صناعة الحلي في وادي الفرات

ياسر شوحان

مما لا شك فيه أن منطقة وادي الفرات كانت ولا زالت تتميز بموروثها الحضاري الفريد، ومن بين الصناعات التي تميزت بها المنطقة هي صناعة الحلي والتي تتنوع أشكالها بشكل كبير كالأساور والقلائد والأقراط والخواتم بالإضافة إلى الحلي ذات الغايات الدينية والروحية والتي تندرج ضمن التعويذات والتمائم والتي تشير إلى نمط ومستوى المعتقد الديني في منطقة وادي الفرات.

لقد ساعد البدو بشكل كبير على انتشار الأنماط الفنية للحلي في عموم البادية السورية وذلك من خلال حلهم وترحالهم في مناطق البادية القريبة من المدن الكبيرة، حيث نجد أن النمط الفني الخاص بالحلي الفراتية كان قد ارتدتها النسوة في ريف حلب مثلاً وريف حماة أيضاً، وقد شكلت هذه التصاميم أسلوباً فنياً معتمداً ومكرراً لسنوات عديدة يُجهل تاريخها. ومما تجدر الإشارة إليه أن هذه الصناعة المحلية معروفة ورائجة في أسلوب وطريقة صناعتها باستثناء بعض التمائم التي يحتكرها بعض رجال الدين كشكل سري من الصناعة والانفراد بها.

مواد صناعة الحلي وأدواتها:

تختلف مواد تصنيع الحلي وتتنوع بشكل كبير فمنها الحلي الذهبية والفضية والنحاسية والبرونزية ومنها أيضاً الحلي الفضية المطلية بالذهب، وتعد الحلي الفضية هي الأكثر انتشاراً، كما يستخدم في تزيين هذه الحلي بعض الأحجار الكريمة أو الأحجار ذات الدرجة الثانية كالعقيق والكهرمان والفيروز، كما شاع أيضاً استبدال الأحجار الكريمة بالزجاج الملون بألوان عديدة وزُينت الحلي الرخيصة بحبات من البلاستيك القاسي.

يعود تاريخ هذه الصناعة إلى آلاف السنين، حيث برعت مملكة ماري في صناعة الحلي النسائية كالأقراط والأساور وذلك في فترة الألف الثالث والألف الثاني قبل الميلاد، وكذلك الأمر في معظم المواقع الأثرية في الجزيرة السورية ووادي الفرات الأوسط، ولم تنحصر صناعتها في هاتين المنطقتين بل أيضاً كانت الحلي الآشورية تتميز بطابعها الفخم ومنها الرجالية والنسائية على حد سواء، ومن الجدير بالذكر أن تطور هذه الصناعة كان بفضل تلاقح الثقافات في سائر البلاد، فنجد أن الحلي في سورية تأثرت بأنماطها وأشكالها وطرق تصنيعها مع الحلي التركية في الوقت القريب، وفي زمن أقدم تأثرت وأثرت أيضاً في صناعات الزينة في منطقة جنوب غرب آسيا ومصر واليمن وفلسطين، إلا أن التأثير الغالب على معظم الحلي في منطقة وادي الفرات هي تأثيرات عراقية بالدرجة الأولى وتأثيرات ذات جذور وحضارات مختلطة في منطقة الجزيرة السورية.

وقد استخدم الصاغة منذ القدم المصوغات الذهبية والفضية كشكل من إعادة تدوير هذه المصوغات بعد صهرها وإعادة تصنيعها، ومؤخراً (القرن التاسع عشر والقرن العشرين) استخدم الحرفيون النقود الفضية العثمانية ودولارات ماري تيريز، مع إضافة الأحجار الكريمة وغير الكريمة إليها كالخرزة الزرقاء لدرء الشر والعين والحسد وأقراص من العقيق تحمل خطوطاً متصالبة في إشارة لمرتديها أنها ترد الأرواح الشريرة عنه، ولم تقتصر الحلي في ارتدائها على الإناث بل تقلدها أيضاً الذكور مثل الأساور والخواتم والقلائد، كما تعدت أيضاً لتشمل بعض الحيوانات المتميزة لدى أصحابها كالخيول الأصيلة والأغنام ذات الأصناف المنتجة للألبان أو الأصواف وبعض الإبل، كما لم تستخدم الحلي النسائية بغاية التزين فقط بل أيضاً كانت وسيلة للإدخار لا سيما الحلي الذهبية منها، وترمز كثرة الحلي للمرأة للدلال والقدرة المادية والسيطرة والغنى، فكلما كانت أكثر زينة كانت أكثر فخراً بين قريناتها وموضع إعجاب وتقدير ومحط اهتمام لديهن.

أنواع الحلي:

يذكر الأستاذ أحمد نوار عواد في دراسته الرائعة عن الحلي البدوية بعض أنواع هذه الحلي التي ترتبط بالحلي البدوية ومنها:

ـ مجوهرات الرأس: ارتدت النساء البدويات في البادية وشرق دمشق نموذجاً غير عادي لحلي الرأس يتألف من سلاسل مترابطة ثقيلة تبدأ عند الجبهة وتمر حول الرأس بكامله وتتصل فوق الرأس من جديد بسلسلة أخرى.  يتم ربط سلسلتين إضافيتين إليها تعلق أسفل الأصداغ.

ـ حلي الرقبة والصدر :تلبس النساء البدويات نوع من الحلي مؤلف من حلقات مطابقة للرقبة منحنية أو ملتفة مع مشبك بشكل (  s)، وتلبس أيضاً حلي تتألف من خمس إلى سبع سلاسل من القلائد المتدلية على شكل هلال في نهايتها نقود معدنية. وقد تراجعت صناعة هذه الحلي في سورية بشكل كبير، وقد ارتدت النساء البدويات المسيحيات اللواتي هاجرن من العراق إلى سورية في القرن الماضي مثالاً واحداً مع صليب بسيط كقلادة متدلية من الوسط بالإضافة إلى دورها التزييني تخدم حلي الرقبة بشكل خاص كتميمة وتعويذة أيضاً.

ـ حلي السواعد: ارتدت النساء البدويات في سورية وفلسطين والأردن والعراق أساور متينة مسبوكة من النحاس والبرونز والفضة مع نقوش بارزة مكملة وزخارف محززة ومائلة.

ـ الأقراط:  النموذج الأكثر شيوعاً بين النساء البدويات هو الأقراط ذات الرقاب والتي لها شكل دائري مع نماذج الدموع والكرات في قسمها السفلي والمنتهية بقطع نقدية متدلية. أو التي تنتهي أطرافها بأشكال تشبه حبة القمح وتسمى في دير الزور (تراچـي شعير).

ـ أسنان الحيوانات: تعتبر أسنان الحيوانات نموذجا مألوفا في صناعة تمائم الأطفال وخاصة أسنان الضباع والذئاب . وكقاعدة توضع أسنان مع بعضها على شكل هلال مع سلسلتين أو ثلاثة ويُضاف لها قلائد نقدية ويمكن أن تحتوي على قطعة فضية فيها حبة زرقاء زجاجية وهي تشبه تمائم جنوب أوربا وتستعمل لطرد الحسد ولزيادة الخصوبة.

الحلي الفراتية … فن أصيل:

يستخدم صانع الحلي في مشغله الصغير بعض الأدوات البسيطة كالمطارق الصغيرة والكماشات المختلفة الغايات وأسطوانات صغيرة لسحب الفضة أو الذهب وتشكيلها على شكل أسلاك مختلفة السماكات، كما يستخدم أفران صغيرة لصهر المواد وإذابتها، وعند التصنيع يستخدم المطرقة مع بعض المسامير ذات الرؤوس المتنوعة التي تخدم تشكيل وحفر القطعة بالإضافة لمنشار المعادن الصغير، ومما لا شك فيه أنه قديماً كانت بعض الحلي بأشكالها تخص قبائل معينة حسب نمطها السائد ويتبع التشكيل الزخرفي المتكلف في قطع الحلي حالة الترف التي يعيشها صاحبها، ومن الممكن أن يقوم الصانع بالإضافة على حليه المصنعة أشكالاً هندسية متنوعة أو ينقش عليها بعض الآيات القرآنية أو أبياتاً من الشعر أو رسوم لطيور وحيوانات ورسومات مختلفة وحروف ذات دلالات معينة أو رموز تخص صاحبها، أو أن يقوم بإضافة أحجار لطرد العين أو يُغلف سن الذئب أو الضبع بالذهب أو يحيطه بأطواق فضية صغيرة للتعليق في سلسلة في الرقبة، وبالتالي فإن صانع الحلي هو عبارة عن فنان حقيقي في أعمال النقش والحفر والنحت والرسم والخط العربي ومزخرف من الطراز الرفيع . أما إذا أرادت المرأة صناعة تميمة للتعليق في الرقبة فعليها أن تلجأ عادة إلى امرأة تعرف بهذه المهنة، حيث تضع لفافة من ورق في أسطوانة فضية مزينة بالأحجار الكريمة، وتختلف هذه اللفافات الورقية التي لا تفتح عادة حسب الغاية المراد منها كالجالبة للحظ أو للسعادة أو لمحبة الزوج أو الرغبة بالحمل وغيرها، وتسمى (الحرز) للوقاية من الشرور أو فك الرصد ويتبعها أيضاً (الحجاب) وهو شكل مثلث مطوي بطريقة احترافية من قبل المشعوذ لتوضع في الزينة التي تأخذ شكل صندوق فضي ويعلق كقلادة.

إرث ثقافي في قلادة:

إن ظهور الأنواع الحديثة والأشكال المتنوعة من الحلي جعل الحُلي التقليدية الفراتية في تراجع واندثار، وقد يعود السبب في ذلك إلى قلة المهنيين الراغبين في ممارسة هذه الحرفة أو انصراف أغلب الحرفيين إلى استخدام نماذج حديثة وتصاميم رائجة للحلي ترافق ذلك مع تراجع الحلي الفضية النسائية أمام المصوغات الذهبية والذهب الأبيض، وقد يعود السبب أيضاً في ظهور مشاغل حرفية ذات مستوىً عالٍ من التصنيع الآلي الذي يُصنع مئات القطع في زمن يحتاجه الحرفي لبضعة أسابيع لانتاج قطعة واحدة، كما يعود السبب أيضاً في تراجع الاعتقاد بالتمائم والرقى، ويجب التنويه هنا إلى أن الفترة هذه التي تمر بها البلاد من أزمات جعلت هذه الحرفة في تراجع كبير بسبب هجرة الكثير من الحرفيين وانشغالهم بأعمال أخرى تدر ربحاً أكثر من حرفتهم لا سيما وأن مصوغات الحلي الفراتية أصبحت كشكل من أشكال (الأنتيكة).

______________________________________________________

المراجع:

 

ـ عياش، عبد القادر: بقايا معتقدات من وادي الفرات ـ دمشق ـ وزارة الثقافة.

عواد، أحمد نوار وآخرون: الحلي البدوية ـ مشروع حفظ التراث اللامادي في سورية ـ الجمعية السورية للثقافة والمعرفة ـ 2013.

ـ لقاءات ميدانية مع مختصين في خرفة الحلي والمصوغات بدير الزور.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password