تركيا تطالب بخروج المقاتلين السوريين وتوطّن الأيغور والأوزبك!

 

لزكين إبراهيم

عندما يحكم العالم أنظمة قائمة على أساس المصالح؛ ستخرج ديكتاتوريات من أمثال تركيا لتقلب الحق باطلاً وتتجرأ على المطالبة بأمور عجيبة وغير منطقية، كمطالبتها الأخيرة بخروج المقاتلين السوريين من شمال سوريا بحجة أنهم يهددون أمنها القومي، في وقت تستقدم هي المقاتلين الأيغور من الصينين والأوزبك والقوقازيين وتوطنهم في سوريا!

يذكر الشاعر الفرنسي فولتير في قصائده قصصاً رمزية تحاكي ما يشهده عالمنا اليوم من غياب العدالة والإنسانية، وكيف أن الجميع يؤيد الأقوى وليس من معه الحق.

ولعل من أكثر القصص التي ذكرها فولتير في قصائده والتي تتطابق مع ما نعيشه اليوم من ظلم وتسلط الأنظمة الديكتاتورية بحق الشعوب، قصة الذئب والخروف، فيحكي عن ذئب أراد افتراس خروف صغير فراح يكيل له التهم محاولاً إيجاد سبب مقنع لقتله، ويقول أن الذئب كان في أعلى جبل لما رأى الخروف يشرب من نهر ينبُع من الجبل وطمع الذئب في أكله فقال للخروف: أنت عكرت عليّ شرب الماء ووسخته، فقال الخروف كيف ذلك والماء نازل من الأعلى إلى الأسفل وأنت فوق وبإمكانك شربه صافياً!.

نعم هكذا هو منطق الديكتاتوريات! فالذئب سيأكل الخروف بأي حجة كانت، ولا يهم إن كانت مقنعة أو لا، ويبدو أن هذه القصة تصور حقيقة ما يجري على الساحة الدولية وتفسر تصرفات الفاشية التركية التي تتخذ من شعار الذئاب الرمادية العنصرية الرافضة لوجود وحقوق كافة القوميات غير التركية في المنطقة رمزاً لسياساتها، وحال تركيا اليوم هي حال الذئب الذي يريد القضاء على الشعب الكردي بأي حجة كانت مستفيدة من غياب القيم الأخلاقية والإنسانية لدى الأنظمة المتحكمة بالعالم التي تولي الأهمية لمصالحها وتؤيد حجة الذئب وترجحها على نطق كلمة الحق.

فأردوغان اليوم هدفه الأساسي والواضح تركيز كل إمكاناته على محاربة الكرد، وبهدف مهاجمتهم وارتكاب جرائمه بحقهم يخترع الحجج الواهية وغير المنطقية، فيجعل من الباطل حقاً ويحلله لنفسه، ويُحرّم الحق على غيره حتى ولو كانوا أصحاب الحق.

فكل التهم التي توجهها تركيا للكرد في سوريا تقوم هي نفسها بها، فتتهم الكرد ومقاتليهم “بالإرهاب” ولكن في الواقع نرى أن تركيا هي التي ترتكب المجازر بحق الكرد بشكل مباشر كما فعلت في عفرين وغير مباشر عن طريق دعم داعش وأخواتها طيلة عمر الأزمة السورية، ودمرت مدنهم وقراهم وهجّرتهم واستباحت أرضهم وممتلكاتهم وتمحو لغتهم وثقافتهم وتنكر هويتهم، فمن هو الإرهابي بهذه الحالة؟

كما تدعي تركيا أن الكرد يشكلون خطراً على أمنها القومي ولكننا لم نرَ أي انتهاك من قبل وحدات حماية الشعب وقسد لحدود تركيا منذ تحريرها للمنطقة الحدودية، فيما ارتكبت تركيا الكثير من الانتهاكات بحق شعوب الشمال السوري على الحدود من قتل وتعذيب ومنع الأهالي من الاقتراب من أراضيهم ونهبت أجزاء من الأراضي لدى بناء الجدار الفاصل، بالإضافة إلى جعل تركيا حدودها ممراً لدخول مرتزقة داعش وباقي المجموعات الإرهابية إلى سوريا التي ارتكبت المجازر بحق شعوبها، فمن يهدد أمن مَن إذاً؟

تتهم تركيا ومرتزقتها الكرد في سوريا بالانفصاليين! ولكننا لم نرَ أي دعوة للكرد إلى الانفصال عن سوريا وهم منفتحون على الجميع ويقبلون فتح العلاقات والتفاوض مع الجميع في سبيل إيجاد حل ديمقراطي لسوريا، فيما أقدمت تركيا على انتهاك سيادة سوريا واحتلال أجزاء منها وبمساعدة تلك المجموعات التي تدعي أنها ثوروية وسورية، وتعمل تركيا على تغيير ديمغرافية المناطق التي احتلتها من جرابلس وحتى إدلب، فيما تعتبر بوابة التعليم هي الخطة الأخطر في عملية التتريك الجديدة التي تتبعها تركيا نظراً لفرض اللغة والتاريخ التركيين على الطلبة السوريين بكل ما يحمله ذلك من عملية تزوير للعديد من الحقائق والوقائع التاريخية والثقافية والعلمية على حدّ سواء من وجهة نظر تركية عثمانية بحتة، بالإضافة إلى تتريك أسماء القرى والساحات والشوارع.

فمن الذي يسعى لفصل أجزاء من سوريا واحتلالها إذاً؟

وما يثير السخرية والعجب أكثر من تهديدات أردوغان الأخيرة هو مطالبته بخروج وحدات حماية الشعب والمرأة من شمال وشرق سوريا، لا أعلم بأي حق يُطلب من مقاتلين ومقاتلات هم من أبناء وبنات الشعب السوري الخروج من أرضهم ومدنهم؟ وإلى أين يريد منهم أن يذهبوا؟ ولمن يريد أن يتركوا أرضهم التي حرروها بدماء وتضحيات آلاف الشهداء؟

ومقابل مطالبها تلك نرى أن تركيا تجلب المقاتلين الأيغور من إقليم شينجيانج الصيني (تركستان الشرقية) التي تبعد عن سوريا أكثر من 20 ألف كيلومتر، وتوطنهم في الشمال السوري، وتشير التقديرات إلى وجود أكثر من 5 آلاف من الأيغور في سوريا الذين جلبتهم الاستخبارات التركية منذ عام 2012 ولايزال عددهم في ازدياد حتى الآن، والذين انضم أغلبهم إلى مرتزقة جبهة النصرة وداعش والقتال في صفوفها قبل أن تقوم تركيا بإعلان ما يسمى “الحزب الإسلامي التركستاني” عام 2014 وتجمع الأيغور والأوزبك والقوقازيين ضمنه في سوريا، الذين هدموا كنائس ومنازل المسيحيين في جسر الشغور بريف إدلب، وارتكبوا مجازر عدة في ريف اللاذقية. ويدعمون تنظيم “الذئاب الرمادية” التركماني العنصري الإرهابي.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة «الأخبار»، فإن للإيغور معسكرين رئيسين في محافظة إدلب، الأوّل يقع في قرية إحسم في منطقة جبل الزاوية، ويقدّر عدد الموجودين في هذا المعسكر بحوالي 2500 مرتزق ينضوون تحت لواء «الحزب التركستاني»، فيما يقع المعسكر الثاني الأبرز في بلدة مرعيان في جبل الزاوية أيضاً، ويضمّ حوالى 3000 مرتزق. بالإضافة إلى معسكر لأطفال الأيغور والأوزبك والقوقازيين في ريف بلدة دركوش الواقعة في منطقة جسر الشغور في محافظة إدلب، كذلك يعمد «الإيغور» الذين أحضروا عائلاتهم إلى سوريا، إلى استيطان بعض القرى في إدلب، ولا سيّما في قرى جبل السّماق، والتي تمّ طرد أهلها منها أو مصادرة ممتلكاتهم من قبل «النصرة» والحزب التركستاني.

ولم يكن تحوّل سوريا والعراق إلى قبلةٍ لـ«الجهاديين» الآتين من كل أصقاع الأرض، من قبيل الصدفة، بل كان عملاً حثيثاً منظّماً أخذته أجهزة استخبارات عالمية وإقليمية وعلى رأسها الاستخبارات التركية بهدف إغراق سوريا والعراق بهؤلاء المرتزقة في محاولة النظام التركي منذ التسعينيات لعب دور سياسي ــ أمني في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى واستخدامهم لضرب الحركات التحررية للشعب الكردي على وجه الخصوص وتغيير ديمغرافية الشمال السوري بهم، وتوسيع احتلالها في الشرق الأوسط عن طريق تلك المجموعات الإرهابية في مسعى لإحياء الحلم العثماني.

والنقطة الأخطر في كل ذلك أن المسؤول عن هذه الجريمة هي المجموعات المرتزقة السورية الذين يدعون أنهم ثوريون ويحمون عمليات التغيير الديموغرافي تلك دون أن يبدوا أية ردة فعل على استباحة تركيا والغرباء لأرضهم! بل ويساندون هجمات احتلال تركيا والغرباء لأبناء شعبهم السوريين في الشمال السوري كما حصل في عفرين وإبدائهم الاستعداد لدعم تركيا في احتلال شمال شرق سوريا أيضاً!

وبالعودة إلى النظر في مطلب أردوغان الداعي لخروج المقاتلين السوريين من أرضهم في شمال وشرق سوريا، فمَن بهذه الحال يجب أن يخرج من سوريا؟ وحدات الحماية وقسد الذين هم من أبناء وبنات سوريا وحرروا أرضهم وشعبهم من داعش وغيرها، أم الاحتلال التركي ومرتزقته الذين جلبتهم من أصقاع العالم والصين ووطنتهم في سوريا؟

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password