مؤخراً، والتي تقرب وجهات النظر بين المعارضة وتحقق نتائج جيدة ومرضية لعموم شرائح الشعب السوري على عكس مؤتمرات آستانا وسوتشي التي لم تجلب سوى الدمار والاحتلال التركي لسوريا.

وعليه يمكن القول أن روسيا تتبع من خلال قمة آستانا والتصريحات الأخيرة سياسة استفزاز تركيا وخنقها وجرها لإلقاء آخر أوراقها في ملعب روسيا والقضاء على هيئة تحرير الشام بيد تركيا من جهة، وتوجيه أنظار تركيا إلى مناطق شرقي الفرات لخلق تصادم بينها وبين أمريكا هناك وزيادة التوتر والفوضى في تلك المناطق التي تزاحم روسيا على إيجاد حلول للأزمة السورية بدلاً من آستانا وسوتشي.

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password