الطب البدوي الشعبي (قبيلة الحديديين نموذجاً).

ياسر الشوحان

الطب البدوي الشعبي هو مجموعة من المعارف والمهارات الطبية والصيدلانية التي يستخدمها البدو متضمنة النباتات الطبية والعطرية والمساحيق والأدوات التي تستخدم لعلاج البشر والحيوانات في طبهم الشعبي.

وتعتبر قبيلة الحديديين من القبائل الرعوية التي تقوم بتربية الأغنام وسائر المواشي، ويُعرِّف أفرادها أنفسهم بأنهم الشرقيون أي المتجهين شرقاً؛ وذلك لتميزهم عن السكان المستقرين، وتقيم قبيلة الحديديين صيفاً في منطقة شمال تدمر بين السلمية وحلب في شمبل (شنبل) كما تملك عائلات القبيلة عدداً من القرى والأراضي الزراعية، وفي الشتاء تنتقل إلى منطقة تقع إلى الشرق من السخنة. ويذكر ماكس فون أوبنهايم في كتابه (البدو) أن الحديديين ينقسمون إلى مجموعات متعددة تتناثر على مساحات واسعة بين بلاد الرافدين وسورية.

الطب البدوي:

مما يبدو أن قبيلة الحديديين أصبحت لها شهرة واسعة في أعمال الطب الشعبي أو البدوي ـ إن صح التعبير ـ إذ أن هذا الطب يعتمد أساساً على التجربة، وتعود معارف هذا التداوي إلى زمن موغل بالقدم غير محدد التاريخ، ولكنه على الأغلب ناتج عن معارف عاصرت ظهور الإسلام أو حتى قبله أيضاً، وهو بمفهومه العام علم قائم على مسألة التوازن بين العقل والبدن، ومما يتضح أن أي إخلال في هذا التوازن يؤدي إلى عدم الراحة ومنه إلى المرض، وقد أشار السيوطي في كتابه الرحمة في الطب والحكمة إلى أن المقصود بهذا التوازن الطبيعي هو مجموعة من عناصر الطبيعة وهي: النار وهي عنصر حار وجاف، والهواء وهو عنصر حار ورطب ، والماء وهو عنصر بارد رطب والتراب وهو عنصر بارد جاف.

وفي الوقت نفسه فإن هذه العناصر الأربعة أيضاً تصنف حسب طبيعتها إلى ثمانية أقسام أربعة معتدلة وأربعة أخرى غير معتدلة، ومما يميز الإنسان حسب مفهوم الطب البدوي هو أن له أمزجة أكثر اعتدالاً وتنوعاً بالمقارنة مع بقية الكائنات، فالنباتات والحيوانات لها طبيعتها الخاصة وسماتها التي تميزها كالرطوبة والجفاف والبرودة، ويذكر أن الأمراض الوراثية لا ينفع فيها هذا الطب مطلقاً، بينما الأمراض غير العضوية أو ذات الأصول النفسية فهي تؤثر في مجملها على الأحوال البدنية، أما الأمراض غير العضوية ففيها يعتمد الطبيب على براعته في معرفة أسباب المرض وتشخيصه واختيار الدواء المناسب له.

إن الطب البدوي في مجمله يسعى للمحافظة على توازن البدن أو إعادة التوازن له بعد الاختلال، وعادة ما تختلف طرق المحافظة أو إعادة التوازن فإما تكون من خلال الأطعمة والمشروبات المتوازنة والتي من شأنها أن تعيد للجسم حيويته أو من خلال إجراءات أخرى مثل الفصد الدوري على الصدغ والذي يُخرج الدم الفاسد (حسب معرفة الطبيب) وتناول الأعشاب الطبية وغير الطبية لتقوية الجسم، كما يلجأ الطبيب الشعبي أيضاً إلى استخدام أنواع من الأبخرة والأعشاب والتي تساعد في عملية إفراز هرموني ما، ويمكن استخدام الحجامة الناشفة (كاسات الهوا) أو الرطبة (كاسات الهواء مع استخدام شفرة للجرح) وإخراج الدم الراكد، وآخر ما يمكن الاستعانة به للقضاء على المرض هو الكي أو العطابة وذلك للقضاء على سبب المرض، ويستخدم عادة ضد الشيء بالشيء، فمثلاً تُعالج الحمى بالكمادات الباردة التي تعدل من حرارة الجسم في حين تعالج نزلات البرد (البردية) بالماء الدافئ أو كيس الماء الحار مع تغطية الجسم لاسترداد عافيته.

كما يعتمد الطب البدوي أيضاً على أنواع مختلفة من الأدوية والتي تندرج تحت مفهوم (البركة) والتي لا يمكن أن يقال عنها إلا أنها قدرة إيجابية يمنحها الطبيب المعالج من خلال ابتسامته وتبسيط المرض لدى المريض أو من خلال الدعاء والابتهال له أو من خلال سوائل وأشربة قد قُرئ عليها آيات من القرآن الكريم، وعادة ما تكون هذه البركة مقرونة بالأعشاب المُعطاة للمريض أو كإجراء وقائي من الأمراض، لكن قبيلة الحديديين لا تستخدم هذه الوسيلة في الاستشفاء.

وعلى الرغم من تطور الطب الحديث إلا أن الكثيرين يرون في الطب البدوي وسيلة أفضل للقضاء على المرض نهائياً أو يساعد في الشفاء، وقد يكون مرده إلى (أثر العاطفة في الاعتقاد)، ومع ذلك فإن الكثير من الأطباء البدو أصبحوا يلجأون أيضاً إلى التحاليل والصور الشعاعية والرنين المغناطيسي وغيره لا سيما وإن كان المرض معقداً أو يصعب على الطبيب المداوي إيجاد ما يناسبه من أدوية.

وقد أورد الباحثون أحمد نوار عواد وزكي محشي وربيع نصر في دراستهم عن الطب البدوي الشعبي وخصوصاً منها المستخدمة عند قبيلة الحديديين بعض الأمثلة التي يعالجها الطبيب في قبيلة الحديديين وأمثلة عن الأدوية المستخدمة:

ـ أمراض العين:  يقوم الطبيب بتحميص القليل من الزنجا )أكسيد النحاس) ويضعه في عجينة صغيرة ثم يزيل العجينة ويستخرج حبة الزنجار من داخلها ويسخنها مع قليل من كحل الحجر ) كحل معدني)  ثم يضيف قليلاً من زيت الزيتون الطازج ويخلطه بصفار بيضة طازجة ويصنع من ذلك كحلاً للعين لمدة أسبوع . لا يستخدم هذا العلاج في حال كان المريض يعاني من رمد ربيعي.

ـ أمراض الفم : يعالج الطبيب الأمراض ناتجة عن تسوس الأسنان والتي تؤدي إلى تآكلها وتغيير رائحة الفم ولعلاجها يخلط في كف اليد حشيشات (حشائش) وقليلاً من الشب (كبريتات الألمنيوم والبوتاسيوم او ملح متبلر) وقليلاً من دبس الصاغ دبس اًصلي ويمكن أن يكون دبس تمر أو عنب أو خروب وقليلاً من البدقة  )مادة غير معروفة )، ثم يُضاف لهذا الخليط الماء بمقدار معيارين من الماء مقابل معيار من الخليط ويُترك حتى يغلي إلى أن يُصبح مثل العلكة (ذات قوام راتنجي) ثم يُصب على ورقة وتؤخذ منه كل يوم قطعة صغيرة مثل الحلوى.

ـ مرض السكري :ينصح الطبيب باتباع حمية بالدرجة الأولى وينصح أيضاً بأخذ ملعقة كبيرة في الصباح وأخرى في المساء من مزيج نبات الحنظل مع العسل ونبات الخرموشة . ويمكن استخدام الشيح والقيصوم لتنظيم إدرار البول لدى مرضى السكري .

ـ آلام الظهر: يصنع مرهماً من ثمار الرمان والتمر الأسود والسمن العربي ويضعه على مكان الألم لمدة سبعة أيام وبعدها يشد ساق المريض.

ـ علاج لدغة العقرب :يمص الطبيب اللدغة بالفم لإخراج السم ثم يجعل مكان اللدغة يدمي ويطهره بالملح ثلاث مرات.

ـ علاج الحروق :يعالجها بمرهم يعده باستخدام نبات سنامكي الذي يقليه بالزيت وصفار البيض وقرن كبش كبير يحرقه ثم يسحقه ويخلطها جميعاً لتصبح مرهماً.

ـ معالجة أوردة الدوالي: يخلط حبة البركة مع اللوز والجوز والعسل والزنجبيل والفلفل ويتناولها المريض بشكل يومي صباحاً ومساء.

ـ الجدري :لم يكن هناك طرق للوقاية منه ولكن إن سمع بأن أحدهم أصيب به فإنه يأخذ بعض القيح الذي يفرزه ويضعه على جلد الطفل ويحدث في الجلد ثقباً صغيراً بإبرة وذلك لتحصين الطفل .

ـ علاج العقم لدى النساء يستخدم نبات العطرفان .

ـ علاج الرضوض و الكسور : في حالة كسور الأضلاع يحضر مرهم من البوتران  )نبات صحراوي ( والسمن المصنوع من لبن البقر ويخلطهم مع الموميا ( نبات صحراوي ) ليصنع مرهماً يدهم به الجزء المصاب.  أما في حالة الكسور الأخرى فهو يستخدم زلال البيض وقرصي صابون غار وقطن ومرهم ويربط مكان الكسر بهذا الخليط .

ما يرتبط بالطب البدوي :

هناك الكثير من العناصر المرتبطة بالطب البدوي ، فإلى جانب الأعشاب الطبية والمشروبات الناتجة عن الخلطات المكونة بدقة كبيرة نجد أن القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف يعتمد عليه الطب بشكل كبير كما يعتمد على النباتات الصحراوية والمنتجات الطبيعية كالبيض البلدي والعسل الصافي وبعض المواد الكيميائية كالشب . وتلعب التعويذات دوراً أيضاً في راحة المريض مونه يرتبط نفسياً براحة الطبيب وثقته الكاملة بقدرة الطبيب على شفائه وقدرته أيضاً على معالجة المرصود بالجن وتخليص المريض من الحسد أو العين وطرح البركة عليه ووقايته مما يؤذيه من حشرات .

الطبيب الممارس ومعارف الطب البدوي :

يعتبر الطبيب عند البدو من أصحاب العلم والمعرفة والبعض يراه من أصحاب الأسرار والقدرة والإيمان العميق ولكن بشكل عام هو لا يحترف الطب كمهنة وإنما يراها رسالة يؤديها في خدمة الناس وانقاذهم وإيجاد العلاجات المناسبة لهم ، ويرى بعض الأطباء البدو أنه من واجب الطبيب البحث عن أدوية وعلاجات للأمراض الجديدة التي لم تكن سائدة في السابق ، ومما تجدر الإشارة إليه أن الطب الحديث يستأنس بالطب البدوي نوعاً ما لكنه لا يعتمد عليه كلياً في العلاج وكذا الأمر بالنسبة للطبيب البدوي يجد أن الطب الحديث وعلاجاته لا تحقق النتائج المطلوبة في الاستشفاء وأن الطب الشعبي بعراقته وقِدمه أثبت مصداقية لدى الناس .

ولعل شخصية الطبيب الذي يتميز بالمعرفة والمهارة جالبة للألفة عند مرضاه ويشعرونه بقبول عمله لكن لا يتقاضى الطبيب أي أجر على علاجاته لكن يقبل الهدية والتي من الممكن أن يكون سعرها أضعاف ما لو يأخذ أجراً على عمله ، كما أن شخصيته مزيج بين الرقة واللطف والأمانة وكتمان سر المريض وما إليه من أخلاق يتمتع بها .

ويحذر الطب البدوي من سوء استخدام الأعشاب الطبية بدون معرفة أو نتيجة لجهل الناس فيها ، فالنباتات العشبية تمر بمراحل للنمو ، وكل مرحلة منها تعالج جزءاً من مرض ويتم التركيز على نسب الخلط العشبية ، كما أن من يصاب بآلام البطن مثلاً يُعطى الميرمية ليحتسيها المريض مغلية أو منقوعة، ويعتبر الطبيب أن هذا خطأ فادح فهناك أكثر من مئة سبب لآلام البطن والميرمية لا تعالج كل هذه الآلام . أو مثلاً ارتفاع التوتر الشرياني (الضغط) يقوم الطبيب بعلاجه بالثوم وهو ليس كافياً لإعادة الضغط إلى نسبته الطبيعية والتي من الممكن أن تسبب للمريض احتشاء بالقلب أو نزف بالدماغ أو اعتلال شبكية العين . أو يعالج الطبيب مريض السكري بأعشاب من شأنها تخفيض نسبة السكر بالدم مما يجعله على قناعة بالتخلي عن حقن الأنسولين فهنا تضطرب حالة المريض ومن الممكن أن يسبب انخفاض السكر بالحماض السكري أو يسبب ارتفاعه الشديد الذي من الممكن أن يُدخل المريض في غيبوبة .

إن بعض هذه الاختلاطات شديدة التأثير على المريض وإن لم يكن الطبيب المداوي ذو مهارة وخبرة كبيرتين فمن الممكن أن تنشأ عن هذه الأمراض مضاعفات لا تُحمد عقباها .

الطب البدوي بين المحافظة عليه والاندثار :

إن المنافس الأول للطب البدوي هو الطب الأكاديمي والذي أصبح أكثر إقناعاً للبدو في الآونة الأخيرة من الطب التقليدي لأنه سمح بإيجاد علاجات للكثير من الأمراض المستعصية، كما أن حالة التمدن للكثير من البدو جعلت هذه المهنة في انحسار كبير وبما يرافقها أيضاً من انتشار الوعي الصحي لدى المجتمع البدوي أكثر من قبل ويرافق ذلك أيضاً تأثر الغطاء النباتي في البادية بموجات الجفاف التي أدت إلى قلة الأعشاب الطبية فيها، وربما لعبت الأزمة التي عصفت بسورية خلال الفترة الأخيرة دوراً في تراجع هذا الطب نتيجة انتقال بعض الأطباء البدو إلى مناطق أخرى أو عملهم في أشغال بعيدة عن هذه المهنة.

—————————————————————

المراجع:

ـ السيوطي ، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر : الرحمة في الطب والحكمة ـ دار الكتب العلمية .

ـ عواد ، أحمد نوار . محشي ، زكي . نصر ، ربيع : الطب البدوي عند قبيلة الحديديين ـ الجمعية السورية للثقافة والمعرفة ـ 2013 .

ـ أوبنهايم ، ماكس فون : البدو ـتحقيق ماجد شبر ـ دار الورّاق ـ الطبعة الأولى 2004 .

 

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password