الرقة من الخراب الى الانبعاث !

جاسم العبيد

الرقة حمامة بيضاء ومدينة أصابها الخراب والدمار مرات ومرات عبثت يد بني الانسان فيها، فأنهكتها ولكنها في كل مرة تتنفس من جديد كالصبح

وتستعيد عافيتها وتنهض. ففي عام 731هجري مر بها أبو الفداء وقال كلمته المشهورة: ( والرقة في زماننا مدينة خراب ليس بها أنيس ).

وفي بداية القرن العشرين وصف العلامة الألماني هرتزفلد الرقة بأنها مدينة حديثة فيها مركز للقائم مقام؛ وفيها قاض ومسجد ومركز للبريد والبرق وسوق صغيرة ومقهى.

وصفان للرقة بينهما خمسة قرون إلا قليلاً.

وصف ابن شداد الرقة في حدود عام 679هجري الموافق 1280م بقوله:

(واستولى التتار على البلاد فخربوا الرقة ولم يسكن بها أحد بعد ذلك إلى عصرنا الذي وضعنا فيه هذا الكتاب) فهي كما قيل:

كأن لم يكن بين العجون إلى الصفا    أنيس ولم يسمر بمكة سامر

وقد أكد أبو الفداء هذا الخراب بقوله: (والرقة في زماننا مدينة خراب ليس بها أنيس وكأني به يشير الى أرجوزة الشاعر جران العود:

وبلدة ليس بها أنيس    إلا اليعافير وإلا العيس

لم يكن الخراب فجائياً وإنما كان محصلة لعوامل كثيرة أسهمت قبل الخراب على يد التتار في وضع الرقة على هامش أحداث التاريخ.

لكن العوامل والكوارث الطبيعية ساهمت بدور لا بأس به في التمهيد لهذا الخراب فوقع زلزال سنة 245هجري أصاب الرقة ومنطقة بلاد الشام وبلغ من الشدة ان اللاذقية رجفت بأهلها فما بقي منزل إلا انهدم وما بقي من أهلها إلا اليسير وذهبت جبلة بأهلها.  وفي عام 288هجري قصد الروم بلاد الرقة في جحافل عظيمة وعساكر من البر والبحر فقتلوا خلقا وأسروا نحوا من خمسة عشر ألفا من البشر. وقد أدى نقل مقر الخلافة من بغداد إلى سامراء في عهد المعتصم في حدود عام 221هجري الموافق عام 826 م، إلى تقويض مكانة الرقة توأم بغداد وكانت الرقة تستمد قوتها من وجود بغداد كعاصمة.

وأخذت الرقة بالنزول تدريجياً منذ القرن الرابع الهجري عندما بدأت الامبراطورية الإسلامية تتجزأ وأخذت الأقاليم تنفصل تدريجياً من الخلافة العباسية فتشكل في كل إقليم إمارة بل إن بعض المدن شكلت إمارات وممالك في هذه الفترة فبدا طريق الفرات يفقد أهميته وبدأت الرقة تضمحل.

وقد بلغت الرقة وأهلها من الهوان أن القرامطة في سنة 353هجري قصدوا مدينة طبرية ليأخذوها من يد الاخشيدي كافور صاحب مصر والشام وطلبوا من سيف الدولة أن يمدهم بحديد يتخذون منه سلاحاً فقلع لهم أبواب الرقة  وكانت من حديد صامت وأخذ لهم من حديد الناس حتى أخذوا أواني الباعة من الأسواق وأرسل بذلك كله إليهم فأرسلوا يقولون –اكتفينا – ولقد عاث الجند الخوارزمية قبيل منتصف القرن السابع الهجري فساداً في منطقة بلاد الشام وفي منطقة الجزيرة الفراتية ووصفهم ابن تغري بردي بقوله: (وأما الخوارزمية فإنهم تغلبوا على عدة قلاع وعاثوا وخربوا البلاد وكانوا شراً من التتار لا يعفون عن قتل ولا عن سبي ولا في قلوبهم رحمة).

أما الذهبي فقد أكد خرابهم لمنطقة الجزيرة بقوله: (فإنهم تغلبوا على حران وملكوا غيرها من القلاع وعاثوا وخربوا البلاد الجزرية).

وحل الطاعون في سنة 749هجري وأصاب أغلب المعمورة آنذاك ولم يقع مثله في سالف الاعصار مات فيه الناس والوحوش والطير.

وأورد المؤرخون من أهواله ما يعقد اللسان رهبة وقد أجريت إحصائية لموتى وجنائز القاهرة فكانت 400000 أربعمئة ألف جنازة ودام هذا الطاعون خمسة عشر عاماً وسماه الناس سنة الفناء.

لقد أدى تفتت الامبراطورية العباسية فضلاً عن الاضطرابات السياسية وفقدان الأمن نتيجة غارات الأتراك والفرنجة في سائر أنحاء منطقة بلاد الشام والعراق إلى تسديد ضربة خطيرة لازدهار المدينة.

وقد أدى ضعف الأمن إلى انقطاع الطرق ويذكر ابن حوقل أن طريق الرقة أثناء رحلته كان مقطوعاً ولا يمكن للتجار اتخاذه ويعلل هذا الانقطاع على التجار بسببين:

1- الخوف من هجوم مفاجيء للبيزنطيين.

2- اعتراض السلطان عليهم وقد يكون قصد بذلك مصادرة أموالهم.

وقد وصف المقدسي الرقة في تلك الفترة من الفوضى وانعدام الأمن بأنها محاطة بالأعراب والطرق إليها صعبة.

كما أضعفت الحروب الصليبية الكيان العربي وأحدثت اضطرابات عظيمة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية فانحطت الرقة أكثر من غيرها لاتصالها بالشام والعراق.

وكانت الضربة القاصمة على طالع العالم الإسلامي بشكل عام وعلى الرقة بشكل خاص هو سقوط بغداد في عام 1258م الموافق 656 هجري بيد المغول سقطت بغداد وقتل الخليفة وبدأت شرايين الحياة في الرقة بالجفاف

ويبدو أن قسماً كبيراً من أهل الرقة قد غادرها هرباً قبل نزول التتار.

وقد وجد في خرائب الرقة تلال سوداء متناثرة متباعدة داخل وخارج أسوار المدينة كما وجدت عظام بشرية محترقة في هذه التلال.

وهذه التلال إن دلت على شيء فإنما تدل على أن حرائق قد شبت قضت على البقية الباقية من سكان المدينة ولفظت الرقة أنفاسها على يد المغول عام  657 هجري.

أما الذين هربوا قبل قدوم التتار فقد تركوا أمتعتهم الثمينة والفاخرة مدفونة في الآبار والجدران وفي الكوى والنوافذ المغطاة بالحجارة والطين على أمل العودة بعد تخريب التتار وانسحابهم؛ إلا أن التتار بعد أن صدموا في عين جالوت وأوقفوا زحفهم استقروا من ضمن ما استقروا فيه مناطق الفرات ولم تستطع الأجيال التي فرّت من التتار من العودة  لمساكنها كما لم يستطع الأبناء التعرف على الدفائن وكذلك فقدوا الرغبة بالعودة لمدينة لم يعد فيها أنيس ولا جليس.

ومنذ ذلك الوقت تحولت مدينة الرقة إلى أكوام من الأتربة وقد أدى انعدام الأمن وانحطاط الحياة  الحضرية بصورة شاملة في سائر أنحاء المنطقة إلى تسديد ضربة خطيرة إلى الحياة الاقتصادية إلى تجارة القوافل جعل كل محاولة لإحياء المدينة نوعاً من العبث؛ وانتقلت التجارة الدولية منذ ذلك الحين نحو رأس الرجاء الصالح الذي غدا طريقاً سالكاً منذ نهاية القرن الخامس عشر الميلادي بفضل التقدم الطارىء على فن الملاحة وأقرت بهذا طريق الحرير والتوابل القارية تدريجياً وتحولت إلى مرتبة محاور من الدرجة الثانية وفي عام 923هجري الموافق 1516م انضوت بلاد الشام تحت سلطة العثمانيين.

وتأبى الكوارث إلا أن تقضي على كل نسمة حياة يمكن أن تدّب في أوصال هذه المدينة فقد حل الطاعون بالرقة عام 1175هجري الموافق 1761م، وفر أكثر الناس إلى البلدان المجاورة والنائية وكان فيها واليها سعد الدين باشا العظم، وكان قد تلقى أمراً سلطانياً بالرحلة إلى بغداد والياً عليها، وبينما هو يستعد للانتقال؛ إذا به يصاب بالطاعون ويدفن في باحة المسجد ونجد منطقة الرقة بعد منتصف القرن الثامن عشر قد أصبحت منطقة يخشى الناس الاستقرار فيها لصعوبة العيش ففي عام 1780م الموافق 1194هجري نجد أن الرقة الواقعة شرقي حلب قد بلغت درجة مذهلة من الإفقار حتى أن والي حلب  كان يعمد عند فرض عقوبة على القبائل الكردية والتركمانية في منطقة عفرين إلى إصدار قرار يقضي على هؤلاء بالرحيل للإقامة في منطقة الرقة ولكن هؤلاء كانوا يتفادون هذه العقوبة بتأدية غرامة مالية ثقيلة.

أصبحت الرقة خراباً يباباً طوال حقبة اجتياح المغول للمنطقة وبعده؛ وقد انعدم فيها العمران لانعدام الأمن لأن شروط العمران توفر الأمن والحياة الاجتماعية والرغبة في الاستقرار هذه العناصر مجتمعة، فقدت في هذه المنطقة  ومنذ أن ترك أهل الرقة مدينتهم هرباً وقضى التتار على من بقي منهم في المدينة أصبحت بادية الرقة سهوباً متسعة ومستراداً للعشائر الآتية إليها من كل حدب وصوب ويردد المسنون مقولة مفادها أن السلطان سليمان بن سليم خان قد مرّ بالرقة قاصداً بغداد وفوجيء بخراب الرقة وكانت معلوماته التاريخية عن الرقة أنها مدينة عظيمة فقرر أن يعيد لها قيمتها التاريخية ومكانتها الحضارية كجزء من الإمبراطورية العثمانية قاصداً أن يستخلص للرقة مجدها العظيم ومن المعروف أن السلطان سليمان قد استولى على بغداد في صيف عام 1534م الموافق 941هجري وقد مرّ بالرقة في طريقه إلى بغداد بدليل وجود بعض الكتابات الدالة على أوامر صدرت منه ببعض الإصلاحات وقد نتج عن التقسيمات الادارية لعام 1566م الموافق 974هجري ظهور ولاية الرقة وقد منحتها تلك التقسيمات حدودا تمتد إلى الموصل وبغداد وحلب وديار بكر (آمد)، تكونت ولاية الرقة ولم تكن لها من قيم الولاية إلا الاسم إذ لم يكن هناك استقرار سكاني في مركز الولاية، وقد فشلت الحكومة العثمانية في توطين بعض العشائر المتجولة في المنطقة بأطلال الرقة أو بالقرب منها وذلك بسبب الاعتقاد السائد لديهم آنذاك أن المواطن الأثرية هو مواطن الجن ومستقر سكناهم بل كانوا يتحاشون المرور في مناطق الآثار وبصفة خاصة في الليل.

ولما وجدت السلطة العثمانية صعوبة في إعمار المدينة ورغبة منها في إثبات وهيبة الدولة في المنطقة عينّت للرقة متسلماً جعل مركزه في مدينة أورفا –الرها- وكان هذا المتسلم يحضر للرقة في العام أربع مرات يقيم في الرقة شهراً في كل مرة يحل القضايا والمنازعات التي ترفع اليه. وأصبحت السلطة الحقيقية في كل المنطقة بيد القبائل البدوية المتنقلة وكان الولاة يتعاقبون على وتيرة سريعة وصلاحياتهم تنحصر في اعتماد سلطة شيوخ العشائر وفي إرسال المتسلم لجباية الضرائب التي غالباً ما كان يعجز عن تحصيلها أو للقيام عند الضرورة بقمع الانتفاضات في بدايتها خشية أن تمتد لمناطق أكثر اتساعاً.

وفي سنة 1760 م الموافق 1174هجري كانت الرها إيالة يتبعها دير الزور والرحبة والرقة والخابور وحران وكلاب وقيس وغيرها ثم استقلت الرقة بعد ذلك وأصبحت ولاية لحالها.

ويمكننا أن نعتبر عام 1864 م الموافق 1281هجري نقطة تحول بالنسبة إلى الرقة ففي هذا العام تم تشكيل جديد للولايات العثمانية لكن الاضطرابات في وادي الفرات وتحرك القبائل ضد الدولة العثمانية وسلطتها إذ تمكنت قبيلة العفادلة القاطنة بالقرب من أطلال الرقة من الإيقاع بقوة عسكرية عثمانية أرسلها ثريا باشا والي حلب لإخماد فتنة العشائر ولازال أفراد القبيلة يرددون قصيدة معروفة لليوم قالها الشاعر حينذاك الشهير حليلة الذياب الشعباني:

ثريا باشا خيم عالشريعة          يريد بلادنا غصب عن أهلنا

مابين زعيج والرقة السمرة     بان الفارس ال منهم ومنا

طردنا عسكرو واليوز باشي      وطواجيهم كورد الدود حنا

احنا ملوك والتاريخ يشهد         احنا زبيد مانعطي وطنا

ولكن هذا الوالي تقدم بعد ذلك بقوة كبيرة قادها بنفسه واستطاع بها إخضاع القبائل المتمردة واصطحب شيوخ هذه القبائل معه إلى دير الزور ومنحهم الأوسمة والنياشين، وأجرى عليهم الرواتب لقاء تكفلهم بحفظ الأمن في المنطقة وكان من شيوخ منطقة الرقة شيخ عشيرة الولدة شامية فرج السلامة وشيخ عشيرة الولدة جزيرة أبو رسان الحمد وشيخ عشيرة العفادلة شلاش العلي، وتم في هذا العام تشكيل قائم مقامية دير الزور وعين لها قائم مقام وجعلت الرقة ناحية ألحقت بدير الزور وتم إلحاق قضاء دير الزور بولاية حلب. وبعد ستة أشهر من ذلك جعلت دير الزور سنجقاً –متصرفية –وجعلت السبخة قضاء وألحقت ناحية الرقة به.

وفي سنة 1869م أصبحت الرقة مركز قضاء وبقيت تابعة لدير الزور وفي سنة 1870 جعلت ديرالزور مركز لواء ألحق بحلب وجعل فيه متصرف وألحق به قضاء الرقة ثم فك إرتباط لواء ديرالزور عن حلب وارتبط باستامبول مباشرة.

وفي سنة 1885م فك قضاء الرقة عن ديرالزور وألحق بولاية حلب وفي أوائل الحرب العالمية الأولى 1914م جرى ارتباط الرقة بلواء أورفة المستقل.

وفي عام 1917م أعيد قضاء الرقة إلى لواء ديرالزور وفي عهد الحكومة الفيصلية الذي أعقب انسحاب العثمانيين من سوريا ارتبطت الرقة بدير الزور. ولما احتلت القوات الإنكليزية دير الزور عام 1919 في كانون الثاني ألحق قضاء الرقة بحلب التي كانت بيد الحكومة العربية الفيصلية وعين الضابط رمضان شلاش حاكماً للرقة تم بعد انسحاب البريطانيين من دير الزور في 27كانون الأول شغل اللواء رسمياً من قبل الحكومة الفيصلية وتقرر لدى الأمير فيصل في 17 كانون الثاني من نفس العام تأليف لواء دير الزور وإلحاق قضاء الرقة به وفعلاً بعد استلام مولود مخلص باشا حاكم اللواء العسكري زمام الادارة أمر بتنفيذ القرار المذكور، وبعد معركة ميسلون ودخول القوات الفرنسية إلى سورية أعلن أهالي الرقة قيام الحركة الوطنية المستقلة بزعامة حاجم بن مهيد وتم إعلان هذه الحكومة في 10 اب عام 1920 وانتهت هذه الحكومة بدخول القوات الفرنسية الرقة في 19 كانون الأول عام 1921 م وتم ربط الرقة مع حلب. وفي أواسط سنة 1922م انسلخت الرقة عن حلب وألحقت بلواء دير الزور بموجب قرار حاكم الدولة المؤرخ في 19 أيار 1922م إلى سنة 1959م حيث صدر مرسوم بجعلها محافظة ثم نفذ المرسوم عام 1960.

يرتبط انبعاث الرقة مباشرة بعوامل عديدة منها:

1- حركة استقرار اعترت في نهاية القرن التاسع عشر قبائل البدو الضاربة في منطقة الفرات ومنها الفدعان والسبعة وباقي البدوان.

2- تقوية سلطة العثمانيين على بلاد الشام واستتباب الأمن.

3-إخصاب الريف ونفوذ طرق المواصلات وهيمنة المدينة على الأوساط الريفية.

4-تشجيع الحكومة العثمانية فكرة الاستقرار كي تتمكن من فرض سلطتها بشكل فعال.

لقد دبت الحياة في منطقة الرقة قبل المدينة فلقد زار الدكتور – ارزت ليونهارت راوفولف الرقة عام 1574م ووصف الرقة بأنها في حالة سيئة وكان سور المدينة وبيوتها في حالة سيئة ونصف مبنية.

وفي عام 1650م وصف الرقة بأنها عبارة عن مخيم للعرب والتركمان والأكراد في فصل الشتاء.

وقد أكد ريتشارد بركوك خلو مدينة الرقة من السكان في عام 1737م في البند الثاني من كتاباتها ومخططه الذي رسمه للرقة، وأكد هذه الحقيقة كينير في مخططه الذي رسمه لآسيا الصغرى عام 1814م بقوله – (إن الرقة لا تحوي إلا الخرائب الأثرية وبعض العرب الرحل ولا يسكن الرقة أحد). كما أكد سميث عدم وجود استقرار سكاني في المدينة في نفس الفترة الزمنية لقد استوطن الرقة بعض العشائر ممن ينتمون إلى قبيلة البو شعبان العبيدية الزبيدية حوالي عام 1650م حيث استقروا بعد تجولهم في المنطقة على شواطيء الفرات امتداداً من جزرة البوحميد شرقاً إلى شمس الدين غرباً وأزاحت في هذا الاستقرار قبيلة بجدلة والتركمان من مكانها حيث استقروا شمالاً كما انساحت في مطلع القرن التاسع عشر عام 1817م موجة بدوية –الفدعان – قدمت من نجد هرباً من الجدب والضيق اللذين نزلا بالرياض خلال هذا العام فكانت هذه الموجة البدوية من الكثافة حيث قلبت الوضع القائم وأدت إلى انتعاش قوى الصحراء في المنطقة.

وفي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر قدمت موجة من قبيلة عنزة مؤلفة من عشرين ألف خيمة لتدعم موجة أوائل المهاجرين فاستقرت الولد علي إلى الغرب من البليخ بين مسكنة وأبي هريرة ومخفر الحمام في حين قطن ضنا ماجد شرق البليخ وكانوا ينتجعون شتاءً في الشامية كما يؤكد الكولونيل شيزني في تقريره الشخصي عن الرحلة أنه لم يصادف أية قرية ثابتة دائمة ورغم كل شيء فإن القبائل كانت متشبثة بالأرض بصورة ثابتة وتؤكد قدرتها على الدفاع في وجه أي هجوم من بدو عنزة وأكد ذلك مشاهدات بعض الرحالة حوالي عام 1840م.

ويمكن أن نستخلص من تقرير الكولونيل شيزني عام 1837م ومشاهدات الرحالة الألمان في حدود عام 1840م ووصف المعجم الجغرافي الألماني لمنطقة الرقة في عام 1855م بأنها منطقة مشهورة بالحبوب والثمار والأسود والنمور والغزلان والثعالب، أن مدينة الرقة لم يكن بها مركز حفري قبل عام 1850م، فالمدينة خرائب وتحيط بها السهوب الواسعة وكانت الدولة تضطر لإرسال بعض القطع العسكرية لإخماد الفتن والاضطرابات وإعادة الأمن، فتمكث هذه القطع بشكل مؤقت في المكان الذي يقع فيه حالياً بستان البلدية حيث كان يتجمع حولهم بعض السكان فيمكثون صيفاً في المكان نفسه وبالقرب من القوة العسكرية في أكواخ من أغصان الشجر المغطاة بالطين –ماق- ويسمى السيباط.

ولما وجدت الحكومة العثمانية صعوبة هذه الطريقة في حفظ الأمن إذ ما تكاد القوة تغادر المنطقة حتى تعود العشائر إلى حالة الفوضى والصراع فقررت إنشاء مخفر دائم وذلك في حدود عام 1860م، بهدف مراقبة عبور النهر وحفظ الأمن للمواطنين وتتفق جميع الروايات في الرقة على التأكيد بأن النواة التي تكونت حولها هذه البلدة تشكلت تدريجياً على أثر تراكم بضع أسر كانت تجوب المنطقة حول مخفر الدرك العثماني وكانت أوائل المجموعات الوافدة إليها عبارة عن أفراد وليس على شكل عشائر كان هؤلاء الأفراد عبارة عن أفراد يجلبون سلع الحياة البدوية ويقومون بتموين القبائل البدوية وشبه البدوية وفلاحين قدموا من أورفة وبراجيك حيث أعادوا الزراعة على ضفتي الفرات في أعقاب فيضانات الفرات وكانوا يبيعون محاصيلهم قبل العودة إلى مواطنهم.

أو جماعات هربت على إثر نزاعات عشائرية أو عائلية خوفاً من ثارات الدم وكانت بداية الاستقرار حول المخفر لمجموعة من الرجال ثم جاؤوا بأسرهم حينما وجدوا الأمان، والاستقرار في المكان واستدعوا أقاربهم وهكذا لعب تأسيس المخفر دوراً جوهرياً في تثبيت المسكن في الرقة نهائياً.

وتمتعت هذه العائلات بأمان ملحوظ نظراً لجوار القوات العثمانية والتي كانت تتعاون معها فعلاً وبدأ شكل الحياة الاجتماعية يأخذ بعداً جديداً وذلك ببناء السرايا –دار الحكومة عام 1861م. وأنشئت مساكن في الجهة الشرقية المقابلة للسرايا وفي عام 1869م، كان عدد الموظفين سبعة هم القائم مقام – مديرالمال- قائد الدرك –والباقون جباة مال وضرائب – وأنشيء المخيم الكردي الذي كان يقع في ذلك العصر إلى الشمال من مخفر الدرك ومخيم العشاريين إلى الجنوب الشرقي منه وتشير (الليدي آلن بلنت) التي مرت بالرقة في عام 1878 م إلى وجود خيام يسكنها الناس أما الدكتور زاخاو الذي زار الرقة أيضا في العام التالي 1879م في 16/12 فيقول: عدد السكان الحالي للرقة لا يتعدى مئة نفس من بينهم القائم مقام والضبطية  الدرك وكانوا من منشأ بدوي وعددهم لما بين 30-الى 40 كما شاهدت عدداً من العطارين المهاجرين من مدينة حلب.

وظهر في الرقة عام 1893م أول مظهر من مظاهر الحضارة الحديثة فقد مدّ في هذا العام السلك البرقي من حلب إلى الرقة توسعت المدينة وتداعى الناس للسكن وأنشئت المساجد وتجمع الناس اجتماعياً في حلفين هما حلف العشاريين ويضم العجيلي –البليبل – الحسون – المحمد الحسن – الحناطة – الشاهين – القويدر – الشعيب –

والحلف الثاني اسمه —حلف الأكراد ويضم أطياف مختلفة من السكان هم – الرمضان أغا – حمد الجرف – البكري –الشبلي –السلامة منهم طي ومنهم بوشعبان ومنهم أكراد.

وبقي قسم من السكان خارج هذين الحلفين.

وهكذا أصبحت الرقة منتعشة ومتطورة يوماً بعد يوم ملازمة للحضارة ومنتجة للشباب المتعلم المثقف المحب لوطنه فظهر منها الوزير الكاتب القاص عبدالسلام العجيلي وغيره من شعراء وفنانين وأدباء وأطباء وعلماء فزهت كما بلدان العالم المتحضر وأصبحت علاقاتها الاقتصادية من تجارة وزراعة وصناعة تماشي بلدان الشرق الأوسط.

إلى أن جاءها الويل والتخريب والنهب والسلب والظلم والدمار حينما دخلتها قوات داعش الفوضى والتخلف قوات الاسلام المتطرف وجيش التتار الجديد فأعادت البلدة إلى عهود الظلمة والخراب.

ونتساءل لماذا اختارت داعش مدينة الرقة عاصمة للخليفة ابو بكر البغدادي؟

إنها الرقة عاصمة الدولة والخلافة العباسية في زمن زهت ودنت وتدلت حتى أصبحت عروسة ودرّة على نهر الفرات فقد وصفت بأنها ذات (تربة خصب ونساء كاللعب وماء صاف عذب وهواء عليل رغم السحب وفواكه وخضر عجب واقتصاد ذهب) فكيف لا تختارها داعش عاصمة لخلافتها المزعومة. لكن داعش فرضت على السكان الموت البطيء ألا هو:

(حجرهم في بيوتهم ومنازلهم وتكبيل حريتهم وقطع أنفاسهم وهذا ما لا يرضاه ابن القبيلة والعشيرة المعتاد على استنشاق الهواء العليل المتميز بالتصاقه ومحبته للحرية في شتى مجالات الحياة). لقد أهلكوا الانسان وخاصة المرأة في المدينة والريف وأهلكوا النبات والحيوان فعادت الرقة في زمنهم قاتمة مظلمة سوداء في حين كان اسمها الرقة البيضاء والسمراء.

واستبشرت الناس بجيش حديث متمرس على القتال شرس في المعارك لا يهاب الموت بل نذر نفسه للتخلص من أوغاد العصر (الدواعش) هلهلت له نساء الرقة قبل شبابها وزغردت بأعلى صوتها (وينكم ياللي تاخذون الحيف). فجاءهم الزحف المنقذ من جيش أبناء سورية الديموقراطية أبناء الجبال والسهل والوادي الأشم وخلال فترة وجيزة تاريخية حررت المدينة المسلوبة حريتها واقتصادها وخيراتها وقتل من الدواعش وأسر الكثير وانبطح البعض منهم يريد النجاة فغادر شبه هارباً الى بلاد بعيدة وانتصر الجيش المنقذ جيش وحدات الحماية البطل وعادت الرقة حمامة لكن بلا ريش. إذ تعرضت مرافق الحياة كافة والبنية التحتية للمدينة للدمار الشامل والخراب الواضح من قبل مرتزقة العصر –الدواعش – فتراجعت الزراعة بشكل لا سابق له في سنين مرت وتوقفت التجارة والصناعة وخربت طرق المواصلات ولم يعد للمدينة حياة آنذاك وما إن حررت المدينة بدأت الحياة تدب في أوصالها وتنتعش شيئاً فشيئاً بعناية القيادات السياسية والأيادي النظيفة من أبناء الرقة فوضعت الخطط لإعادة البناء والإعمار وعملت ورش التنظيف لغسل المدينة مما أصابها من درن الدواعش والتتار الجدد وكل يوم يمر ترى المدينة في جدة وزهو وتجديد.

إن التعاون بين أبناء العشائر في الرقة والقيادات السياسية هو ثمرة تحريرها وبنائها وهو اللبنة الأولى الراسخة لإعادة درّة الفرات لمكانها الطبيعي على النهر العظيم ولتأخذ دورها الريادي وتصبح عروس التحرير.

______________________________

 

المصادر:

1-الرقة درة الفرات – مجموعة مؤلفين.

2-وقائع الندوة الدولية لتاريخ الرقة.

3-تاريخ الرقة — للقشيري.

4-الرقة كبريات المدن الفراتية –عبدالقادر عياش.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password