سبل العيش المشترك بين المكونات السورية

 

جاسم العبيد

دراسة تكوين المجتمعات غاية في الأهمية وتحليل مختلف الظواهر الإجتماعية لا لفهم تركيباتها الديموغرافية فحسب بل لاستيعاب ما يدور حولها من مفاهيم وعلاقات تنظم دورها وطبيعتها المجتمعية سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات. تتميز التركيبة الإجتماعية المتعايشة في سورية وطبيعة تجانسها المكون خلال سنين طويلة ضمن ظروف متعددة وبيئة محيطة هو تنوعها الثقافي الرائع.

 

سورية كالبستان أو الحديقة المزروعة بكافة أنواع الأشجار والورود والزهور وتسقى بماء واحد هو الفكر الصافي والعقل الناضج لبناء هذا البستان وإعماره وإنعاشه.

إن الشراكة القائمة في مجتمع سورية بين أبنائها وطوائفها وعشائرها عبر سنين طويلة غير متوفرة في أي بلد آخر عربي أو أجنبي.

فأطياف مجتمع سورية ومكوناته تتألف من مجموعات كثيرة كبيرة وصغيرة متعددة لها ثقافاتها وعاداتها العامة والخاصة المنفردة والمشتركة ضمن القطر العام والحدود العامة.

ولأبناء مجتمع سورية تلقى التحية وترفع القبعة في التعايش المشترك والأخوة الصادقة والإحترام المتبادل عبر السنين بين أفرادها وجماعاتها فهي المثل الأعلى بين المجتمعات الغربية والعربية والشرقية لما تشكله من لوحة فسيفساء مجتمعية رائعة ينظر لها الآخر بمنظار التعجب والأريحية والغيرة أحياناً مجتمع يزهو بعاداته وتقاليده التاريخية وألفته الاجتماعية واحترام أبنائه بعضهم البعض وتوادهم وتآخيهم.

هم يعملون كخلايا النحل في حياتهم العامة والخاصة وعلاقاتهم المشتركة العامة والخاصة كل قد عرف واجبه واستدل إلى حقوقه ووقف عندها مخلصا لبناء الوطن الواحد في عيش مشترك مبني على المفاهيم الإخلاقية المتوارثة من الرزانة والسلوك الرائع والإحترام العالي ليبنى مجتمعاً مثالياً نادراً بين مجتمعات العالم.

ومن مكونات المجتمع السوري العرب بنسبة 79 % والكرد بنسبة 17% أما السريان فهم بنسبة 1 % وكلدان وآشور فهم قليلون جداً يعيشون في الجزيرة السورية في القامشلي وعلى سرير نهر الخابور والحسكة والأرمن واليهود والشركس والتركمان والداغستان والشيشان.

يتوزع العرب في المحافظات الكبرى في دمشق وحلب وحمص واللاذقية ودير الزور وادلب وحوران والسويداء والقنيطرة والرقة وطرطوس وفي الحسكة منهم أبناء عوائل أفراداً ومنهم أبناء عشائر كبيرة مثل العقيدات التي هي أكبر عشيرة في سورية والبقارة وعنزة وطي والجبور وقيس والفضل والفواعرة وشمر والسواعد وما يتحالف مع هذه العشائر من عشائر صغيرة قليلة العدد .

أما الكرد فمعظمهم يعيش في الشمال السوري في محافظة الحسكة والرقة وحلب وجزء منهم في دمشق فهم ينحدرون من الحضارة الميتانية الهورية والميدية ولهم سلالات أيوبية وبدرخانية تواجدت في دمشق ومصر شكلت إمارات ذات يوم. اما المكون السرياني فهم يشكلون ثلث مسيحيي سورية وتعدادهم حوالي 250 ألف نسمة يتوزعون في دمشق وحلب والحسكة وحوران والسويداء وحمص واللاذقية وطرطوس وقلة في باقي المحافظات السورية.

أما التركمان فعددهم لا يزيد على 150 ألف نسمة ينتشرون في دمشق والقنيطرة وحلب والرقة وطرطوس وحماة وريف حمص وشرائح منهم يتكلمون اللغة العربية وهم ينقسمون إلى قسمين 1-من العائلات التركية التي تمتد جذورها إلى السلالات التركية التي وجدت في سوريا منذ قدوم السلاجقة ومن ثم المماليك والعصمنلي، وقسم جاء وظيفياً أيام العثمانيين واستمروا بالإقامة في سورية وقسم آخر يعيش في القرى وهم خليط بشري.

أما الشركس فهم مكون صغير يعود بالأصل إلى منطقة القوقاز ثم جاؤوا سورية في بداية القرن التاسع عشر بعد حملة التجنيد الإجباري للدولة العثمانية وموطنهم خناصر جنوب حلب، أما المكون الأرمني فمعظهم هاجروا إلى سورية بعد عام 1915 بعد الإبادة الجماعية التي تعرضوا لها من قبل السلطات التركية ووفقاً للإحصائيات يقدر عددهم ب 150ألف نسمة يتواجدون في الجزيرة وحلب ودمشق وبعض المحافظات الأخرى مثل طرطوس واللاذقية.

أما اليهود فهم قلة في حي الأمين بدمشق سابقاً وفي حلب والقامشلي لم يبق منهم أحداً فقد هاجروا إلى البلاد الأوروبية وخاصة أمريكا.

وجميعنا يعرف كيف عاشت هذه المكونات بعضها مع بعض جيراناً في المسكن والمحلات –الدكاكين – وفي الوظيفة والسوق والبيع والشراء في جملة من العلاقات الإجتماعية التي تسودها التقدير والإحترام المتبادل في السراء والضراء في الحزن والفرح في الموت والعرس لا مثيل له تفوح منه عطور الحب والتآخي والأمل والمحبة وعلى سبيل المثال يقول الأستاذ أنيس مديواية صاحب أقدم وأكبر مكتبة في مدينة القامشلي
(في الأربعينات والخمسينات أنشأنا شبه جمعية من شباب وفتيان القامشلي إسلام ومسيحية كرداً وعرباً وسريان أذكر منهم شوقي بعاج ومن بيت جبارة الحلبية).

وحينما يحين موعد عيد الأضحى أو الفطر أو عيد رأس السنة والميلاد أو النيروز نجتمع ونشتري السكاكر ونلفها بشكل لفافات، ونسير بشكل عراضة ورقص إلى أبواب المساجد أو الكنائس لنوزع للمصلين تلك الحلوى ونثير الفرح وننشره في نفوس أبناء المدينة).

إن الثقافة الإجتماعية والأخلاق المجتمعية وتعلمها وثباتها في فكر وقلوب أبناء المجتمع الواحد وترجمتها سلوكاً وتعاملاً والاعتراف بالآخر واحترامه وتقديره بصدق هو السبيل الوحيد للعيش المشترك.
إن التطور الحضاري وتعزيز ديناميته والنهوض بالمجتمع ورفع مستواه يحرر فكرة التعصب ويلغي فكرة الأنا والفردية والتفرد بالمسؤولية وفكرة الأنفراد بالسلطة.

إن بناء المجتمع على أسس سليمة والوصول به إلى الأهداف السامية هو وجود فكرة التعاون بين الجميع أن الوطن للجميع فلا تعلو شريحة على نفسها إلا بحب الآخر والتضحية من أجله وحماية الجميع أبناء الوطن الواحد.

إن الثقافة هي محصلة التفاعل القائم بين الفرد والمجتمع ككل والبيئة عامة وليس الإنغلاق على أبناء الجلدة المغلقة على ذاتها.

إن مجتمعنا بحاجة ملحة للعيش المشترك وتنظيم هذا العيش ورفع مستوياته إلى درجة المثالية وقد حان الوقت لذلك وهذا يتطلب منا النشاط العارم والتعاون المستمر والتضحية والتفان، لذلك إن الارتقاء من مكونات الشعب جميعاً إلى التفان والتعاون يحتاج إلى ثقافة عالية بعيدة عن الأنانية والفردية والأشكاليات المتراكمة سابقاً في نفوس أبناء المجتمع والتي زرعت في النفوس بشكل عفوي أو مقصود وهذا يتطلب وضع القوانين الصارمة والدساتير المبنية على المساواة والعدالة والحريات لأبناء الوطن.

أبناء سورية مؤهلون للعيش المشترك نتيجة لثقافتهم وموضوعيتهم في العيش واحترامهم للمباديء وأخلاقهم العالية في السلوك، إننا نلاحظ صورتهم الحقيقية في إقامتهم وتواجدهم مع الشعوب الأخرى التي يعيشون بين أبنائها فالسوري مخلص في عطائه باني للمكان الذي يعيش فيه صادق مع الآخر وبالمقابل نجد الآخر يحدث مقارنة بين السوري والمواطنين الآخرين من بلاد أخرى لنرى النتيجة الواضحة والعلامة المميزة للسوري في خلقه وعمله وإخلاصه وصدقه يظهر ذلك في مجال التربية والتعليم والصحة والطبابة والصناعة والتجارة وكل مجالات الحياة الإقتصادية والإجتماعية.

إن الوصول لمجتمع مثالي وعيش مشترك بين أبنائه يحتاج إلى السهر الدائم والنشاط المستمر والتعاون الأكيد بين فئات وأطياف أبناء المجتمع مجتمعين غير متفرقين واضعين شعارهم التضحية بكل غالٍ ونفيسٍ من أجل الوصول لتلك الأهداف النبيلة وهذا ليس صعباً على أبناء.

المصادر:
1-نحو مجتمع جديد، ناصيف نصار.
2-المكونات السورية وسبل العيش المشترك، إبراهيم كابان، وفادي وليد عاكوم.
3-الثقافة والأخلاق، لجنة بحوث العلوم الاجتماعية.

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password