المقدس والتقديس

فرات اف ام

هل هذا الشعور يتكون لدىٰ الإنسان في حالات الإحساس بالضعف، بالقوة، وبالخوف من الضياع..؟

لماذا يلجأ الإنسان، أو تلجأ جماعة معينة من البشر إلى تقديس شخصٍ ما، أو حيوانٍ ما، أو حائطٍ ما ،  أو  قبرٍ ما ..!؟

الكاتب: جلال حسو

ما معنىٰ وما أهمية أن يكون لك مقدساً..!  وهل يستطيع الإنسان ألّا يعيش بدون هذا الشعور .!؟

ماهي الفائدة من المقدس بذاته، وما هي ضرورة التقديس؟  وما هي أبعاد الحالة النفسية والشعور الذي يتولد لدىٰ الجماعة، وما هي الحاجة المتلازمة بين الطرفين (المقدس والتقديس) التي ولَدت هذه الظاهرة المتوازية والمتزامنة مع مراحل تطور البشرية الموغلة في القِدم، المتجددة دائماً والمتجذرة في المجتمعات بمختلف أعراقها؟

لماذا لجأت لها الجماعات البشرية منذ القِدم، وما هو سر وسبب هذه الحالة والشعور المتوارث من جيلٍ إلى جيلٍ وبأنماط وأشكال مختلفة وصلت إلى يومنا هذا، وبصِيغ متطورة تزامناً مع الوضع الاقتصادي والتقدم التقني .؟

وعبر مسيرة البحث وبأشكالها البدائية، كان الإنسان دائماً يبحث عن ذاته في الكون الذي يحيط به،

في الطبيعة التي لامست مشاعره البسيطة، في اللحظات الأولىٰ منذ ولادته.  وخضع للتغيرات والتقلبات الجسدية والنفسية المختلفة، متزامنة مع متغيرات الطبيعة من حوله عبر حقب زمنية متتالية تحمل صفات مختلفة أيضاً.

أدهشته قوة الطبيعة بظواهرها الخارقة، وكانت آنذاك عصية على قدراته العقلية في تفسيرها ولاتزال أغلبها لم تفسر بعد رغم التطور العلمي الهائل.

مثلاً .. كانت الحيوانات العملاقة و المفترسة تُحدث في ذاته رهبة شديدة، أوقعت في نفسه خوفاً وهلعاً فظيعاً بما تحمله العبارة من معنىٰ  .!  والشمس والقمر وما تملكانه من طاقةٍ قويةٍ وشديدة التأثير لا نظير لهما علىٰ الأرض وسكانها. والطوفانات الكبيرة للأنهار والبحار وهي تبتلع كل شيء معها أمام أنظارهم.  كل هذه التأثيرات وغيرها، شكلت لديه حالةً وشعوراً غير مفهوم ومعقد.  وأصبح يدرك ذاته وقدراته مع الطبيعة رويداً رويداً.

وحتى في حالة الجنس مع المرأة ولدَت لديه شعور بقوتها الخارقة في الخلق. وأصبحت لعصور من الزمن رمزاً للخصوبة والعطاء، في مشاعر وأحاسيس الحب والولادة. ولعدم قدرة الإنسان في تفسير هذه الظواهر المختلفة، وعجزه لإيجاد الحلول لها.

لذا تعمقت لديه حالة الخوف وتحولت هذه الظواهر إلىٰ قوة خارقة ذات تأثير كبير عليه. وهنا بدأ ظهور   تقديس القوة والعظمة والخوف منها، وظهر مفهوم المقدس ووجوب تقديسه وتقديم القرابين له.

هذا يوضح لنا أن الإنسان كان دائماً في حالة قلق روحية وخوف من المجهول؛ لذا من السهل عليه أن يستسلم ويخضع لتأثير هذه الظواهر الخارقة والتعايش معها كما هي وتنظيم أموره الحياتية بموجب قوانينها.

لدينا هنا تساؤلات تطرح نفسها؟

هل الطبقات المتحكمة بشؤون العباد عبر العصور بمختلف تسمياتها وأشكالها، هل اعترفت وتعترف ب (المقدس وحالة التقديس) أم أنها صنعت المقدس وأدركت مهامه الوظيفية في تنظيم أمور البشر المعنوية والروحية والحياتية، لما يملكه هذا المقدس وهذا الشعور من القدرات الخارقة والخيالية، وذلك بالاعتماد على خبرات الأسلاف في إدارة شؤون الرعية.

هل حدث في تاريخ البشرية اجماع على مقدس معين؟ وهل توحدت في يوم ٍ ما مشاعر التقديس للبشر لمقدس واحد،  وباستمرار  عبر العصور .؟

طبعاً لا؛ لأنه هناك دراسات عديدة لحركة تاريخ الشعوب تؤكد ظهور الكثير من (المقدسات) وبأشكال وبأساليب مختلفة. وولدت معها تنافس خطير يحمل في طياته إشارات مخيفة لصفات التبريك والولاء للمقدس. وانتشر هذا الشعور للمقدس وتحول إلى ولاء مطلق، رافقه شعور للرعية يمثل الفداء بالذات من أجل ذاك المقدس. وللعلم لازالت تتطور حالة الشعور بالفداء للمقدس حسب الوعي المجتمعي في جغرافيات مختلفة وحسب الروحانيات وقوتها المعنوية.

في أغلب الأحيان تدنىٰ مستوىٰ حالة التقديس للصف الثاني والثالث للأشخاص المؤثرين في الجماعات والأقوام.

ويمكن القول إن حالة التقديس ما قبل الديانات (السماوية) وما بعدها، أخذت أشكالاً جديدة وتدنت مستوياتها.

نعم.. بعد ظهور الإله القوي الموجود في السموات  (كمقدس  مطلق )  لدى  معتقدي الديانات  (اليهودية _ المسيحية_ الإسلامية)  وتلاها في القداسة ( الأنبياء _ والرسل  _ الخلفاء _ الأولياء _المشايخ _وأصحاب الكرامات _الحاخامات _الباباوات _البطاركة ….إلخ ).

* وفي إطار حركات تحرر الشعوب وبأيديولوجياتها المختلفة، ظهرت عبادة القادة المعنويين المميزين،

ومن ثم القادة العسكريين ذوي البأس الشديد؛…..إلخ.

ويتبين لنا هنا .. أن المقدس وحالة التقديس كانت تتعرض للمد والجزر.

تضعف أحياناً وتزداد قوةً حسب الحاجة لها، وتنتهي أحياناً بموت المقدس حسب المعتقدات السائدة ويحل محله مقدس آخر.

وهناك اشكالية أخرى، عندما يكون المقدس يخص قوم من الأقوام أو جماعة صغيرة …   هذا يعني بالضرورة وجود جماعات أخرى تحتقر ذاك المقدس ولا تعترف به وتعاديه وتدعوا لزواله!   وهذا بالتالي يولد صراعاً فظيعاً في سبيل المحافظة عليه. وحتى ضمن الجماعة الواحدة تطور هذا الصراع وأخذ أبعاداً مختلفة في الولاء والفداء بالذات.

يرىٰ البعض من المهتمين أن حالة التقديس، من صنع أشخاص لهم منفعة في ذلك، ولفترة هم يحددونها، وذلك لعلمهم بالمستوى المعرفي والنفسي لتلك الجماعة.  وحسب الحاجة يستمر التقديس لأجل مسمىٰ. وإلا لماذا لا تدوم حالات التقديس لدىٰ نفس الجماعة عبر الأجيال بتلك السوية التي بدأت بها. وكما ذكرنا آنفاً بصدد (الآلهة _ الحيوانات _الظواهر الخارقة وغيرها).

يتساءل البعض … هل هذا الشعور هو حاجة من أجل التوحيد حول ذلك (المقدس) أم هو وسيلة من أجل الحفاظ على جماعة أو شعب معين من الانحلال والتمزق. ولكن هذه الحالة في أغلب الأحيان لا تدوم لعشرات السنين، تتراجع وتتفسخ تلك الجماعة والأمة،  والمقدس يفقد سبب وجوده وأهميته وتنتهي صلاحيته .!

وكما تبين أيضاً في مسيرة البحث الطويلة للبشرية عن (مقدس ٍما)، يحمل صفات قوية وأبدية.  وبالتوازي مع وجود (المقدس) صدرت قوانين تنظم عملية التقديس والتقرب منه، في حالات الرفض والقبول، تتراوح ما بين الترهيب والترغيب كمفهوم (الجنة، الجهنم). من يرفض يحاسب في الدنيا والآخرة. ومن يطيع له مكافأة أحد جوانبها جنسي، وحياة الخلود الموعودة  تنتظره..!

للأسف الشديد حتى الإله السماوي أصبح مصدر خلاف بين الجماعات البشرية في طريقة التقديس.  إسلامياً (شيعة وسنه)    ومسيحياً (كاثوليك _ بروتستنت _ أرثوذكس).

وهناك تفاصيل عديدة ومعقدة التي تبث التفرقة، وأحدثت شرخاً كبيراً بين المؤمنين للدين الواحد وجماعته.  ولسنا هنا بصدد الإسراف في ذكرها الآن.

ولازال الخلاف مستمراً بين الأقوام والجماعات من البشر يتطور حسب مستوىٰ الوعي والمعرفة لكل جماعة على حِدا.

_وعلى الأغلب هذا الشعور لدى الإنسان كان يؤدي إلى حجب الرؤية ويفقد الثقة بين الناس ويعمق الخلاف.  حيث تفتقد البوصلة الوطنية والاجتماعية والمعرفية اتجاهها الصحيح. ويصبح الهدف وسيلة، والوسيلة تتحول إلى هدف.

وأخيراً.. أود أن أختم قراءتي التحليلية هذه حول مفهوم حالة (التقديس والمقدس) وأريد الإشارة إلى أن أبناء شعوب الشرق الأوسط على وجه الخصوص بمختلف أعراقهم ومعتقداتهم ومذاهبهم، يتقاسمون جغرافيات متداخلة، وأفكار مشتركة من عادات وتقاليد متقاربة ما.

ولكن تختلف في الأساليب والأشكال فقط، وتتوافق في المضمون على الأغلب. وإن قليلاً من التمييز لدىٰ شعب من الشعوب لا يعطية الأفضلية بالمطلق، للتمادي على الشعوب الأخرى.

الكاتب: جلال حسو

Login

Welcome! Login in to your account

Remember me Lost your password?

Lost Password