حمام السوق .. الإرث والإبداع

ياسر شوحان

يُعد حمام السوق من المباني الهامة في الحياة المدنية، وهو مبنى لا ينحصر استخدامه فقط لغرض الاستحمام والنظافة وإنما يتعداها إلى أن كونه يحمل طابعاً ثقافياً واجتماعياً بارزاً بغرض التواصل فيما بين أفراد المجتمع.

تنتشر حمامات السوق في المدن السورية كافة، إلا أن مدينتي دمشق وحلب كانت لها الشهرة الأكبر ليس في سورية فقط بل في سائر الشرق، ويذكر الباحث منير كيال في كتابه (الحمامات الدمشقية) أن في دمشق وحدها كان فيها مئة وسبع وتسعون حماماً، وذلك في عام 909 هجرية في عهد ابن عبد الهادي، في حين لم يتبقَ من هذا العدد سوى أربعة حمامات في الخدمة حالياً.

أقسام الحمام:

يتألف حمام السوق من عدد من الغرف والأقسام ذات الوظائف الخاصة به. ويعتبر القسم (البراني) هو القسم الخاص لاستقبال الزبائن وملحقة بهذا القسم غرف صغيرة لخلع الملابس تسمى (المشلح) وتتصل غرف المشالح بالقسم الأوسط من الحمام والذي يسمى (الوسطاني) ، حيث يتم الدخول إليه من خلال ممرات متعرجة متفاوتة الطول، الهدف من هذه التعرجات هو إعاقة دخول الهواء البارد بشكل مباشر من خارج الحمام، يليها قسم يعتبر القسم الأوسط بين الاثنين ويدعى (الوسطاني البراني) وهي غرفة تخلو من وسائل التسخين، تستخدم شتاءً لخلع الملابس، وتستمد هذه الغرفة دفئها من القسم الجواني، وهي الغرفة الساخنة والمزودة بالعديد من المقصورات الصغيرة ذات المصاطب الحجرية التي يستخدمها العاملون لعملية الغسيل والتدليك بالإضافة للجرن، كما تُعد وسيلة التدفئة العامة لكل الحمام وسيلة غاية في البساطة تتمثل في مرور الموقد من تحت الأرضيات المتوزعة على المقصورات لتسخينها.

حمام السوق .. حرفة وتقاليد:

يشرف على الحمام (المعلم) وهو عادة ما يكون صاحب الحمام، والمشرف على شؤونه ولديه العديد من العاملين فيه، فمنهم من يتولى غرفة ارتداء الثياب وبعض العاملين يكونون قريبين من الاستراحة فيه، حيث يسمى العامل فيه (حارس المقصورة)، أما من يعمل في قسم الثياب والحفاظ عليها وعدم اختلاط اللباس مع بعضه وشؤون ترتيبها للزبائن فيسمى (حارس البدل)، وهناك أيضاً عدد من المضيفين الذين يعملون في غسل المآزر وتدليك الزبائن وتقديم الخدمات وغيرها، أما العامل الذي يقوم على تسخين المياه والحفاظ على النار مشتعلة فيسمى (القميمي).

ويقوم الحمام بتقديم المواد للزبائن كالقبقاب والمئزر وكيس الحمام والمنشفة والصابونة، وإذا أراد الزبون الحلاقة فالمزين هو من يقوم بهذه المهمة لحلاقة شعر الرأس والبدن، أما عند النساء فتسمى (اللبّانة) حيث أن للنساء حمامات خاصة بهن قديماً أو تُفرد أياماً خاصة من الأسبوع لهن في حمام السوق منعاً من الاختلاط مع الرجال. كما يقدم الحمام الحناء والشداد (كادة تُدهن بها المرأة حديثة الولادة).

يعد حمام السوق أيضاً جزء من تقاليد أخرى مثل الزواج والولادة، فالعريس يذهب إلى الحمام مع أصدقائه في يوم عرسه ويقضون نهارهم فيه، وأيضاً تذهب إليه المرأة التي ولدت حديثاً مع مولودها الجديد، وبالتالي فإن الحمام هو مكان ذو نشاط اجتماعي وترفيهي بآن واحد، ومن الممكن أن يقضي فيه المستحم يومه كاملاً فيه ويتناول الطعام فيه أيضاً، كما أن هناك عادات تحكم العاملين فيه، وتعتبر عادات صارمة جداً، فمثلاً لا يسمح لأي عامل أن يفحص درجة حرارة المياه إن لم يكن طاهراً، وأيضاً يتدرج العامل فيه بمراتب يبدأ من الأجير حيث يعمل في أقسام الحمام الخارجية (البراني) وفي خدمة تنظيف الحمام وخدمة الزبائن حتى تصبح لديه الخبرة الكافية لأعمال التغسيل والتدليك في القسم (الجواني).

حمام السوق .. تقاليد تقاوم الاندثار:

مما لا شك فيه أن حمام السوق في سورية هو موطن الحمام في العالم القديم، ورغم هذا القدم والعراقة إلا أنها تواجه خطر الاندثار خصوصاً في هذه الفترة من الزمن، حيث أن وبعد انتشار الحمامات في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن المنصرم بدأت تنحسر هذه المهنة، وهي وإن حتى زالت هذه المهنة فمن الأجدى أن لا يزول المبنى مع الاعتبار إلى أن معظم حمامات دمشق القديمة مسجلة في عداد المباني الأثرية التي يتوجب الحفاظ عليها، فيما أن الخطر عليها يأتي من أصحابها الذين يجدون فيها عدم النفع والجدوى واستثمارها لأغراض عقارية أكثر ربحاً.

___________________________________________

المراجع:

ـ كيال، منير: حمامات دمشق من روائع الفن المعماري وثقافة اجتماعية متقدمة، صحيفة الوطن، الاثنين 9 تموز 2018، العدد 2938.

ـ كيال، منير: الحمامت الدمشقية، مطابع ابن خلدون، سورية، دمشق، 1986.

ـ السامرائي، فراس: التقاليد والعادات الدمشقية، دار الأوائل، الطبعة الأولى، سورية، دمشق، 2004.

ـ عواد ، أحمد نوار : دراسة عن الحمامات الدمشقية ، جمعية الثقافة والمعرفة ، 2013 .

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password